ثقافةدين وحياةرائدات

نبوية موسى أول مصرية تحصل على البكالوريا

قراءة في كتابها "المرأة والعمل"

 

شغفت نبويّة موسى (1886-1951م) بالتعليم منذ الصغر، وحينما رفضت والدتها التحاقها بالمدرسة السنيّة معتبرة ذلك خروجا على الأدب والدين، سرقت خَتمها لتختم به استمارة الالتحاق. تُظهر التلميذة ذكاءً ونباهة وقدرة على الجدل والرد الذي لم يكن يُعجزها أبدا، منذ الطفولة وحتى الكِبَر.

 

تحصل على الشهادة الابتدائية عام 1903م، وكانت الدفعة وقتئذ 4 تلميذات، ثم دبلوم المعلمات عام 1905م، وتُعيَّن بعدها معلّمة بمدرسة عبّاس الأميرية، وكانت أول فتاة تتقدم لامتحان البكالوريا وتحصل عليها، وذلك عام 1907م، فتُرغم وزارة المعارف على مساواتها في الراتب بزملائها الرجال خريجي المعلمين العليا، بعد أن كانت تعطيها نصف راتبهم.

اتخذت من تعليم البنات قضية حياتها، وأوقفت عليه كل اهتمامها وجهودها، هي التي رفضت الزواج واعتبرته “قذارة”، وكانت صارمة في شكلها ولبسها وتعاملاتها مع الرجال حرصا على سمعتها، وقد عكست آثارُها ذلك الاهتمام، سواء ديوان شعرها أم روايتها “نوب حتب” أو “الفضيلة المضطهدة”. وهي أول ناظرة مصرية تتولى رياسة مدرسة معلّمات في ظل احتكار الإنجليزيات. ثم اتجهت لإنشاء مدارس حرّة بالإسكندرية ثم بالقاهرة.

جمعت نبوية موسى مذكّراتها، بعد نشرها مسلسلة في مجلتها “الفتاة” التي أنشأتها عام 1937م، في كتاب “تاريخي بقلمي”، كما وضعت كتابا للمطالعة العربية قُرِّرَ على مدارس البنات، بالإضافة إلى كتاب “المرأة والعمل”. وفقا لطبعة دار الكتاب المصري واللبناني بالقاهرة وبيروت، الصادرة عام 2011 بتقديم د. منى أبو زيد، ضمن سلسلة “في الفكر النهضوي الإسلامي”، فإن هذا الكتاب نُشِرَ لأول مرة عام 1920م.

 

 

على خلاف ما يوحي به العنوان، لم تتناول نبوية موسى قضية عمل المرأة حصرا، بل تناولت قضايا متنوعة، أما قضية السفور والحجاب فلم تتصدَّ لها “لأني أعتقد أن هذه التسمية اصطلاحية فكلاهما اسم نكاد نجهل مُسمّاه”، فالفلاحة سافرة ولكنها محتشمة في زيّها ومشيتها، بينما المدنية تخرج متبرّجة وإن وضعت على وجهها نقابا لا يستر إلا الحياء.

أما الحجاب الذي تفهمه فهو أن يكون في زيّ النساء ومشيتهن وسلوكهن ما يكفي لهدم مطامع الرجال إن اضطررن للخروج أو الاختلاط، ولا يتحقق ذلك إلا بتعليم المرأة التعليم الراقي الذي تشعر معه بمكانتها الحقيقية كإنسان يؤدي عملا نافعا في الحياة لا تمثال وضع للزينة واللهو.

تتتبّع نبوية موسى تاريخ المرأتين العربية والإنجليزية للمقارنة بين المرأة في الشرق والغرب، فتقول إن المرأة العربية قديما لم تكن منحطّة عن أختها الغربية بل إن ما كانت عليه لم تصل إليه أوروبا إلا بعد زمن طويل.

فقد اشتغلت بكل ما اشتغل به الرجل، فكانت شاعرة ومحاربة وتاجرة وملكة، حتى إذا جاء الإسلام زادها رقيّا على رقيها، ولم يحرّم عليها العمل ولا حتى التدخل في الأمور السياسية، وما زالت المرأة العربية تشعر بالحياة الحقيقية إلى أن انحطت الأمم العربية فخملت العقول واستبد بهم الأعداء فاستبدوا هم بنسائهم وأخطأوا في فهم القرآن وأوّلوه بما شاءوا وشاءت أهواؤهم.

وإذا كانت المرأة المصرية، في عصرها، أحطّ من أسلافها، فإن المرأة الغربية تتقدّم مع الزمن. فالمرأة الإنجليزية كانت، كغيرها من نساء أوربا، خاضعة لسلطة الرجل محرومة من كثير من حقوقها محصورة في أعمال معينة، فما زالت تطالب بحقوقها وتناضل لتحقيقها حتى نالت كثيرا منها، وكانت نتيجة ذلك رقي الأمة بأسرها.

وتقول إن الرجال تغالوا في تعداد الفروق بين الرجل والمرأة حتى كاد الإنسان يظنهما نوعين متباينين، رغم أنه لا فروق بينهما في المواهب العقلية والعادات، وإذا كان الإنسان ينطبق عليه ما ينطبق على الحيوانات الأخرى من قوانين الطبيعة العامّة. فإننا نجد الذكر في الحيوانات لا يختلف عن أنثاه إلا في أمور تناسلية محصورة، وسُنّة الطبيعة في جميع المخلوقات أن يكون الذكر أقوى عضلا وأكبر جسما ومخّا ولكن هذا ليس معيارا للتفوق، وإلا كان نبغاء الأمم وفلاسفتهم من أكبر الناس حجما.

 

 

أما كثرة النبوغ في الرجال عنه في النساء فسببه الحجر على مواهب المرأة  وبُعدها عن تجربة الحياة الحقيقية مما جعل حياتها أقرب إلى الموت منها إلى الحياة. أما في البلاد التي اعتنت بتربيتهن فقد نبغت منهن كثيرات فُقن الرجال.

وترى نبوية أن تقسيم العمل بين الرجل والمرأة فكرة اصطلاحية ليس للطبيعة يد فيها “ولست أعارضها ما دامت المرأة متزوجة، أما إذا لم يتيسّر لها ذلك فهي شخص مستقل يجب أن تقوم بكسب قُوتها كما يجب أن تتعلم ذلك من صغرها، حتى لا تحتاج إلى كسب القوت بالأعمال (الدنيئة) التي لا تناسب ضعفها المزعوم، كالخدمة والبيع وغيرهما”، وأن ما يذهب إليه البعض من عدم صلاحية النساء للقيام بالأعمال لأنهن لا يقوين عليها ينفيه الواقع.

فنساء الطبقات الفقيرة يمارسن أعمالا شاقة بأجور زهيدة، ولم تُمنع النساء إلا من الأعمال (الراقية)، التي تحتاج إلى تعليم، كالطب والمحاماة وغيرهما، وبوجه عام فإن تولّي النساء الأعمال المختلفة يحفظ الثروة المصرية التي تستأثر بها الأجنبيات.

لم تتحدث نبوية موسى عن العمل كحق أصيل للمرأة واختيار حر وسبيل للإنجاز وتحقيق الذات ونفع المجتمع بطاقات لا ينبغي أن تُهدَر، بل كوسيلة للكسب تلجأ إليه المرأة في حالات غياب العائل، أي عند الضرورة فقط، وإذا كانت درجة تقدم المجتمع ووضع المرأة آنذاك لم يتيحا لها معالجة القضية من هذه الزاوية، فقد جسّدتها هي في حياتها التي فرّغتها للتعليم والعمل.

وتسأل الكاتبة من يزعمون أن عمل النساء محرّم دينيا “لِمَ ننكر على الغنيّات الاستعداد للقيام بالأعمال (الراقية) التي تناسب مقامهن إذا دفعتهن الحاجة إلى الكسب وقد سمحنا بالعمل للفقيرات والفلّاحات، فهل للدين دخل في ذلك مع أنه لا يُشترى بالمال؟ فكيف تناله الغنية وتعجز عنه الفقيرة؟ إنه لخير لنا ألا نُدخل الدين في ذلك بل نقول هي العادة التي كان منشؤها الجهل وعدم تقدير الأحوال حقّ قدرها.” وتؤكد أن خروج النساء للعمل لا يؤدي لانتشار الفساد، بل العمل وسيلة لقمع الفساد لا لإكثاره.

وتنتقد نبوية موسى تخصيص مناهج لمدارس البنات مختلفة عن مناهج الأولاد، وتؤكد ضرورة اتفاق المناهج على الأقل في المراحل الأولى من التعليم. ومما يؤخذ عليها رؤيتها الطبقية لنشر التعليم، إذ ترى أن الأولوية يجب أن تكون لتعليم أبناء المثرين تعليما عاليا بدلا من التوسع في التعليم الأوَّلي ليشمل أبناء الباعة والخدم ومسّاحي الأحذية والفلاحين، فالأولون هم الرأس المفكر للأمة الذي يرشد “السوقة”. وقد أرجع البعض تسميتها لمدارسها باسم مدارس بنات “الأشراف” إلى رؤيتها الطبقية تلك.

الوسوم

منى علام

باحثة في التاريخ والحضارة الإسلامية مهتمة بالدراسات النسوية

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.