سياسة

الذكرى 17 لاستشهاد الدرة، الطفل الذي بكاه العالم

فلسطين

من منا لا يعرف قصة الشهيد “محمد الدرة “، الطفل الفلسطيني الذي استشهد برصاص جيش الاحتلال الاسرائيلي، وقتل  بينما كان محتميا بوالده؟

30 سبتمبر 2000 يوم استشهاد محمد الدرة ،17 سنة مضت على استشهاد أيقونة فلسطين، في حادثة هزت العالم لهول الجريمة البشعة التي ارتكبها الاحتلال دون شفقة أو رحمة وأطلق النار على طفل صغير بدم بارد.

محمد الدرة

ولد محمد الدرة 22 نوفمبر/ تشرين الثاني  1988 بمخيم البريج في قطاع غزة في عائلة تعود أصولها إلى مدينة الرملة التي احتلت  1948 وهجر منها أهلها.

عاش الدرة مع والديه جمال و أمل و أشقائه الستة في مخيم البريج  للاجئين، وكان والده يعمل نجارا.

درس الدرة في الصف الخامس بأحد المدارس إلا أنه تم إغلاقها بسبب الاحتجاجات يوم استشهاده.

استشهاد …وانتفاضة

كلما ذكر اسم محمد الدرة تعود بنا الذكرى إلى ذلك المشهد المأساوي الذي هز الضمير العربي والعالمي.

في ذلك اليوم الذي يوافق ثاني أيام اندلاع الانتفاضة الفلسطينية، كان جمال الدرة وابنه يسيران في شارع صلاح الدين بقطاع غزة ، ليفاجآ بوقوعها تحت رصاص الاحتلال.

 التقطت عدسة المصور الصحفي الفرنسي شارل اندرلان العامل بقناة “فرانس 2” ، احتماء جمال الدرة وابنه ببرميل إسمنتي، بعد وقوعهما  تحت نيران القوات الاسرائلية.

 حاول الأب حماية ابنه الصغير الا انه اصيب برصاصة على مستوى اليد،كما أصيب محمد برصاصة على مستوى الساق واخرى في الظهر.

“اطمئن يا أبي أنا بخير لا تخف منهم”

“اطمئن يا أبي أنا بخير لا تخف منهم” هي آخر العبارات  التي نطقها محمد قبل استشهاده، ليضع رأسه على ساقي والده وينام بسلام. حاول الأب بكل ما أوتي من قوة أن ينقذ ابنه إلا أنه لم يستطع أمام وابل الرصاص الذي وجهه نحوه الاحتلال الإسرائيلي رغم تنبيهه لهم برفع يده أنه مدني أعزل، وان برفقته طفلا، لكن دون جدوى.

فيديو لحظة استشهاد محمد الدرة :

 

 

مظاهرات تجتاح المدن العربية

مشاهد استشهاد محمد الدرة التي تناقلتها وسائل الاعلام العربية والاجنبية كانت كفيلة بأن تشعل الشوارع العربية وتخرج مظاهرات شعبية منددة بهذه الجريمة البشعة.

خرج آلاف المواطنين في عدد كبير من المدن العربية حاملين صور محمد الدرة وشعارات منددة بما حصل من انتهاك صارخ للطفولة وقمع شديد للانتفاضة الفلسطينية الثانية التي تفجرت بعد أن انتهك  “أرييل شارون”، رئيس الوزراء الكيان الصهيوني الذي اقترن اسمه في الأذهان بمجزرة صبرا وشاتيلا في مخيمات الفلسطينين بلبنان، المسجد الأقصى محاطا ب3000 آلاف  جندي وشرطي اسرائيلي. كان هذا استفزازا لمشاعر الفلسطينيين الذين انتفضوا وخرجوا إلى الشارع بالحجارة لمواجهة جيش الاحتلال المدجج بالأسلحة.

وقد كانت حادثة تجول شارون في المسجد الأقصى هي الشرارة الأولى لاندلاع الانتفاضة الفلسطينية الثانية في 28 سبتمبر /أيلول 2000  التي خلفت 4412 شهيدا فلسطينيا  و48322 جريحا، في حين قتل 1069 إسرائيليا وأصيب 4500 آخرين.

وعمت شوارع المدن واالعواصم العربية مظاهرات ومسيرات مؤيدة للشعب الفلسطيني ومنددة بدرائم الاحتلال ضده. 

المحكمة الفرنسية تنصف الشهيد

حاول الجيش الإسرائيلي بعد الحادثة وبعد إدانة العالم له أن يتنصل من الجريمة النكراء واتهم المقاومة الفلسطينية بقتل الشهيد محمد الدرة، إلا أن الفيديو الذي تناقلته جميع وسائل الإعلام العربية والأجنبية كان كفيلا بتفنيد الرواية المختلقة.

كما ذكر الصحفي الفرنسي في كتابه “موت  طفل” أن قائد العمليات في الجيش  الإسرائيلي جيورا عيلاد اعترف بجريمة قتل الشهيد محمد الدرة، وأن عيلاد صرح لهيئة الإذاعة البريطانية “بي بي سي” يوم ” أكتوبر/ تشرين الأول 2000 أن الجيش الإسرائيلي قد قتل الدرة.

ورغم اعتراف الجيش الصهيوني بجريمته البشعة إلا أنه لم يتورع عن المضي في اختلاق الروايات الباطلة، بل رفع قضية أمام القضاء الفرنسي متهما  قناة “فرنس 2 ”  ب”التشهير بالجيش الإسرائيلي”،  وفتح جيش الاحتلال  تحقيقا انتهى فيه إلى أن القناة الفرنسية قد تلاعبت بالتسجيل.

كما اتهم سنة 2004  مدير جماعة “ميديا ريتينجز” للرقابة على الإعلام الفرنسي، القناة الفرنسية بنشر لقطات ملفقة في إحدى نشرات الأخبار، مصرحا “أن اللقطات التي بثت حول المواجهات بين جيش الاحتلال والمقاومة الفلسطينية حقيقية، ولكن لقطات اطلاق النار على محمد الدرة لم تكن حقيقية”

وسنة 2013، أصدرت محكمة الاستئناف بفرنسا  حكما نهائيا في قضية التشهير بالقناة الفرنسية  التي أدانت كاراتسي بالتشهير وتغريمه ب 7000 دولار.

تخليد ذكرى الدرة

حادثة اغتيال محمد الدرة أطلقت موجة من الاستنكار لجرائم اسرائيل وعنجهيتها والتعاطف مع الشعب الفلسطيني حول العالم، وكتب الشاعر الفلسطيني محمود درويش قصيدة تخليدا للدرة جاء فيها :

محمـــد،
يعشعش في حضن والده طائرا خائفا
من جحيم السماء، احمني يا ربي
من الطيران الى فوق! ان جناحي
صغير على الريح.. والضوء اسود
………………………….

محمـــد
يريد اللرجوع الى البيت، من
دون دراجة .. أو قميص جديد
يريد الذهاب الى المقعد المدرسي
الى دفتر االصرف والنحو، خذني
الى بيتنا، يا أبي، كي أعد دروسي
واكمل عمري رويداً رويداً
على شاطئ البحر، تحت النخيل
ولا شيء أبعد، لا شيء أبعد
………………………….

محمـــد
يواجه جيشاً، بلا حجر أو شظايا
كواكب، لم ينتبه للجدار ليكتب، حريتي
لن تموت . فليست له بعد، حرية
ليدافع عنها ولا أفق لحمامة بابلو
بيكاسو وما زال يولد، ما زال
يولد في اسم يحمله لعنة الاسم، كم
مرة سوف يولد من نفسه ولدا
ناقصا بلداً ناقصا موعدا للطفولة؟
أين سيحلم لو جاءه الحلم
والأرض جرح.. ومعبد؟
محمـــد،
يرى موته قادماً لا محالة، لكنه
يتذكر فهداً رآه على شاشة التلفزيون،
فهدا قويا يحاصر ظبيا رضيعا
وحين
دنا منه شم الحليب
فلم يفترسه
كان الحليب يروض وحش الفلاة
اذن، سوف أنجو – يقول الصبي –
ويبكي، فإن حياتي هناك مخبأة
في خزانة أمي، سأنجو .. وأشهد
………………………….

محمـــد،
ملاك فقير على قاب قوسين من
بندقية صياده البارد الدم
من
ساعة ترصد الكاميرا حركات الصبي
الذي يتوحد في ظله
وجهه، كالضحى، واضح
قلبه، مثل تفاحة، واضح
وأصابعه العشر، كالشمع واضحة
والندى فوق سرواله واضح..
كان في وسع صياده أن يفكر في الأمر
ثانية، ويقول : سأتركه ريثما يتهجى
فلسطينية دون ما خطأ…
سوف أتركه الآن رهن ضميري
وأقتله، في غد، عندما يتمردا
………………………….

محمـــد،
يسوع صغير ينام ويحلم في
قلب أيقونة
صنعت من نحاس
ومن غصن زيتونة
ومن روح شعب تجدد
………………………….

محمـــد
دم راد عن حاجة الأنبياء
الى ما يريدون، فاصفد
الى سدرة المنتهى
يا محمـــد

ثريا القاسمي

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.