مجتمع

البوركيني .. وحريتي الشخصية

بقلم: إيمان عبد المنعم

على أحد  أشهر الشواطيء الانجليزية جلست على الرمال انظر لأمواج المياه التي تحتفل بإطلالة شمس عزيزة في هذه البلد .. كانت تتراقص مع لآلئ شعاع صيفي، والجميع من حولي يرتدى  أشكالا وألوانا وموديلات من المايوهات وملابس البحر، تتنوع بين القطعة الواحدة والقطعتين ..جميع مقاسات المايوهات معروضة على الشاطئ، ها هي صاحبة الكتل اللحمية ترتدي مايوه من قطعتين وهناك من تشبه ممثلات هوليود يتألقن في ملابس البحر ذات الألوان الزاهية..

قررت أن اشاركهن احتفال إطلالة الشمس على تلك البقعة الملبدة بالغيوم دائما ..

صعدت إلى حجرتي وارتديت المايوه الخاص بي توجهت للشاطئ  وقلبي يتراقص كالأطفال، بينما تتصارع المشاهد والأفكار

ايمان عبد المنعم

بعقلي، ما هو رد فعل المصطافين على هذا اللباس وأنا المحجبة الوحيدة تقريبا على هذا  الشاطيء.. هل سيكون مصيري كمصير عشرات المصريات اللائي ارتدين البوركيني على شواطئ بلادهن؟!

تذكرت تلك القصة التي روت بطلتها تفاصيلها المؤلمة تقول انها ذهبت لمنتجع سياحي ذي الخمس نجوم بمدينة شرم الشيخ المصرية،  تستمتع بهدير البحر وصخبه، وقد قررت أن تجعل من لطمات أمواجه علاجا لإحباطات عام من الانكسارات المتتالية، واستعادة كل أحلامها المؤجلة من عام، وبدأت تتحرك بخطى طفولية نحو المياه، وفجأة صدمها الصوت الآتي من الخلف: ممنوع نزول المياه بهذه الملابس!!

رجعت خطوتين للخلف وكأنها تبحث عن مرآة ترى فيها ماذا ترتدي حتى تمنع من نزولها البحر!

سألت بتعجب ما السبب؟ جاءها رد مدير المنتجع صارما غير قابل للنقاش.. حاولت أن تدافع عن حقها في النزول للمياه واندفعت مسرعة نحو هدفها بقوة فإذا بجمهور من نزلاء المنتجع  يتضامنون .. لكن  مع مدير القرية ضد تلك السيدة التي ترتدي هذا البوركيني (المايوه الشرعي).. الجميع يهاجمها وكأنها تتسول المتعة ولم يشفع لها وجود أطفالها الصغار معها..

المؤلم بالنسبة لي  أن يمنع اللباس البحر المحتشم في بلادي.. بلد الألف مآذنة وتتقبله بلاد تختلف مع قيمنا وتقاليدنا بشكل كبير.

هذا المشهد تكرر بأشكال مختلفة هذا الصيف في عدد من القرى والمنتجعات السياحية بعدد من الدول العربية، ومنها مصر والجزائر وتونس، وجميعها تنضوى تحت مسمى الدول العربية والإسلامية، بل ووصل الأمر إلى ما نشرته بعض الصحف المصرية منسوبا لوزارة السياحة،  بمنع البوركيني واعتبره بعض مسؤولي الفنادق والمنتجعات السياحية بأنه لباس يسئ للمظهر العام.

وعلى الرغم من الخلاف المتجدد كل صيف حول البوركيني منذ أن كان يعرف  بالمايوه الصيني قبل عشر سنوات، إلا أن الخلاف أخذ منحنى آخر منذ العام الماضي، وتحديدا مع إعلان “دافيد ليزنار” عمدة مدينة كان الفرنسية منع البوركيني على شواطئ الريفيرا الشهيرة!

موقف العمدة كان لا يختلف كثيرا عن موقف والدي ذي المرجعية الإسلامية والمتشدد في تقدير العديد من المسائل الخاصة بي، فوالدي كان يرى البوركيني مسيئا للمظهر العام ولا يليق بالمحجبات ارتداءه .. وفِي بعض الأحيان كان يعتبره زيا  منسوبا لفئات دنيا من المجتمع .. في الوقت ذاته كان يحرم علي نزول مياه البحر بملابسي العادية، فهي تشف الجسد بمجرد ملامستها أمواج البحر.. ومن يعرفني يعلم كم أعود إلى طفولتي عندما أرى مياه البحر.

ما هو مبرر دول إسلامية في منع مواطنيها من ممارسة حقوقهم وارتداء واعتناق ما يريدون؟ قضية البوركيني تكشف عن اختلاط أوراق السياسة بالدين .. والحريات بالمطامع .. والاختيارات الشخصية بالمصالح

ظلت هذه المشاعر تضرب برأسي خلال عودتي للشاطئ مازالت أخشى وأشعر بالحرج، ومن ردة فعل غير متوقعة.. كان الشاطيء يعج بالمصطافين فالأيام المشمسة معدودة في هذا الصيف .. لا تجد موضع قدم، وغطت الرمال بمقاعد ومظلات المصطافين، إلا أنه سرعان من تبددت مخاوفي.. الابتسامات المتبادلة مع البعض كانت أشبه بالتحية الداعمة أو المؤيدة ..

وبدأت خطواتي الثقيلة تزداد رشاقة مع الوقت، نزلت المياه وتعرفت على عدد لا بأس به من سيدات يلعبن كما يلعب الأطفال، تساءلت بعضهن عن خامة البوركيني، بل طلب بعضهن استخدام حاسة اللمس للتأكد منه.. سارعت بعض المسلمات للسؤال عن منافذ بيعه في بريطانيا بعدما أعلنّ إعجابهن بالفكرة ..

بينما اعتبرت بعض البريطانيات البوركيني فرصة لعدم حرق الشمس اجزاءا من أجسادهن وصارحتنى أحدهن تعود اصولها لأحد الدول العربية برغبتها في شراء شبيه له بنصف أكمام ونصف بنطال (شورت)، لكنها كانت تخشى الانتقاد لكن رؤيتها لي شجعتها على شراء ما تريد.. هذا لا يعني الغياب الكامل لنظرة الاحتقار لكنها تتوارى وسط حالة القبول للبوركيني.

ظللت يوما بالكامل على هذا الحال.. لكن المؤلم بالنسبة لي  أن يمنع اللباس البحر المحتشم في بلادي.. بلد الألف مآذنة وتتقبله بلاد تختلف مع قيمنا وتقاليدنا بشكل كبير.

لعلي اتفهم موقف فرنسا من ملابس المحجبات وأن يختلف مع مبادئها لكن لعل العمليات الإرهابية التي ضربتها خلال العامين الماضين ونسبت لبعض المسلمين وراء الموقف المتعصب ضد ملابس المحجبات..

لكن ما هو مبرر دول إسلامية في منع مواطنيها من ممارسة حقوقهم وارتداء واعتناق ما يريدون؟ قضية البوركيني تكشف عن اختلاط أوراق السياسة بالدين .. والحريات بالمطامع .. والاختيارات الشخصية بالمصالح.

قد يراها البعض قضية هامشية وعابرة، والحقيقة أنها قضية تضرب ملف الحريات في مقتل، فالنظام الذي لا يسمح للمرأة بارتداء ما تريد .. هو ذاته الذي انتهك عرضها وهو النظام الذي يقتل النساء ويعتقلهن ويرمي بهن في السجون، بينما الأنظمة التي تحترم الحريات تطلق المساحة للبوركيني على شواطئها.

 

إيمان عبد المنعم

كاتبة صحفية مصرية

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.