مجتمعالرئيسي

“صفحات” أول مكتبة عربية في اسطنبول شعارها “البيت بيتك”

مجتمع: قصص نجاح السوريين في تركيا

عندما يشرع الخطيبان في التفكير بتأسيس منزلهما المُستقبلي؛ لا يقفان في حدود شكل البيت وأثاث الغرف وأدوات المطبخ فحسب، بل يوليان اهتمامهما لتكوين نواة المكتبة المنزلية، والعائق عادةً تكلفة الكتب! ثم يطرحان السؤال على بعضهما: هل “المكتبة” أولوية بالنسبة لباقي الاحتياجات أم يمكن ان تؤجل؟!

لم تعد أُمنية الخاطبين حُلماً مؤرقاً ولن يطير في مهب الريح، بعد أن أصبح واقعاً ملموساً يستطيعان رؤيته في أي وقت؛ فمن يزور مدينة اسطنبول ويصل إلى منطقة الفاتح متجولاً في حاراتها العتيقة؛ يجد ذاك الحلم قد تحقق كأول مكتبة عربية في اسطنبول في مبنى مستقل واجهته باللون الأخضر الغامق عليه شعار مكتبة صفحات “pages” باللون الأصفر. يختبئ خلف تلك الواجهة مشروع المعرفة والثقافة، الممزوج بأصوات الموسيقى المُنبعثة من طوابق المبنى الأربعة.

للوهلة الأولى قد لا يتوارد إلى ذهنك أنك في مكتبة، تبعاً للصورة التقليدية المُسبقة عن المكتبات، فمكتبة “صفحات” حميمية لدرجة انك تظن أنك في بيتك الخاص.. الكتب مرصوفة في رفوف وديكورات خشبية مُلونة، مرتبة تارةً بالطول وأخرى بالعرض، وبعض الكتب داخل صناديق معلقّة في الحائط، ثم تجد شرفة صغيرة مليئة بالزرع مناسبة لكي تدعو صديقك للقاء هادئ برفقة فنجان قهوة دافئ.

التقيت المدير التنفيذي لمشروع “صفحات” الأستاذ محمد الكيالي هناك وسألته عن فكرة المشروع فقال: “صفحات ليس مجرد مكتبة لبيع الكتب فقط، بل مركز ثقافي، هدفه أن يكون جسر معرفي للثقافة السورية، والعربية بالاضافة للتركية والأوروبية، ولا تخلو أمسياته عن فعاليات موسيقيّة وشعرية وسينما”.

أكد الكيالي على إحدى غايات إنشاء “صفحات” وهي إظهار الوجه الثقافي السوري، فقد ربط الإعلام السوري باللاجئ الذي يثير الشفقة.. رغم أن للحقيقة وجهاً آخر مختلفا تماماً، ففي المنفى القسري الكتّاب والفنانون والرسامون والمثقفون..

“صفحات ليس مجرد مكتبة لبيع الكتب فقط، بل مركز ثقافي، هدفه أن يكون جسر معرفي للثقافة السورية، والعربية بالاضافة للتركية والأوروبية، ولا تخلو أمسياته عن فعاليات موسيقيّة وشعرية وسينما”.

حظيت “صفحات” منذ بدايتها بإقبال جيد من العرب، الذين فرحوا لوجود مكتبة عربية ومُتنفّس معرفي وفي ذات الوقت، مكان للقاء المثقفين، ثم تطور انتشار المشروع بصورة أوسع، إلى أن وصل الأمر أن يتواجد اسم “صفحات” في قائمة الأماكن المُراد زيارتها في اسطنبول لدى السيّاح العرب والأوروبيون.

صفحات ليس مجرد مكتبة لبيع الكتب فقط، بل مركز ثقافي، هدفه أن يكون جسر معرفي للثقافة السورية، والعربية بالاضافة للتركية والأوروبية، ولا تخلو أمسياته عن فعاليات موسيقيّة وشعرية وسينما”.
يقول الكيالي: “حرصنا على إطلاق شعار (البيت بيتك) لأننا نقدم خدمة بيع الكتب وكذلك الحضور للقراءة في مكتبتنا، وإقامة أمسيات شعرية وورشات كتابة ورسوم، ونهتم أن نقيم الفعاليات، سواء من تنظيمنا أو من يرغم بذلك من روادنا .. لا حدود للأفكار المطروحة سوى أن تكون بالمستوى الثقافي المطلوب”.

توالت أنشطة “صفحات” الثقافية لتصبح داراً للنشر، فقد صدر عنها ( 12) كتابا، وقد جاء ذلك امتداد لدار نشر مخصصة للأطفال في سوريا لصاحبيها مؤسسي “صفحات” الزوجين السوريين (سامر القادري وجلنار حاجو) اللذين حرصا على نقل التجربة إلى منطقة ذات أجواء تشبه دمشق القديمة..

يؤمن مؤسسو “صفحات” بدور الفن باعتباره جزء لا يتجزأ من الثقافة بعمومها، وعُزز ذلك بإقامة فعاليات متخصصه في الموسيقى والرسم والسينما، وإضافة لمسات ديكور في مقر “صفحات”.

لم تخل مكتبة “صفحات” ذات الجو العائلي من جميع الفئات العمرية من فئة الشباب والكبار، وللأطفال نصيب في تخصيص طابق خاص لهم تُعقد فيه أنشطة وورشات في القراءة والرسم. كما تجتمع على المائدة الثقافية مختلف وجهات النظر من كافة الأطياف، وتتلاقح الأفكار أثناء حوارات الفعاليات الأدبية وفي اللقاءات الجانبية بين المثقفين.

زارت مكتبة “صفحات” جنسيات متنوعة، وقد عُقدت فعاليات مشتركة مع الأتراك منها حفل توقيع كتاب تركي. يقول الكيالي:”الأتراك حريصون على بناء جسر بينهم بين العرب، فقد تعرفوا على المشروع من الإعلام التركي والعالمي”.

يحرص المشروع أن يغطي مصاريفه لوحده ولا يتلقى دعما من اي جهة لكي لا يكون “موجّها” كما قال لنا الكيالي ويضيف: “صفحات مشروع ثقافي وليس تجاريا ولا ربحيا وأيضا ليس مشروعا مدعوما”.

صفحات pages مشروع ثقافي سوري متنوع لم يقف في حدود اسطنبول؛ بل توسّع ووصل إلى امستردام وسيتبعها مستقبلا إلى برلين، فالمعرفة لا حدود لها وكثيرا ما تتحول المحن الى منح تمكنك من بناء جسور للغير مع ثقافتك وحضارتك كي يتعرف على غناها وتنوعها وجمالها، فيغدو المهجر خير سفراء للوطن ..

الاء الرشيد

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

شاهد أيضاً

إغلاق