مجتمع

الأخطاء الطبية تودي بحياة الآلاف في العالم العربي

تونس نموذجا

 

15 ألف خطأ طبي في تونس منها 60 في المائة  في صفوف النساء الحوامل، أرقام مفزعة تعكس تفشي الظاهرة في المستشفيات العمومية والخاصة في تونس في السنوات الأخيرة، كما تكشف عن جزء من معاناة المرضى وخاصة منهم النساء الحوامل، وتفسر تآكل ثقة المواطن في المستشفيات العمومية أو الخاصة.

 

شريفة النصري (40 سنة) ، أصيلة ولاية القصرين، تزوجت في سن متأخر ،واكتملت فرحتها بعد أن رزقها الله وحملت بطفل، إلا أنها توفيت بعد ولادتها بقرابة الشهر، نتيجة خطأ طبي.. وتعد آخر ضحية للأخطاء الطبية بتونس إلى حد كتابة هذه الأسطر.

 

يقول عبد المجيد نصري زوج  الضحية شريفة “تزوجت في 23 أوت 2013. كنا نعيش حياة سعيدة، وننتظر  مولودنا الأول بفارغ الصبر، واكتملت أشهر الحمل في ظروف طيبة إلى أن حان وقت الولادة، حينها أعلمها طبيبها المباشر  لحملها أنها ستلد بعملية قيصرية.”

 

يواصل النصري حديثه لمجلة ميم “توجهت زوجتي إلى المستشفى الجهوي بالقصرين في قسم الولادة، ولدت وحمدنا الله على سلامتها وسلامة  ابني الرضيع، إلا أنها اشتكت من سوء معاملة الممرضات اللواتي كن يوجهن لها في كل مرة سلسلة من الشتائم بلا سبب كلما اشتكت لهن من الأوجاع التي ألمت بها. كما اشتكت من سوء معاملة الإطار الطبي بالمستشفى لها، عدت إلى المنزل رفقة عائلة الا أن حالتها الصحية تعكرت وساء وضعها.

 

تعكرت حالة شريفة بعد حوالي أربعة أيام من عودتها إلى المنزل، انتفخ بطنها وأصبحت غير قادرة حتى على الحركة..

يقول عبد المجيد “نقلت زوجتي إلى المستشفى الجهوي بالقصرين الا انه وبسبب عدم توفر آلة السكانار  قام الاطار الطبي بارسالها الى المستشفى الجهوي بالقيروان، هناك وبعد إخضاع زوجتي لسلسلة  من الفحوصات، أعلمني الإطار الطبي أنها كانت ضحية لخطأ طبي تسبب في تمزيق أمعائها.”

 

بعبارات كلها ألم وحسرة   لفقدانه خليلته وشريكة حياته، يحدثنا عبد المجيد عن معاناة زوجته بعد أن اكتشف الإطار الطبي

بالقيروان مدى خطورة وضعها الصحي قائلا “خضعت زوجتي لعملية جراحية دامت خمس ساعات لتدخل بعد ذلك في غيبوبة.. الى ان كانت الصاعقة الكبرى حين تلقيت خبر وفاتها.”

 

يواصل النصري سرد قصته مع الأخطاء الطبية التي أودت بحياة العشرات من المرضى،

“قضيت 24 يوما مع زوجتي وهي في غيبوبة تامة، إلى أن فارقت الحياة يوم 12 سبتمبر 2017 تاركة ورائها رضيعا لم يتجاوز عمره  الشهر، لم أعد قادرا على العيش  بعد هذه المظلمة التي حرمتني من زوجتي ويتمت ابني.”

 

“القضاء هو الفيصل…و هدفي في الحياة أن ينال الجاني عقوبته…”

يقول عبد المجيد انه أودع ملفا لدى القضاء، مستندا إلى تقارير أطباء ولاية القيروان الذين اعترفوا ان السيدة شريفة نصري خطأ طبي يمزق أمعاء توفيت نتيجة خطأ طبي متمثل في قطع أمعائها أثناء خضوعها لعملية جراحية مما تسبب في وفاتها.”

ويضيف النصري ” لن أسلم في حق زوجتي التي لم تفرح بابنها الذي بقي في عهدة الجيران، الأطباء حطموا حياتي وحياة ابني. لن أسامحهم ولن أفرط في حقي، يجب أن تتم محاسبتهم للحد من عدد ضحايا الأخطاء الطبية”.

 

ليست الأولى.. والأرجح ألا تكون الأخيرة

لا تقتصر الأخطاء الطبية على قسم الولادات في المستشفيات العمومية أو الخاصة، ولكن هذه الظاهرة موجودة في جميع الاقسام الاخرى، ونذكر على سبيل المثال المواطنة (بسمة مزهود) البالغة من العمر 40 سنة والتي خضعت لعملية زرع إحدى الكليتين منذ شهر 17 ماي الفارط، لكن  بعد ثلاثة أشهر تعكرت حالتها  الصحية وتفاجأت بخروج كليتها  بعد أن عطست!

الحادثة أثارت ضجة  كبيرة في تونس وفي وزارة الصحة، حيث قرر وزير الصحة سليم شاكر إقالة  المديرة العامة لمستشفى شارل نيكول بتونس العاصمة يوم 22 سبتمبر 2017 اثر هذه الحادثة.

إحصائيات 2016 حول الأخطاء الطبية

  • 7000 حالة وفاة سنويا حصيلة ضحايا الأخطاء الطبية في تونس 
  • 76 بالمائة من الأخطاء الطبية في المستشفيات العمومية
  • 4 بالمائة من الأخطاء الطبية في  المستشفيات الخاصة
  • 80 بالمائة من الأخطاء الطبية : أخطاء فردية من قبل الأطباء أو الممرضين

فراغ تشريعي

قالت حبيبة الميزوني الكاتبة العامة لنقابة الأطباء والصيادلة وأطباء الأسنان الاستشفائيين الجامعيين في تصريح لمجلة “ميم” “خضنا العديد من التحركات الاحتجاجية التي طالبنا فيها مجلس نواب الشعب بسن قانون  “حماية المرضى والمسؤولية الطبية” إلا أنه لم يتم إلى حد الآن النظر في مطلبنا.”

 

وحملت الميزوني وزيرة الصحة السابقة سميرة مرعي مسؤولية تعطيل مشروع قانون حماية المرضى المسؤولية الطبية، وأضافت “حان الوقت لنفض الغبار عن هذا القانون وإخراجه من رفوف وزارة الصحة ونطالب وزير الصحة الحالي سليم شاكر بالعمل على استكمال هذا القانون وعرضه على مجلس نواب الشعب.”

وينص مشروع قانون حماية المرضى  والمسؤولية الطبية على جملة من الاجراءات والاليات هدفها حماية الطبيب وضمان حق المريض، حيث يشدد على اجبارية الاعلام والارشاد للمريض بوضعه الصحي وملفه الصحي وتسهيل طرق التعويض.

كما ينص القانون على عدم ايقاف الطبيب الا بعد اثبات التهمة عليه عند حصول خطأ طبي، بما لا يشرع  للإفلات من العقاب.

الدول العربية والاخطاء الطبية

ظاهرة الأخطاء الطبية ظاهرة منتشرة بشكل ملفت للانتباه خاصة في الدول العربية التي تغيب فيها الإحصائيات الرسمية حول عدد الوفيات الناجمة عنها.

وحسب الأرقام الصادرة عن صندوق الأمم المتحدة، بلغ عدد وفيات الأمهات في الدول العربية 270 لكل 100.00 ولادة، في حين بلغ في أوروبا الغربية 5 وفيات لكل 100.00 ولادة. أي أن وفيات الأمهات بسبب نزيف حاد مرافق للولادة تبلغ أكثر من 50 ضعفا لما هو عليه في الدول الغربية.

وحسب ذات الدراسة فإن  عدد الوفيات في صفوف الولدان اثر الولادة ووفيات الأطفال دون 6 سنوات أسوأ ب 5 – 150 ضعف ماهو عليه في الدول العربية.

الجزائر

اكدت المنظمة الوطنية للدفاع عن ضحايا الأخطاء الطبية بالجزائر ان الارقام الرسمية لعدد ضحايا الأخطاء الطبية غير معلنة وأن التقديرات تشير إلى عرض نحو 20 ألف شكوى على المحاكم الجزائرية.

مصر 

حسب وزارة الصحة المصرية فإن الوزارة تتلقى نحو 1200 شكوى سنويا ضد الأطباء بسبب الأخطاء الطبية، في حين كشفت دراسة تحت عنوان “الإهمال طبي … من يدفع الثمن؟” ،  أعدها مركز قضايا المرأة المصري أن نسبة ضحايا الاهمال الطبي من الإناث بلغت حوالي 63 بالمائة، أما الذكور فقدوصلت النسبة الى 32 بالمائة.

السعودية

بلغت قضايا حالات  الأخطاء الطبية في السعودية  3043 قضية أدين منها 52.2 بالمائة، في حين بلغت قرارات عدم الإدانة 47.6 بالمائة، حسب ما جاء في صحيفة الوطن السعودية.

في حين بلغت قضايا الوفيات الناتجة عن الأخطاء الطبية 374 قضية، أدين منها 196 قضية، وتم تسجيل 196 إدانة بواقع 4 أحكام أسبوعيا ولا زالت 178 قضية قيد التداول القضائي.

تزخر الدول العربية  بكفاءات هامة في مختلف الاختصاصات الطبية، الا أن هذا القطاع يشكو من نقائص فادحة على مستوى  التجهيزات والمرافق والإطارات البشرية. لا عجب اذن ان ارتفعت نسب الأخطاء الطبية في الآونة الأخيرة، ودق الكل، أطباءا وممرضين ومرضى أجراس الانذار مطالبين السلطات بالمسارعة الى معالجة الأمر ومراقبة المستشفيات العمومية وحتى الخاصة للحد من تضخم هذه الظاهرة المأساوية.

ثريا القاسمي

الوسوم

رأي واحد على “الأخطاء الطبية تودي بحياة الآلاف في العالم العربي”

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.