مجتمع

الجبّة القبائلية: من اجمل الازياء في العالم

تراث ازياء الشعوب العربية: الجزائر

الجزائر/حسام الدين ربيع/مجلة ميم

تزخر منطقة القبائل بالجزائر، بتراث ثري، يشمل عديد الحرف اليدوية سواء الرجالية أو النسائية، كصناعة الفخار والتحف الفنية وغيرها. كما ان للنسيج والخياطة حيزا مهما في مجال الصناعات التقليدية بالمنطقة، تتصدره خياطة البرنوس الرجالي والجبّة القبائلية اللباس الذي تختص به المرأة الأمازيغية.

“الجّبة” عبارة عن فستان تقليدي عريق، تعود جذوره إلى عدة قرون ارتباطا بالأمازيغ السكان الأوائل للجزائر، بحيث تشتهر في منطقة القبائل الكبرى  التي تضم محافظات تيزي وزو وأجزاء من محافظات بومرداس والبويرة، والقبائل الصغرى والتي تضم شمالي محافظات سطيف وبرج بوعريريج شرقي البلاد.

جماليات وأسرار الجبّة القبائلية

لا يخلو أي منزل من منازل سكان القبائل من هذا الزي التقليدي العريق، الذي يرمز  للأصالة والهوية الأمازيغية، بمختلف العوامل التي

تشكلها كاللغة والتراث المادي واللامادي، أو حتى القرى الجبلية والطابع العمراني العتيق للسكنات والبيوت وغيرها، وبالتالي تشكل الجبّة المتوارثة عبر الأجيال قطعة أساسية في خزانة الزي النسائي الجزائري بصورة عامة، والقبائلي بصفة خاصة.

وتتميز الجبّة القبائلية بالجمال الذي يسرّ الناظر إليها ودقة طرزها الحريري التي تعكس مدى تجذّر هذه المهنة في التاريخ ومدى إلمام المرأة القبائلية بتقنيات الصناعة النسيجية.

تشد الجبة الانتباه إليها بألوانها الباهية المستوحاة من الطبيعة، كالأحمر الداكن، الأصفر والبرتقالي والأزرق والأسود القاتم، وقطعة القماش الحريرية الطويلة التي تغطي الجسد كله وتكون مزخرفة برموز وحروف قبائلية في أحيان كثيرة، بالإضافة إلى الحواشي المختلفة الأحجام والأشكال والتي تضفي على اللباس رونقا وبهاء يقدم المرأة في أحسن صورة، في كامل أنوثتها.

وما يزيد جمال الجبّة القبائلية المسماة باللغة الأمازيغية “ثاغندورث لقبايل” التي تطرز بالقطن الخالص والحرير، تلك القطع المنفصلة عنها والتي ترفق بها للزينة، على غرار الفوطة أو الحزام الحريري الذي يلف الخصر و”أمنديل” أو “المحرمة” (الوشاح) الذي يغطي الرأس، إلى جانب بعض الأحجار الكريمة وقطع المرجان الأحمر والحلي والمجوهرات، المتمثلة في القلادة والقرط والسوار والعقد، الذي عادة ما يكون معدنهم من فضة وأحيانا من ذهب، بحسب المناسبات التي تُرتدى فيها الجبّة القبائلية.

زي الحياة اليومية والأفراح

ولا تقتصر الجبة على الفتيات أو العجائز ولكنّها ترتبط بالطفولة، حيث تعوّد العائلات الأمازيغية بناتها على ارتداء الجبّة منذ الصغر،
ولذلك يبقى هذا الزي محافظا على قيمته ورمزيته في المجتمع القبائلي تحديدا والجزائري عموما، كما أنّ بقاءها حكرا على العجائز في القرون الماضية لم يعد له وجود في وقتنا الراهن، فقد تعمم هذا اللباس على الفتيات وهنّ في عمر الطفولة أو في عمر الزهور، كما انتشر في باقي أنحاء الوطن.

وترتبط الجبّة بالحياة اليومية للنساء الأمازيغيات، كما تقترن بأفراحهن، فتبرز في الأعراس وحفلات الخطوبة وتتصدر مختلف أنواع الملابس حتى العصرية منها، أو التقليدية المحلية ذات الشهرة الواسعة كـالكاراكو العاصمي (الجزائر العاصمة) و”الشدّة التلمسانية” (تلمسان غرب البلاد) و”جبّة الفرقاني” القسنطينية، و”الملحفة الشاوية”، و”البينوار السطايفي”، و”القندورة العنّابية” بشرق الوطن.

ويبدو الاستغناء عنها في الأعراس الجزائرية مستحيلا، إذ تشكل رفقة الأزياء المذكورة تصديرة العروس يوم الزفاف، والتصديرة تعني أنّ العروس في الجزائر تقوم بتجريب وتبديل هذه الأزياء بين الفينة والأخرى، حتى يراها أهل العريس والضيوف الحاضرون في الاحتفالية في أبهى حلة، في كامل أناقتها وجمالها.

جبّة العازبة والمتزوجة..أين الفرق؟

ويكمن سرّ الجبّة القبائلية في اختلاف تام عن بقية الأزياء التقليدية الجزائرية، فهي تفرق بين المرأة المتزوجة والعازبة من خلال “الفوطة”
التي توضع على الخصر، فالمرأة المرتدية للجبة  تلف خصرها بالفوطة تعني أنّها متزوجة، في حين ان التي تلف الفوطة في الجانب الأيمن أو الأيسر تشير لانها إمرأة عازبة.

ورغم حركة التحديث والتطور في شتى المجالات لاسيما على صعيد الألبسة، لا تزال الجبة القبائلية محافظة على مكانتها في المجتمع، فلم تنل منها رياح العصرنة، وما تضيفه المصممات والخياطات لها مجرد لمسات عصرية تمس الشكل ولا تخلّ بالجوهر، لذلك أصبح هذا الزي يجمع بين التقليدي والعصري، مما مكنّه من اقتحام الأفراح الجزائرية بمختلف ربوع البلاد ولم يعد حكرا على المرأة الأمازيغية التي توشحت به لقرون طويلة. ولَم تعد هذا الزِّي يرى داخل حدود الوطن فقط، بل أضحى يرتدى في الخارج من القاطنات في المهجر، أو يقدم في عروض الأزياء كما حدث مؤخرا في عرض للأزياء في تونس، أين كانت الجبّة الأمازيغية العصرية حاضرة في “شارع الحبيب بورقيبة”.

رمزية الألوان، الفوطة والمحرمة والحزام

تقول السيدة سميرة امبوعزة، الباحثة في التراث بمتحف اللباس التقليدي الجزائري، ان “الجبّة القبائلية لباس نسوي تقليدي جزائري
متوارث بمنطقة تيزي وزو وبجاية، وهي عبارة عن عباءة طويلة مطرزة بخيوط ولها ألوان خاصة لها رموز عقائدية تزين بها أسفل العباءة والصدر والكمّين”.

وتضيف امبوعزة في تصريح لـ”ميم”: ” تحيط بالجبة قطعة قماش مربعة الشكل طويلة مطرزة بنفس الخيوط وبنفس الأشكال الرمزية يطلق عليها اسم “الفوطة” حيث تُلف حول الخصر وتعقد ويتم تثبيتها بواسطة حزام من الصوف الملون بتلك الألوان الامازيغية الرمزية”.

وتضيف المتحدثة : ” اللون الأصفر لون الشمس لاعتقادهم أنها مصدر القوة والأخضر لون النبات باعتباره رمز الحياة والأزرق لون السماء الذي كان يرمز عندهم للحرية وأحيانا البرتقالي لون النار أو الأحمر لون الدم”. و-حسبها- هي ألوان ترابية اتخذوها رمزا للقوة أيضا.

وتشير الباحثة امبوعزة أنّ لـ”الفوطة” مهام عديدة، منها استعمالها كغطاء للأكتاف والرأس عند الضرورة في حالات البرد والحر؛ كما تستعمل كقفة لجمع الخضار والفواكه والزيتون.

وبخصوص محرمة (وشاح) الرأس، فأوضحت أنّ المرأة القبائلية تستعملها تارة للزينة وتارة أخرى لإخفاء بعض أدوات الزينة مثل المشط والمرآة والكحل وغيرها من المستلزمات الخاصة. ولفتت في السياق أنّ المرأة القبائلية تستخدم “الحزام” لأغراض عدة، منها تعليق المفاتيح وكيس النقود.

بماذا تأثرت الجبّة الأمازيغية؟

وأمام قلّة الكتب والدراسات في مجال الأزياء التقليدية، صدر عن منشورات “أنوثة” في العام 2007 للإعلامية والكاتبة الجزائرية نفيسة

لحرش مؤلف سمته “تطور لباس المرأة الجزائرية”. وتقول كاتبته في فصل “البلوزة القبائلية: “الجبة القبائلية أو “ثاقندورث” تأثرت في مراحل تطورها عبر التاريخ باللباس الإغريقي، ثم الروماني” وذلك خلال حقبة الإغريق والرومان في الجزائر.

واعتبرت أنّ “الجبة القبائلية تتميز بالبساطة وجمال الألوان ويتم اختيار نوع قماشها بحسب المستوى الإجتماعي للعائلات القبائلية، فالفقراء يلجؤون إلى خياطة الكتّان والأغنياء ينتقون الحرير. لكن مع التطور الذي حصل على مستوى الجبّة لم تفقد بريقها بل أثرت عليها العصرنة إيجابا وأكسبتها جماليات كثيرة.”.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد