مجتمعمدونات

كما ربونا صغارا

بقلم: نور أبو غوش

كانَت تقِفُ عندَ نافذةٍ في آخرِ المَمَرِّ، تحاولُ جاهدةً ألّا تتكلّم معنا، أسمعُ صوتَ تذَمُرِهَا مِن تواجُدِنا على نقيضِ باقي النزيلات اللائي كُنَّ فرحات بِنا مُحتفيات بإسماعِنا قصصهنَّ وحديثهنَّ وذكرياتِهنَّ. اعتراني الفضولُ لمعرفةِ قصّتِها أكثر، يبدو من لباسِها أنَّها ميسورةُ الحال أنيقُةً الهندام، سألتُ مشرفةَ القسم عنها – وليتني لم أسألها!!

هي أمٌّ لثلاثِةِ أبناء، تركَ لهم والدُهم إرْثاً ماديّاً لا بأس به، وعاشت هي في بيتٍها مُعزّزةً مكرّمةً معها فتاةٌ تُديرُ شؤون بيتها إلى أن قرَّرَ أبناؤها بيعَ البيت واستخدام أموالِهِ في تجارةٍ لهم في إحدى الدولِ الأوروبيّة التي يعيشون فيها الآن مع أبنائهم وعائلاتهم، بينما قرروا أن تعيشُ هي آخرَ أيامِها في دارِ العجزةِ هذه.

نور ابو غوش

ترفضُ الاختلاطَ بباقي النزيلات والحديث معهن، لا يعجبها طعامٌ أو لباس أو فراش، تغضب إن أتى أحدٌ – مثلنا – لزيارتهنّ؛ إذ أنّها لا ترضى شفقةً من عيني أحد. وددتُ لو تقبلني لها بنتاً، وددتُ لو أخبرها طويلاً أنَي لا أشفِقُ عليها بقدَر ما أشفِقُ على قلوبٍ بدّلتها هذي الحياة..

خرجتُ من تلك الدّارِ محمَلةً بقصصٍ لا تنتهي، ووجعِ أمَهات لا يغفره العمر بأكمَلِه، وبقيَ ظهرها ألماً محفوراً في ذهني منذ تلكَ السنين. خرجتُ من تلكَ الدّارِ وقلتُ لِمَن معي: لن أُشارِكَ في زيارةٍ لأيٍّ من دور العجزةِ بعدَ اليوم أبداً!

إلّا أنني حقيقةً عدتُ بعدَ ذلكَ مرات، وفي كلِّ مرةٌ كنتُ أجِدُ ما لا يمكنُ نسيانه.. في كلَّ مرَّة لم أكن لأجد أمَاً غاضبةً من أبنائها، لم أسمع منهنَّ إلَا كلمات الرضى على أولادهم، تقول واحدة مشفقةً على أبنائها: “معذورين، الحياة صارت صعبة”، ويقولُ آخر: “عشت حياة حلوة، ما ضل اشي من هالعمر، خليهم هم يعيشوا”..

كنتُ أسمع ذلك كله وتحرقني ألفُ غصّة! ما قيمة العمر الذي سيعيشه هؤلاء الأبناء بعيداً عن بركةِ وأنفاسِ الأمّ والأب؟!.

أحدهم صادفتهُ مرةً قادماً لزيارةِ والده في إحدى دور المسنّين ومعهُ ابنه، كان الجدُّ وكأنّه قد ملكَ الدُّنيا بما فيها وهو يجالس حفيده، وكانت عيناي ترقب ذاك الابن؛ أودُّ لو أسأله: ألّا تخجَل مِن ابنكَ وأنتَ تعقُّ أباكَ أمامَه؟!

يقتلني وجعُ الكبار، أضيقُ أنفاساً بفكرةِ أنَّهم ينهون أعمارهم في هذه الدُّنيا على حالٍ كهذه، أيُّ غلظةٍ تلكَ التي تنالُ القلبَ حتى يفقدَ الرأفةَ على أكثرِ النَّاس فضلاً عليه؟

كيفَ لعينٍ أن تنام وفي قلبِ أحد الوالدين ضيق أو عتب؟ كيفَ لدعاءٍ أن يُستجاب أو لشرٍّ أن يُبعَد أو لخيرٍ أن يؤتَى أو لطمأنينةٍ أن تُكسَب وحزنٌ سُبِّبَ لهم طويلاً كان أن قصيراً؟

لا أبشَعَ مِنَ العقوقِ ذنباً، ولا أبأسَ منه إثماً.

نور أبو غوش

مدونة من الأردن،  تكتب في القضايا الاجتماعية

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.