رأي التحريرغير مصنف

وجهان بارزان في استفتاء كتالونيا

كتالونيا كشفت وجود نزعة استقلالية قوية داخل بعض دول الاتحاد الاوروبي وعن الوجه العنيف للديموقراطية الاسبانية

اظهر استفتاء كتالونيا في اسبانيا ومن قبله استفتاء سكوتلاندا في بريطانيا وجود نزعة استقلالية قوية داخل بعض دول الاتحاد الاوروبي.

وتتأسس هذه النزعة في الغالب على خصوصيات جهوية او لغوية او إثنية او جغرافية مختلفة، فالدولة القومية التي ولدت في أوروبا أصلا (والبعض يرجعها الى ما عرف باتفاقية وستفاليا في 1684 التي وضعت أساس الدولة القومية على أنقاض الحروب الأهلية والإمبراطورية الرومانية الكنيسة) قد نشأت في اجواء قلقة ومن رحم صراعات دينية وقومية، ضمن ما عرف بالحدود الدموية لاوروبا Europe’s bloody borders. الا انها قد فرضت نفسها على ارض الواقع وأصبحت نموذجا في نظام الدولة بل العلاقات الدولية.

ولا ننسى ان الحرب العالمية الاولى والثانية كانتا في جوهرهما نزاعا على النفوذ والثروة بين الدول القومية الأوروبية الكبرى وريثة الإمبراطوريات القديمة.

بيد ان هناك مؤشرات عديدة تظهر تنامي النزعات الاستقلالية داخل الدول الأوروبية، كما راينا ذلك جليا خلال الاستفتاء على استقلال سكوتلاندا السنة الماضية. ورغم ان نتائج التصويت لم تكن لصالح الانفصال بفارق ضئيل، الا ان انفصال بريطانيا عن الاتحاد الاوروبي (بريكزيت) بث نفسا جديدا في هذا التوجه الانفصالي.

واليوم، نشهد بروز نزعة انفصالية قوية في اقليم كتالونيا، الذي يضم اربع مقاطعات تقريبا، ويقطنه ما يزيد عن السبعة ملايين،
يتمايزون بلغتهم المحلية الكاتالانية ( والتي تعرف بالعربية باللغة القلطونية). ومازالت الى زالت سياسة الشد والجذب مستمرة بين مدريد وبرشلونة حول ملف الانفصال.

وتتغذى هذه التوجهات الانفصالية في أوروبا من صعود الهويات المحلية والجهوية لأسباب إثنية ولغوية او دينية، في خضم أزمة اقتصادية عصفت بالقارة العجوز منذ سنة 2008، وأدت الى افلاس اليونان، ووضعت البرتغال وإسبانيا وغيرها على حافة الافلاس تقريبا.

اما الملمح الثاني الذي رافق استفتاء كتالونيا، فهو الوجه العنيف للديموقراطية الاسبانية، حيث خيرت حكومة مدريد استخدام البوليس لاقتحام مكاتب الاقتراع ومصادرة صناديق الانتخاب وفض المتظاهرين بالقوة، فيما رَآه البعض عودة للفرانكوية مجددا (نسبة الى الى الجنرال فرنكو الذي حكم اسبانيا عبر انقلاب عسكري منذ سنة 36 الى 75، وزج باسبانيا في أتون حرب أهلية طاحنة، وحكم البلد بالحديد والنار، خاصة وان الحزب الشعبي الذي يقود الحكم اليوم له جذور قومية يمينية واضحة.

تقف أوروبا امام تطورات الأحداث في اسبانيا بين الحيرة وملازمة الصمت.. الحيرة لانها لا تعرف كيف تتعامل مع نزوع حكومة مدريد الى استخدام العنف المفرط في التعامل مع مواطني كتالونيا، وهي التي جعلت ما تسميه بالقيم الأوروبية اي قيم الديمقراطية وحقوق الانسان، ثم حق تقرير المصير، علامة مميزة لهوية القارة العجوز.

لم تَر أوروبا بدا من التزام الصمت خشية تفجر المزيد من النزعات الاستقلالية والانفصالية داخل الفضاء الاوروبي، خاصة وان الكثير
من دول الاتحاد تحمل عوامل التصدع الداخلي. كل هذا من شانه ان يزيد في ارباك الاتحاد الذي لا زال يترنح تحت وقع صدمة استفتاء البريكزيت، في ظل تصاعد حالة التذمر الاقتصادي بين شعوب القارة الأوروبية.

وإذا كان هذا حال اوروبا المنيعة القوية وهي تواجه اليوم صعود التوجهات الانفصالية، فكيف بالدول العربية التي تقاسي من اوضاع التفكك الداخلي المقترن بالتدخل الخارجي، مثل العراق وسوريا واليمن وليبيا والصومال وغيرها..
وللحديث بقية.

سمية الغنوشي

رئيس التحرير

 

الوسوم

سمية الغنوشي

رئيس تحرير مجلة ميم

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.