الرئيسيثقافة

على شرف فنجان القهوة!

اليوم العالمي للقهوة

يصادف يوم التاسع والعشرين من أيلول احتفال العالم باليوم العالمي للقهوة، هذا الشراب الذي مزج بين الماضي والحاضر، رفيق الصباحات والأمسيات، في الأتراح والمناسبات، سيد الموائد والاجتماعات، رفيق الصمت والكلام، وأنيس المنتظر، وشمعة ليالي الشاعر الطوال، وكم يحلو معه الحديث والسمر، وتتجمل به اللقاءات، فحري به أن يكون له يوم عالمي يُحتفل به.

شراب القهوة الذي يُصنع من حبوب سمراء مُرة، وتُغلى على نار هادئة، لتعطر برائحتها الفريدة مزاج شاربها، وتضفي نشاطاً على جسده الواهن، تعدّ الشراب الأعرق والأشهر لكافة الشعوب على مدار ألف عام. فمنذ أن اكتشف الراعي الأثيوبي حبوب القهوة صدفة، ولاحظ مفعولها السحري على خرافه عندما كانت تتناول منها، ثم قرر أن يتذوقها ودُهش بمفعولها على بدنه، اجتاحت العالم رويداً رويداً، وأصبحت مشروباً يومياً لا يستغنى عنه، وقد وصلت إلى الجزيرة العربية في القرن الثالث وزرعت لأول مرة في اليمن.

 

تعد القهوة في المرتبة الثانية بعد الماء ضمن المشروبات الأكثر استهلاكاً، حيث يستهلك العالم كل عام 400 مليار فنجان قهوة.

أثارت القهوة بلبلة في بادئ الأمر، فلما وصلت إلى اليمن وتناولها أهلها ورأوا تأثيرها، حُرّمت وانتقدت عند أكثرهم، إلى أن جاء الإمام جمال الدين الذبحاني وأجازها، بل وكان يشربها لتعينه على الذكر لوقت أطول.

وكان طلبة العلم اليمنيون قد جلبوها معهم إلى جامع الأزهر في مصر، لتعينهم على مغالبة النعاس أثناء الدراسة، ولما وصل الخبر إلى مشايخ الأزهر ولاحظوا أثرها المنشط على الجسم حرّموها أيضاً، واعتبروها من المسكرات، وقالوا إنها تقلل من هيبة العالِم، على عكس الصوفيين الذين اتخذوها بديلاً عن المسكرات فيما بعد.

وعند وصولها إلى الحجاز كان تحريمها أشد، وقد اتخذ جوازها في الحجاز وقتاً طويلاً إلى أن اجيزت وأصبحت تُقدم مع ماء زمزم للحجيج.

 

ومن اليمن ومصر إلى بلاد الشام ثم إسطنبول، فقد كان وصولها إلى القسطنطينية سبيلاً لانتشارها في العالم أجمع، وحتى في البلاد الغربية لم تسلم من المعارضة في بادئ الأمر كإنجلترا وألمانيا، فقد أمر الملك تشارلز الثاني بإغلاق كافة المقاهي، على اعتبار أنها تعين على الكسل، فكان يخاف على رعاياه من تناولها.

 

ولعل تأثيرها متعلق بأحد معاني لفظتها في معاجم اللغة العربية، فلفظ القهوة يعني الخمر، ولها معانٍ أخرى، أما لفظ “”coffee فهو نسبة إلى منطقة كافا في أثيوبيا التي تكثر بها أشجار القهوة، والتي كانت محط اكتشافها لأول مرة كما تقول الأساطير.


القهوة العربية

كانت القهوة عند العرب رمزاً للكرم وحسن الضيافة منذ القدم إلى يومنا هذا، وسبيلاً لتعزيز العلاقات الاجتماعية، وتتميز بطعمها المر وقوامها الكثيف، كان العرب قديما ينقعون حبوب البن أو يغلونه، بدلالات صفراء نحاسية، ثم تُصب في فناجين صغيرة ورقيقة بيضاء، ومن طقوس القهوة التي تُذكر أن صباب القهوة حينما يقوم بتقديم القهوة إلى الضيوف لا يجوز أن يدير بظهره إليهم، ويجب أن يحمل ركوة القهوة بيده اليسرى، كما كان لحركة فنجان القهوة بيد الضيف دلالات مختلفة في طلب فنجان آخر أو الاكتفاء بفنجان واحد.

 

القهوة التركية

أما القهوة التركية، فقد اختلفت عما جاء به العرب، وقد وصلت إلى إسطنبول في عهد سليمان القانوني، وتعد طريقة إعدادها الأشهر في العالم، فتحميص حبوب البن ثم طحنها وغليها مع الماء وإضافة شيء من السكر على مشروبها هي الأكثر رواجاً في العالم، حتى إن الرغوة التي تظهر على سطحها هي من مميزات القهوة التركية.

وعادة ما تشُرب القهوة عند الأتراك في فترة الصباح والظهيرة، ويقدم مع فنجان القهوة كأس من الماء على أن يشرب الماء قبل القهوة وليس بعده ليبقى طعم القهوة اللذيذ في فم الشارب.

القهوة الإيطالية

أو قهوة الإسبريسو، ذات القوام الكثيف، واللون الأسود، وهي من أكثر أنواع القهوة غنى بالكافيين، وتقدم اليوم في أوروبا وأمريكا، ويضاف إليها السكر والحليب أو القشدة، وتصنع منها مشروبات عديدة كالموكا والكابتشينو واللاتيه الفرنسي، وتضاف إليها النكهات كنكهة اللوز والبندق وجوز الهند.

 

البن اليمني

أول من زرع شجرة البن هم اليمنيون، ثم انتقلت إلى مصر، ويعد البن اليمني من أجود أنواع البن حول العالم حتى الآن، حتى إن قهوة الموكا سميت على اسم الميناء مخاء التي كانت تصدر منه حبوب القهوة من اليمن إلى أوروبا.

وعندما بدأ بالانتشار حول العالم وزاد الطلب عليه، أصبحت تزرع أشجار القهوة في أماكن ذات مناخ مناسب لها، فوقع الاختيار على جنوب آسيا وجنوب أمريكا.

ومن الجدير بالذكر أن القهوة اليمنية بقيت صاحبة المذاق الذي لا مثيل له، لكن زراعتها في اليمن اندثرت مع مرور الوقت؛ فزراعتها في مساحات شاسعة في البرازبل والمكسيك طغت على المنتوج الزهيد التي تصدره اليمن. كما أن قلة العناية بأشجار البن، وتوسع انتشار زراعة القات على حساب الأراضي المزروعة بأشجار القهوة، وندرة المياه ساهم في اندثارها.

 

القهوة في الأدب العربي

ارتبطت القهوة بالهدوء والاستراحات في فوضى الحياة، ولحظات التفكر العميقة، والتأمل والصفاء، وبلقيا الأحبة بعد الغياب، وبالتفكير العميق بالأشياء، وما أجمل ما قيل عن القهوة في الأدب العربي، فقد تغنى الشعراء بها وبطقوسها.

يقول محمود درويش: ” القهوة لا تشرب على عجل. القهوة أُخت الوقت. تُحتسى على مهل، على مهل، القهوة صوت المذاق، صوت الرائحة، القهوة تأمّل وتغلغل في النفس وفي الذكريات.

 

كما ارتبطت القهوة بالحب والجمال، يقول نزار قباني:

اشربي القهوة يا سيدتي

فالجميلات قضاء وقدر
والعيون الخضر والسود
قضاء وقدر

ويشبهها محمود درويش بالحب، إذ يقول: القهوة كالحُب، قليلٌّ منه لا يروي؛ والكثير منه لا يشبِع.

القهوة بين الفوائد والأضرار

تباينت نتائج الدراسات حول فوائد القهوة وأضرارها، فقد جاء في دراسة لجامعة كاليفورنيا أن الأبخرة المتصاعدة من فنجان قهوة واحد تحتوي على مواد مضادة للأكسدة تعادل تلك الموجودة في ثلاث برتقالات، كما أنها تفيد في الوقاية من مرض الربو، وتنشط عضلة القلب.


أما عن أضرار شربها بكثرة، فإن الدراسات أثبتت أنها تسبب الإدمان، وتسبب ارتفاع ضغط الدم، ومن أشهر من أدمن على القهوة في التاريخ هو الفيلسوف فولتير الذي كان يشرب يومياً من 40 إلى 50 كوباً من القهوة.

مستقبل القهوة

تزرع أفضل أنواع البن اليوم في المناطق الجبلية ذات المناخ البارد والرطب، لكن الأبحاث تشير إلى أن تغير المناخ وارتفاع درجات الحرارة سيؤثر على زراعة القهوة في العالم. وتشير الدراسات أنها ستقلص ما نسبته 88% من المساحات المزروعة بحبوب القهوة في أمريكا الجنوبية بحلول عام 2050، وهذا بدوره ما سيهدد أكثر من 100 مليون إنسان يعمل في زراعة القهوة حول العالم، معظمهم من الريفيين والفقراء.

في اليوم العالمي للقهوة نعبر عن امتناننا للقهوة، التي تمنحنا هدنة من الوقت نستريح فيها، وتضفي على مجالسنا جلالة وهيبة، إنها مشروب يضفي على الحياة حياة، فمن منا لا يحب القهوة!

تمارة الفاخوري

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.