الرئيسيثقافة

الحضارة الاسلامية والشغف بالعطور

حضارة

العطر لغة لها مفرداتها، حروفها وأبجدايتها ككل اللغات 

نزار القباني

تحتل العطور في حياتنا منزلة هامة و ترتبط ارتباطا وثيقا بالروح و كيمياء الجسد ورسائله نحو الآخر، فيقول بائع عطور “كلما شاهدتَ زجاجة عطر رأيتَ فيها انسانا …وكلما رأيت انسانا شممت منه عطرا…لأن البشر يشبهون تماما أنواع العطور …”

وقد مرت صناعة العطور بمراحل عديدة  في التاريخ البشري،  لكن الحضارة الإسلامية استحوذت على مكانة كبيرة من تاريخ صناعتها وأحدثت فيها نقلة نوعية عبر اختراع أنماط جديدة لم توجد في  الحضارة الفرعونية و القبرصية التي عرفت كحضارات وقع استخدام أوراق الورود و الإهتمام بالروائح الجميلة فيها،  ولكن دون تقطريها، أي فقط عبر تجفيف أرواق النباتات ذات الروائح الطيبة وضعها في الملابس.

و تعتبر الحضارة الإسلامية ثورة في تاريخ العطور، عبر ابتداع وسيلة التقطير والعمليات الكميائية العلمية  التي تعتمد حاليا، لكن بطريقة أكثر تطورا، فكيف كانت صناعة العطور في هذه الحضارة؟

الحضارة الإسلامية و العطور

الروائح في اللغة العربية 

نجد لدى العرب من أسماء العطر في معجم لسان العرب الطيب؛ الشذا؛ الرائحة؛ العرف؛ العبق؛ الضوع؛ الفوح؛ الأريج والعبير، وكلها أسماء حاملة لدلالة عطرة، ونجد فيه صورا طيبة منها: الريحان والفاغية والخزامى والغالية والسُّكُّ والزعفران. وفي أوعية الطيب نجد اسم العتيدة لوعاء العطر، واللطيمة وعاء للمسك، وتسمية القشوة لتلك القفَّة التي تجعل فيها المرأة طيبها، والجونة أنية سليلة مستديرة مغشاة .

و العِطْرُ لغة اسمٌ جامِعٌ للطِّيب، والجمع عطور وأعطار، وتقول العرب: امرأَة عَطِرةٌ ومِعْطيرٌ ومُعَطَّرة: تتعهّد نفسها بِالطِّيبِ وتُكثر منه، فإِذا كان ذلك من عادتِها، فهي مِعْطار ومِعْطارة.

البخور بداية العطر 

وفي اللسان اللاتني اشتُقت كلمة عطر في اللغة الإنجليزية “perfume” من العبارة اللاتينية، “per” بمعنى “خلال” و”fumus” التي تعني “دخان”، وبعد ذلك أطلق الفرنسيون الاسم “parfum” على  الروائح اللطيفة التي تنتقل عبر الهواء من البخور المحترق. وفي التاريخ ارتبط العطر بالدخان، وكان البخور أول أشكال العطر؛ إذ اكتشف قدماء العراقيين في حضارة ما بين النهرين قبل نحو أربعة آلاف سنة البخور لأول مرة. وجرى التقليد عندهم على حرق أنواع من الراتنجِ والأخشاب في مراسيم دينية، كما عرف عنهم فرك أجسامهم بسائل مُعطر يصنعونه من نقع الأخشاب العطرية في خليط من الماء والزيت.

ثورة التقطير عند العرب 

مع أن الحضارة الإسلامية ورثت الكثير عن الحضارة الأغريقية إلا أن العرب هم أول من استخدم تاج الزهرة لاستخراج ماء الزهور منذ 1300 عام، ولم يستعمل العرب تاج الأزهار كعطرٍ فقط بل استعملوها كدواء أيضاً. ولعل أقدم أنواع العطور في العالم يدعي “عطر الورد” وقد كان رائجاً جداً لدي القبائل العربية.

تعتبر الأزهار مثل الياسمين والبنفسج وزهر الليمون والورد وغيرها، من المصادر المهمة لاستخراج العطور عند العرب، ولكن جوهر العطر يستخرج من مصادر أخرى غير الأزهار، كالخشب ولاسيما خشب الأرز وخشب الصندل، ومن الأوراق مثل النعناع والغرنوق والخزامى، ومن جذور معينة مثل الزنجبيل والسوسن .

فالتاريخ يسجل للعرب الريادة في عالم العطور ليس في الجانب اللغوي فقط، ولا حتى في وضع الأمثال التي نذكر منها قولهم: “لا عطر بعد عروس” الذي قالته أسماء بنت عبد الله من قبيلة عذرة بعد موت زوج من بني عمها يدعى “عروس”. وقولهم: “أشأم من عطر مَنْشِم” ومنشم هذه عطارة، يقصدها المحاربون كي يغمسوا أيديهم في طيبها قبل التوجه للمعارك. وإنما في الاشتغال بالعطر صناعة وبحث وتجريب؛ لدرجة أن تلك المعلومات والتفاصيل المتعلقة بأوصاف العطور، ومراكز إنتاجها في شبه الجزيرة العربية التي استهوت المؤرخين والرحالة اليونان والرومان من أمثال هيرودوت، إسترابون، بيلينوس، التي تضمنتها مصنفاتهم.

طريقة صنع العطور عند العرب

إن الطريقة العربية لصناعة العطور تكمن في استقطار تيجان الأزهار مع الماء، وتكون عبر وضع رقائق من الزجاج في إطارات خشبية حيث تغلف بدهن نقي وتغطي بتيجان الأزهار وتكدس الواحدة فوق الأخرى. ويجري تبديل التيجان بين حين والآخر إلى أن يمتص الدهن النقي الكمية المطلوبة من العطر، ولعل أفضل العلماء في صناعة العطور هو إبن سينا  الذي اكتشف طريقة استخراج العطر من الورود والتي سميت فيما بعد بالتقطير ، وأيضا من أبرز العلماء العرب في صناعة العطور هو الكندي الذي ذكر في كتابه (كيمياء العطور) قائمة طويلة لعطور مختلفة وكان في أغلب طرقه يستخدم المسك والعنبر كجزء أساسي في أغلب العطور.

كانت أهم العطور التي يعتمدها العرب في المزج والتركيب هي المسك والعنبر والعود والصندل، وجُلها يُستورد من الهند وبلدان جنوب شرق آسيا والصين.

كتب عن العطور 

وكان للعرب باع في الكتابة عن الموضوع، و من أبرز المؤلفات العربية عن العطور؛ “كتاب العطر” لإبراهيم بن العباس، “كتاب العطر” للحبيب العطار، “كتاب العطر” للكندي. “كتاب العطر وأجناسه” للمفضل بن سلمة و“كتاب رسالة في كمياء العطر” للكندي. كما أن بعض القدماء أفردوا في مصنفاتهم أبوابا وفصولا للعطر؛ منهم ابن أبي حنيفة الدينوري في كتابه “النبات”، وأبو عثمان الجاحظ في كتابه “التبصرة بالتجارة”، وابن العديم في كتاب “الوصلة إلى الحبيب في وصف الطيبات والطيب”.

ومما جاء في مصنفات العرب في هذا الباب الأصل الثلاثي لصناعة العطور، فهي إما أن تكون نباتية توجد في صورة زيوت، تُستخرج من الأزهار والأوراق والثمار واللحاء والجذور، كما تكون في شكل سوائل كثيفة القوام تفرزها بعض الأشجار أو في هيئة صلبة. وإما حيوانية وتُستخدم أصولا ومواد تثبيت للروائح الأقل والأخف خلال عملية الخلط، وتستخرج غالبا من أعضاء بعض الحيوانات كغزال المسك (الآيل)، وحوت المن ، وقط الزباد ، وقندس الماء  وإما تصنيعية؛ وعلة ابتكارها عائدة إلى التكاليف المرتفعة للعطور الطبيعية.

 

قِف بِالدِيارِ وَصِح إِلى بَيداها   ***    فَعَسى الدِيارُ تُجيبُ مَن ناداها
دارٌ يَفوحُ المِسكُ مِن عَرَصاتِها   ***   وَالعودُ وَالنَدُّ الذَكِيُّ جَناها

عنترة بن شداد

 

لا يمكن الحديث عن العطر دون العودة لشخصيتين مهمتين ساهمتا في ابتكار طرق جديدة لصناعتها

أبو الكمياء جابر بن حيان و الكندي 

ارتبطت ثورة العرب في صناعة العطور باسمين كبيرين في التاريخ العربي هما: جابر بن حيان الذي اكتشف طرقا لفصل المواد الكيميائية مثل التقطير الخالص والتبخير والترشيح، ويعقوب بن إسحاق الكندي الذي عده البعض المؤسس الحقيقي لصناعة العطور؛ فقد أجرى تجارب مكثفة ناجحة لدمج عطور النباتات المختلفة مع مواد وخامات أخرى. وله مخطوط قديم بعنوان “الترفق في العطر” يحتوي على عشرة أبواب (صنعة المسك، صنعة العنبر، صنعة الزعفران، صنعة الورس، صنعة الغوالي، باب آخر، الأدهان، عمل الكافور، صنعة السك والرامك، وعمل التصعيدات) أورد فيها الكندي كيفية تحضير ما يبلغ 109 أنواع من الطيب والعطر. وفصل فيه أهم المركبات من الأعشاب والنباتات والحيوانات والمعادن، وطريقة مزجها واستخلاصها.. وما إلى ذلك، ما يجعل المؤلف دليلا علميا وعمليا في العطريات.

العطور في العالم العربي 

العطور العربية جزء هام في حياة المجتمعات الخليجية تعبر عن الأصالة والعراقة وكرم الضيافة، والتي تستخدم في الأفراح والأعياد والمجالس. وبحسب صحيفة البيان الإماراتية فيبلغ حجم سوق العطور في الشرق الأوسط تقريبًا 3.9 مليارات دولار وهو ما يمثل 20٪ من حجم سوق العطور في الولايات المتحدة الذي يعتبر أكبر سوق في العالم.

 «الطيب يشدّ القلب»

حديث نبوي شريف

 

اعتبر ابن الجوزي “عطر الغالية” الذي صنعه الكندي من النفائس و كان الأمير العباسي المقتدر بالله مسرفا في إقتناء النفائس و قد احتوت خزانته على العديد من زجاجات العطر الغالية. ولعل حث الإسلام على النظافة و الاغتسال و التطيب هو من أبرز الدوافع التي حدت بالكميائيين المسلمين الى تطوير هذه الصناعة، إلى حد أن تخلط العطور ذات الرائحة الطيبة باسمنت بناء المساجد حتى تغدو رائحتها عبقة حيث يقول الرسول صلى الله عليه و سلم«إذا أتي أحدكم بريحان فليشمه وليضعه على عينيه فانه من الجنة» و نلتمس  من هذه النقطة اهتمام المسلمين بالجسد و أبعاده الحسية لا فقط في الأزياء و الملابس، بل في العطور و الروائح الزكية و الطيب أيضا.

الوسوم

رحاب الخترشي

عضو فريق مجلة ميم التحريري وباحثة في علم الإجتماع

مقالات ذات صلة

اترك رد