سياسةغير مصنف

نيويورك تايمز: في مصر؛ محامي المختفين قسرا يختفي بدوره

 

لسنوات عديدة، وثّق إبراهيم متولي حجازي، وهو محامي مصري في مجال حقوق الإنسان، محنة المصريين الذين اختفوا في المخابئ السريّة لأجهزة الأمن في بلاده. في الحقيقة، اهتم السيد حجازي بهذه القضية لأسباب شخصيّة، فقد اختفى أحد أبنائه في تجمّع إسلامي في وسط القاهرة ولم يُعثر عليه قطّ.

وفي ظروف مماثلة، اختفى السيد حجازي فجأة دون أن يترك أثرا وراءه بعد أن انضم، لفترة وجيزة، إلى صفوف الشعب الذي مثله في هذه القضية. وفي الكثير من الأحيان، تعرّض الناشطون في مجال حقوق الإنسان للمضايقات من قبل السلطات المصرية. كما أصدرت منظمة هيومن رايتس ووتش تقريرا اتهمت فيه الشرطة وقوات الأمن بممارسة التعذيب وانتهاكات أخرى في حق الناشطين الحقوقيين.

توجه السيد حجازي، البالغ من العمر 53 سنة، إلى مطار القاهرة الدولي للصعود على متن الطائرة المتجهة إلى جنيف. فقد كان من المقرر أن يشهد أمام فريق الأمم المتحدة، الذي يهتم بحالات الاختفاء القسري. وبعد ساعات، تلقى أحد أصدقاء السيد حجازي رسالة من هاتفه مفادها أنه على متن الطائرة التي ستقلع بعد لحظات إلا أنّ السيد حجازي لم ينزل أبدا في مدينة جنيف.

وفي هذا الإطار، صرح المدعي العام أنّ السيد حجازي كان محتجزا لمدة 15 يوما بتهمة نشر أخبار زائفة وتشكيل منظمة غير شرعيّة. وقد أُحْتُجز المحامي في قسم الحراسة المشدّدة في سجن طرة خارج القاهرة.

في الحقيقة، تعتبر مضايقة الناشطين الحقوقيين أمرا شائعا في القاهرة، ولكن قضية السيد حجازي تطورت في مرحلة حساسة من حكم الرئيس عبد الفتاح السيسي، الذي خضع سجله الضعيف في مجال حقوق الإنسان لفحص دولي مكثف مؤخرا، كما أصدرت الولايات المتحدة عقوبة استثنائية بحقه.

وفي هذا الصدد، قالت وزارة الخارجية الأمريكية إنها ستقطع 300 مليون دولار من المساعدات السنوية الموجهة لمصر، وذلك بمثابة رد جزئي على قانون قاس وقعه السيسي ليضيق الخناق على بعض مجموعات الحقوق المدنية ويجعل نشاطها في البلاد شبه مستحيل. ردّت السلطات المصرية بشدة على تقرير منظمة هيومن رايتس ووتش، الذي حررته استنادا إلى مقابلات أجريت مع 19 معتقلا سابقا، حيث اتهموا فيه الشرطة وقوات الأمن المصرية بارتكاب جرائم تعذيب وغيرها من الانتهاكات الجسديّة.

وعلى إثر ذلك، حجبت مصر الموقع الإلكتروني الخاص بمنظمة هيومن رايتس ووتش، وأضافته إلى قائمة تضم أكثر من 400 موقع محظور في البلاد. كما هاجم مسؤولون ومنابر إعلامية موالية للحكومة المنظمة، التي ردّت على ذلك بتسريب نسخ من التقرير عن طريق مواقع إلكترونية لم تضمها لائحة الحكومة المصرية.

في الواقع، حظيّت قضية السيد حجازي بصدى أكبر بسبب صلتها بقضية مقتل جوليو ريجيني، وهو طالب إيطالي عُثر على جثته في القاهرة، بعد تسعة أيام من اختفائه، مما أدى إلى خوض دبلوماسي مع إيطاليا، علما بأن هذه القضية لا تزال تلقي بظلالها على العلاقات بين البلدين. وفي الأثناء، أعلن محمد لطفي، المدير التنفيذي للجنة المصرية للحقوق والحريات، التي تُمثل أسرة ريجيني في مصر، أنّ السيد حجازي ساعد في التحقيق في ظروف وفاة السيد ريجيني.

وفي هذا الإطار، قال محمد لطفي إن السيد حجازي كان يعتزم الإدلاء بشهادته بشأن القضية المعروضة على لجنة الأمم المتحدة في جنيف. كما تصدرت قضية الشاب ريجيني، التي أحدثت ضجة إعلامية في إيطاليا، العناوين الرئيسية. وفي الأثناء، يبذل البلدان جهودا مؤقتة لإصلاح العلاقات بعد فترة من التوتر. وبعد غياب دام 18 شهرا تقريبا، عاد سفير إيطاليا لدى الحكومة المصرية جيامباولو كانتيني إلى القاهر.

لقد جاء هذا القرار بعد أنْ سحبت إيطاليا سفيرها في مصر احتجاجا على ما أسماه المسؤولون الإيطاليون بالعرقلة المصرية للتحقيق في جريمة قتل ريجيني. ويعتقد المحققون الإيطاليون وبعض كبار المسؤولين الأمريكيين أن أفراد قوات الأمن المصرية عذبوا السيد ريجيني وقتلوه. في المقابل، انتقد والدا ريجيني قرار إيطاليا بإعادة إرسال السفير إلى القاهرة، قائلين إن الحكومة تنازلت عن نفوذها الرئيسي ضد السيسي. ومن جهتهم، أكد مسؤولون إيطاليون أنهم بحاجة إلى وجود دبلوماسي كامل في القاهرة للمساعدة في حل القضية.

وعلى خلفية هذه الأزمة، صرح رئيس الوزراء الإيطالى، باولو جنتيلونى، أن التحقيق في قضية ريجيني سيظل واجبا على الدولة. لكن في بلاد الفراعنة، عانى الكثير من المصريين، الذين تناولوا قضية ريجيني وقضايا مئات المصريين، الذين اختفوا أيضا في السنوات الأخيرة، من المضايقات أو أُخْرسوا بشتى الطرق.

بدأ السيد حجازي نشاطه في تموز/ يوليو من سنة 2013، بعد أن اختفى ابنه عمر تزامنا مع أحداث الإطاحة بالرئيس الإسلامي محمد مرسي التابع لجماعة الإخوان المسلمين، مما مهد الطريق للرئيس السيسي للوصول إلى السلطة. وخلال البحث عن ابنه، أسس السيد حجازي جمعية أسر المختفين، وهي مجموعة بارزة اتخذت إجراءات قانونية لصالح العديد من الأشخاص الذين اختفوا في ظروف غامضة.

والجدير بالذكر أن هذا النشاط يزداد خطرا في مصر، فقد وقع اعتقال العديد من الصحافيين والمحامين ونشطاء المجتمع المدني في مطارات مصر أو منعوا من السفر إلى الخارج. وفي هذا الصدد، أفاد السيد لطفي بأنّه حذر السيد حجازي من الذهاب إلى سويسرا، قائلا إن السلطات قد لا تسمح له بالصعود على متن الرحلة. كما قال لطفى أنّ حجازي لم يصغ إليه، وكان آخر ما سمعه منه “ليس لدي أي شيء لأخسره. فقد أخذوا ابني”.

مترجم من الانجليزيالصحيفة: نيويورك تايمز

الكاتب: ديكلان والش

الرابط:

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد