ثقافة

أمينة الصرارفي”سنغني الموسيقى الصوفية بطريقة نسائية”

حوار مجلة ميم مع الفنانة القديرة وقائدة فرقة "عازفات" المايسترو أمينة الصرارفي

 

هي أول من فتح الباب للمرأة العربية لدخول مجال العزف في فرقة نسوية حين كان الرجال يهيمنون على هذا الميدان، عازفة الكمان  وسليلة أسرة الصرارفي الفنية العريقة ذات الباع في تطوير التراث الموسيقي التونسي الأصيل.

لا عجب وهي المتشربة للموسيقى بفضل تنشئتها والمتمكنة من أصولها بعد الدراسة والتخصص، أن تكون أول امرأة مايسترو في العالم العربي تقود بكل اعتزاز واقتدار فرقة كونتها من خيرة العازفات التونسيات، تتنقل بهن حول العالم للتعريف بالموروث التونسي والعربي الغنائي الساحر..

يحتار المرء كيف يعرفها، فهي ليست مطربة ولا عازفة ولا ملحنة ولا قائدة لفرقة موسيقية فقط، ففيها تتداخل كل هذه الأبعاد لتنتج نموذجا فريدا من نوعه في تونس والمنطقة العربية.

عرفت بشغفها بالتراث الأصيل، بكل أبعاده، ليس الموسيقي والفني فقط، بل حتى في اللباس، فهي لا ترى في حفلاتها مشرقا ومغربا الا مرتدية الزي التونسي التقليدي، الذي يضفي على مظهر المايسترو مزيدا من التميز والتفرد والأناقة.

لنتعرف أكثر على تجربة المايسترو أمينة الصرارفي، كان لنا هذا اللقاء الشيق معها

 

 

  • أمينة الصرارفي أول تونسية وعربية تقود فرقة موسيقية نسائية كيف كانت بداية مشوارك مع عالم الفن؟

الدخول الحقيقي كان في الثمانينات، وأول خطوة كانت مع الاذاعة والتلفزة الوطنية، وبعد فترة تكوين في معهد الموسيقى كانت لدي مشاركة في برنامج خاص بالأطفال، ثم أصبحت بدوري أنتج برامجا للأطفال باللغة الفرنسية والعربية، ثم اكتشف المخرج محمد رشاد بالغيث صوتي، وبالتوازي مع عملي في التلفزة التونسية كنت في معهد موسيقى “الصرارفي” الذي تكونت فيه من جميع النواحي، وأشرفت على تربية أجيال.

وبالتالي اكتسبت في تلك الفترة تجربة كبيرة سواء في معهد الموسيقى أو في الاذاعة والتلفزة، من حيث التسجيل والاستوديو والكاميرا… أما الانطلاق الحقيقي فكان يوم انشاء فرقة العازفات.

مع التذكير اني بدأت كمطربة واستمرت تجربة الغناء طيلة عشر سنوات، حتى انني كنت من اوائل الفنانين الذين افتتحوا مهرجان “المدينة”، واختارني المسيرون لأقوم بحفل كامل لوحدي… كانت ذكريات رائعة.

 

 

  • كنتِ أول امرأة تتحدى الهيمنة الذكورية على الفرق الموسيقية وتمكنت من فرض مكانة المرأة العازفة في مجال كان حكرا على الرجال

في السابق كان الميدان الموسيقي يقتصر على المرأة الراقصة والمرأة المطربة، في حين لم يكن هناك اهتمام بالمرأة العازفة، دائما كانت المرأة في المرتبة الثانية، وهذا ما سعيت لتغييره، والحمد لله قمت بمهمتي بامتياز كقائدة.

 

  • اليوم مرت 25 سنة على تأسيس فرقة العازفات، التي باتت الفرقة النسائية الأولى عربيا

هذا الانجاز جاء بعد تعب كبير، حيث كنت في السابق أبحث عن عازفة واحدة يسمح لها زوجها بالعزف في فرقة وتصبح فنانة، حتى أنني حاولت اقناع زميلاتي في الدراسة لكن كان الرفض من أزواجهن، حتى ان واحدة منهن قال لها زوجها بصريح العبارة “تزوجت أستاذة موسيقى… لم أتزوج فنانة”، والحمد لله تجاوزت كل تلك التجريحات وتحديت تلك العقلية الذكورية، خاصة وأن اسم والدي قدور الصرارفي رحمه الله وتكويني الثقافي جعل الجمهور التونسي يمنحني الثقة والاحترام والشغف لتكوين عازفات أخريات.

 

 

كما أنني تمكنت من زرع حب الموسيقى مما جعل عديد الفتيات يكتسبن الثقة في النفس ويلتحقن بالمعاهد العليا للموسيقى ليحملن المشعل عني ويكونّ بدورهن فرقا موسقية.

اليوم تغير المشهد الموسيقي ولم نعد نرى فقط فرقا موسيقية رجالية وانما أصبحت للمرأة مكانتها الريادية في هذا الميدان الفني، حتى ان الرجال أنفسهم باتو اليوم يصرون على تواجد عازفات نساء في فرقهم.

خاصة وأنه اصبح لدينا مواهب يعزفن جميع الآلات، العود، القانون، الايقاع، الكمان، البيانو… رغم أن العزف أصعب اختصاص في الفن ويأخذ منك كل وقتك ومع ذلك المرأة أبدعت فيه.

ومن هذا الباب أنصح الأولياء أن يجعلو بناتهم يتعلمن العزف في سن صغيرة لكي يستفدن من السنوات ويصبحن عازفات بارعات ولما لا قائدات فرق موسيقية.

 

 

  • بدأت مشواركِ الفني كمطربة ثم تحولتِ الى عازفة لماذا لم تكملي مع الغناء؟

أولا كان بامكاني مواصلة مشواري كمطربة خاصة وأن فترة 10 سنوات ليست بالقليلة، حيث بدأت مع الفرقة الوطنية، وكنت نجمة الرشيدية لمدة عامين، وكان لي حضور على ركح قرطاج كقائدة بفرقة الفنان عبد الحميد بن علجية، وبالتالي كانت لي تجربة مميزة مع الغناء خاصة عند أداء أغاني والدي، كما لحن لي الفنان الكبير أحمد القلعي وأخذت كلمات من شعراء عرب،  لكن ميدان الغناء يتطلب عملا كبيرا في مجال الكلمات والتلحين وشخصيا أعتبر نفسي صعبة ودقيقة جدا في الاختيار.

كما أن غريزة القيادة رافقتني منذ الصغر وعشقي لآلة الكمان جعلني أخير أن أكون قائدة فرقة موسيقية على أن أكون مطربة. وهذا لا يمنع أنني الى اليوم أغني مع العازفات.

وبالتالي الحمد لله وفقني من ناحية العزف والقيادة والغناء، واستلمت المشعل من والدي باستحقاق.

 

 

  • سنة 1984 تم انتخابك كأفضل مطربة لحماية التراث فلو نتحدث عن قيمة التراث الذي بدأ يندثر شيئا فشيئا ودورك في المحافظة عليه

 

عندما بدأت الغناء، كنت دائما أغني التراث التونسي، وبما أني باحثة في الميدان الموسيقي، كنت أنبش في الموروث التونسي، ووجدت رصيدا من الأغاني المتروكة دون نوتة، فكتبت نوتات لعدة أغاني وذلك لاحياءها من جديد، وهنا أطرح السؤال لماذا العالم الغربي الى اليوم يستمع الى موسيقى شوبان وبتهوفن فيما نحن لدينا كنز من الأغاني المنسية؟ لذلك يجب أن تكون الأغنية التونسية بارزة في المحطات الاذاعية والتلفزية من المالوف الى الشعبي الى الطربي الى الأغنية الخفيفة وصولا الى فن الراب ذو المستوى… ويجب على الفنانين التونسيين المشاهير خدمة الأغنية التونسية عربيا والتعريف بها خارج الوطن.

 

 

  • لو نتحدث عن أهمية تحديث الأغاني الكلاسيكة وأغاني التراث؟

طبعا كل لفنان ولكل قائد فرقة طريقته الخاصة في اعطاء نكهة خاصة للقرن العشرين واليوم القرن الواحد والعشرين لكن بكل دراية وذكاء ودون تشويه… التراث عبارة عن قطعة ذهب كل ما قمت بتلمعيها عاد بريقها واشعاعها… وهذا ما نحن مطالبون به، يجب أن يكون التراث التونسي بجميع انواعه، الطربي… المالوف… الشعبي… حاضرا في ثقافتنا الموسيقية وفي آذاننا، طبعا مع اعطاء الاضافة، وذلك ما قمت به في فرقة العازفات، كل ما اكتسبته من التكوين الغربي والشرقي قمت باستغلاله خدمة للكورال، وقد تطلب مني ذلك عشر سنوات من العمل والصبر لتحقيق الانسجام بين الأصوات، والحمد لله أقولها برأس مرفوع، كورال فرقة العازفات من أفضل الأصوات.

الى غاية 1997 عندما أعاطني زوجي المرحوم فيصل القروي أول أغنية خاصة بالفرقة والتي استعملها لليوم كاختتام وتحية منا لجميع العروض، والأغنية عنوانها “تونس وطن ومجد”، وهي من كلمات المرحوم عبد الحميد خريّف.

تلك الأغنية التي ظن البعض من الخارج أنها نشيد وطني، أعطت للفرقة روح المرأة الوطنية.

وبعد تلك الأغنية تتالت عديد المعزوفات، مثل اغنية فلسطين، أمنية، دستكاه، زوركند… والى جانب ذلك أخذنا الأغاني الجميلة من التراث العربي بتصور وتوزيع جديد.

يمكن القول اني استلمت الموهبة  من المرحومين والدي وزوجي .. الى اليوم تقاسيم ومعزوفات أبي راسخة في ذهني، وترافقني… ومع زوجي تكونت اكثر في التلحين…  والحمد لله اليوم أصبح لي الحاني الخاصة.

 

 

  • الزي التقليدي التونسي حاضر دائما مع أمينة الصرارفي في عروضها وهنا نثير مرة أخرى اهمية التمسك بالتراث التونسي

بالطبع وهذا واجب، أستحضر عندما كنت أغني بمفردي بمهرجان المدينة كان الزي التقليدي لا يفارقني والى اليوم،الصور تتحدث عن تمسكي بزينا الذي يمثل هويتنا التونسية، لأني أريد ان أكون متكاملة، في العروض عندما أغني تونسي يجب أن يكون الزي والمايكاب وكل شيء تونسي مائة بالمائة.

 

  • لو تعطيننا فكرة عن برنامجك لهذه الفترة والعروض

قمت في شهر رمضان وفي عيد المرأة بتقديم عرض أسميته “مادموازيل”، وهو بحث في الموسيقى الفرنكوعربية، وقد لاقى العرض صدى واعجاب كبير من المتفرجين الذين تمتعوا أولا بالأغاني وباللباس الذي أعادهم الى سنوات العشرينات والثلاثينات عوضا عن اللباس التقليدي فضلا عن الرقص الذي يعود الى تلك الحقبة وآلة الاكورديون … الحمد لله نجح ذلك العرض، وأرجو أن ينال حظه في كامل تراب الجمهورية ولما لا نقدمه خارج تونس.

 

 

  • أما في هذه الفترة، فانا بصدد التحضير لمشروع ضخم وهو سابقة في تونس، هو الموسيقى الصوفية بطريقة نسائية …  يمكن القول “حضرة نسائية “، سنتغنى بالسيدات الصالحات التونسيات. وقد اتعبني جدا هذا العمل من حيث البحث عن كل ما تغنيه المرأة للمراة الصالحة مثل السيدة المنوبية، السيدة عائشة، السيدة صلوحه وغيرهن… وكل ما كان يغنّى في نطاق ضيق سأجعله يرى النور مع الجمهور، وستكتشفون أغاني رائعة في عرض كبير بداية 2018 ، باحياء فرقة أمينة الصرارفي وكذلك باليه أمينة الصرارفي، وستكون هناك مشاركة لأصوات معروفة بالتراث مثل الفنانة نبيهة كراولي التي ستمثل “قفصة” بلهجتها الجنوبية الجميلة، كما ستكون هناك مشاركة للكوميدية ليلى الشابي… سيكون عملا ضخما باخراج السيد حافظ خليفة نرجو أن ينال اعجابكم.

 

  • رسالتك للمرأة العربية كقائدة فرقة موسيقية

أرجو أن أكون قدوة لكل شابة عربية تحب الميدان الفني، وتؤمن بقدراتها في اعطاء الاضافة مثلما فعلت أمينة الصرارفي، هذه رسالتي لكل امرأة عربية، أن تطمح وتحقق كل ما حلمت به.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

إغلاق