مجتمعمدوناتالرئيسي

يافا بقلم جزائري

بقلم: حياة بن بادة

 لم ينم أحمد بطل روايتي “زمن الحرب وذكرى الجميلة” يوم النكبة على صوت أمّه يغرّد ككل ليلة:

نامت عيونك وعيون الحق ما نامت

وما ظلت شدة على مخلوق ودامت

ربّما لأنّ أحمد تجاوز سنوات الطفولة المبكّرة وصار حجر أمّه ملكا لأخيه الأصغر، سوى أنّه ظلّ بعد سنوات أخرى يخون الحاضر وهو يختلي بطفولته في مقهى الذكريات الذي أقامه على رصيف بلدة في الدماغ تدعى الذاكرة، وظلت يافا في بلدته تلك على قيد الحياة وتلك الأغنية في ثغره على قيد الهتاف. لا زال أحمد يطلب النوم لقلبه التائه في جبال الذكرى فيهدهد على مهده اليتيم بأغاني النوم القديمة من المخيّم.

ثمّة يا أصدقائي مع كلّ حدث أغنية ذاكرة لا تندثر كلماتها ولا تموت ألحانها، ثمّة مع كلّ حدث سلّم موسيقي ومقام مميّز لا

يكاد يبحر على متن الذاكرة إلّا والغد مربوط في ساقه تماما كبريد يحمله حمام زاجل إلى يد المستقبل، ثمّة يا أصدقائي حياة تلوح مع كل أغنية شعبية توارثتها الأجيال،  يسمّيها الناس تراثا وأسمّيها أنا نضالا، فكل تراث هو بصمة نضال ما.

كان أحمد في العقد الأول من عمره عندما بتره اليهود من صدر الجميلة، سوى أنّهم لم يستطيعوا بترها من قلبه فساقه التهجير نحو دوّار الشهداء “جنين” وهو يغني:

أنا بلدي يافا

يافا أُم الكل

فيها الورد الأحمر

حياة بن بادة

فيها كمان الفل

فيها بحر كبير

فيها كمان عصافير

بتهدِّي وبطير

عالشط الكبير

بابا نْوَلد فيها

وماما رِبْيت فيها

يا رب اتخلّيها

يافا حبيبة الكل

يروي أحمد تفاصيل حياة فلسطينية لا تختلف عن الكثير من حكايات التاريخ التي امتزجت بالأبيض والأسود، تلك التفاصيل عظيمة كالورقة، وهل هناك مواد على سطح مجتمعات البشرية أعظم من ورقة؟ إنها تقسّم الأرض بين أصحابها وأعدائهم وتمنح الأعداء حق الاغتصاب. إنها تصادق على الحياة والموت ونستأذنها لنأكل ونشرب ولنقطع الحدود. سنظلّ طوال حياتنا نعيش بالأوراق، سنظلّ على مرّ العصور رهن ورقة، فما العيب في أن نبيح الذاكرة العارية للورق؟ ما العيب في ذلك ما دمنا نقتات من القش والحلفاء وألياف السليلوز.

كقوارب الصيد الصغيرة التي كانت تمثّل السفن القادمة إلى مرافئ يافا هذه الأوراق، في قلوبنا خيرات بحجم تاريخ يافا وبرتقالها يأخذنا الشوق لأن نحكي بعضها في بضعة أوراق.

وعلى متن أوراق يأخذنا الشوق رفقة أحمد إلى المنازل الصغيرة المتلاصقة العارية حجارتها ونوافذها المقوّسة وأسوارها العالية ومبانيها المتّكئة على أكتاف بعضها البعض في شوارع البلدة القديمة الضيقة، يحملنا إلى مسجد البحر وحارات الطابية، وحي المنشية المطلّ على الساحل وإلى أبو كشك، واجليل، وسارونا، وجريشة، والخيرية ، ويازور وغيرها.

 

يحملنا الشوق إلى أبراج يافا وأوانيها الفخارية وحماماتها القديمة، يحملنا لنشاهد الصيادين بالمينا يسردون أساطير عن عشتار، يحملنا  لنحصد القمح من بيت دجن ونسافر إلى القدس عبر القطار. يحملنا إلى وادي الصرار، وإلى مخيّم روبن حيث العلّيق والصفصاف.

 

كل جميل كان يذوب في الجميلة، هناك في سوق النحاسين الملوّن بنحاسه بالبلدة القديمة، هناك في صخب شارع الدرهلي الذي يثرثر فيه الحديد كلّ يوم، وفي العجمي حيث يمارس الرجال صناعة ودبغ الجلود غير بعيد عن شاطئ البحر، هناك فيما كانت تصنعه بيت دجن من منسوجات لم يبق في أحشائها سوى الذكريات تغزلها ذاكرتنا اليافوية حكاية، وفي حي الصاغة الذي لم يعد يتحلّى بحليّه حكايات، كل حيّ كان يحمل شيئا من اسمه ونصيبا من ذاكرتنا، هناك كلّ سُمّي بما يشغله  وترتّب هكذا في صناديق عقولنا، فها هي ذي محلات الحياكة تتزاحم في شارع اسكندر عوض والأقمشة قرب الجامع الكبير والحبوب بسوق الدير وضجيج  يافا في ذاكرتنا.

كان لنا في يافا عالم ثري، المقاهي والمسارح والمنتزهات ودور السينما، الحمرا وغيرها. كنّا يومها نرتوي من مياه الجريشة العذبة ومياه حي الحلوة بالعجمي. كانت لنا باصات تختال على طرق معبدة، يومها كان البرتقال يسافر عبر السفن حتى أوروبا وقد تكتفي بقفة يقلها القطار شمالا نحو طرابلس. كان يعمر بنا مسجد حسن بيك وتروي ظمأنا سبيل المحمودية العذب في البلدة القديمة، كنا نزور تل الجريشة عند نهاية الأسبوع ونصطاد جفنات العنب فيها، كنا نتباهى بمياه البصة ومهرجاناتها الرياضية.

كان وجه فلسطين منقوشا في كل قراها، منقوشا في القنباز والدامر والبشت والكوفية الأصيلة التي كانت تحمي وجه الفلاح من لفحات الشمس و جور الاحتلال حتى أصبحت رمزا للكفاح وقد تلحّفت بها جميع الرؤوس لأجل مقاومة الانجليز، لربما عثروا على غريمهم صاحب الكوفية.

ذاك عن الأمس وكيف كان، وكم يختلف دويّ القصف عن صوت أمّ أحمد تردّد: “يا قمرنا يا جدع، يلّي مشنشل بالودع، بناتك ستة سبعة، بلعبن على النبعة.”

وكم يختلف مخيّم اللاجئين عن مخيّم روبن يا يافا، وكم تختلف المخيمات عن بيوت العجمي والبلدة القديمة وبيت دجن يا جميلة، وكم تختلف أرضية المخيمات عن أسرّة مستشفى الدكتور الدجاني هناك في حي النزهة.

في المخيّم حيث يتجول أحمد بحقيبة العلاج لا يوجد طبيب مثله درس في فرنسا، يوجد طبيب درس في البيادر والبيارات، ترعرع في الشجر وتغذّى على الشمس والذبال والمطر. يوجد طبيب لا يتوانى عن التنقل بين أسر فقيرة، مئزره أكياس صغيرة، طبيب شعبي يدعى الخلطات.. في المخيّم تعالج الالتهابات بالبابونج والنفخ بالعنزروت والإمساك بزيت الزيتون وزهور البيلسان..

إلّا أنّني أتساءل كيف تشفي خلطات كهذه بطنا سدّ عمليات هضمه الجوع؟ وما الداعي لأن تجوب قشور الرمان  غرفهم؟ إنّهم لا يعانون من الإسهال إلّا إذا شربوا ماء ملوّثا.

سنربّي البيلسان لأجلهم ربما تناثر شتاء ونسقي الرمان لأجلهم، ولن نخبر العدوّ بأنها علاج لأنه سيقطع وصولها إليهم كما يفعل مع الدواء.

في المخيّم تغلّى لوحدها زهور البيلسان، هناك تقدّم زهور البيلسان دون عنب لطفلة انتصر عليها سعال برد الشتاء، ما من عنب هناك اليوم وبالأمس كانت جفناتهم كنجوم السماء، فمنها الأكل والظلّ والدواء.

ويا ليت زهور البيلسان البيضاء والعنب تبري قلب أحمد من سعال الذكريات الذي يستفزّه شوقه لحاراته. ويا ليته وجد في كبش قرنفل ما يشفي ألم الانفصال عن أراضيه وفي العنزروت ما يزيل نفخة قلبه الذي يوشك على أن يتفجّر من أساه على تلك البيوت، أو يقوّي جسمه على تحمّل قضبان الذاكرة.

 

حياة بن بادة

كاتبة جزائرية ومترجمة وأخصائية في علم النفس ومهتمة بالشأن الإنساني

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد