مجتمع

شهقة اليائسين: ماذا يقول شباب مصر قبل الانتحار مباشرة؟

مجتمع

في أقل من أسبوع انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي بالقاهرة قصتا شابين انتحرا، أولهما شريف قمر، الذي قتل نفسه بعد فترة اكتئاب مهَّد لها من خلال منشورات له على صفحته الشخصية؛ إذ كتب قبل الانتحار بساعات: «عارف أنت في الحياة مستنى دورك دايما.. مستنى لما تخلص الابتدائية والإعدادية والثانوي.. مستنى الامتحان.. مستنى نتيجة الامتحان.. مستنى صلاح سالم لما يقف.. هتفضل مستنى لحد ما الموت يجى.. مستنيه ليه أصلا؟».

القصة الأخرى لشاب عمره 36 سنة يدعى حازم عبد المنعم وصل القاهرة قادمًا من من مدينة المنصورة على أمل أن تنقلبَ حياته، وبعد سنوات من الغُربة، قادته قدماه إلى كوبري الجامعة، فقفز في المياه ولقى حتفه غرقًا.

وقالت التحريات إنه كان يعيش في عزلة تامة لمدة 10 أيام متتالية بعيدا عن أهله بسبب اكتئاب حاد ضرب كثيرًا من الشباب المصريين بعد ثورة الخامس والعشرين من يناير حتى أصبح «تريند» على مواقع التواصل الاجتماعي.

لا إحصاءات حقيقية.. خوفًا من الفضيحة

على مدار الأيام الماضية، أصبح الانتحار هو البطل الوحيد في النقاشات بين الجميع، ومسار جدل بين الشباب على صفحاتهم   الشخصية، لكن واقعة الشاب المنتحر شريف قمر لم تكن الأولى، ولن تكون الأخيرة، فطبقا للإحصائيات الرسمية، وبالأخصّ تقرير الأمن العام الذي تصدره وزارة الداخلية المصرية، فإن عام 2011 شهد 253 حالة انتحار وشروع في الانتحار، زادت لتصل إلى 310 حالة في 2012.

شكك بعض الخبراء في مصداقية تلك الأرقام؛ بحجة أن هناك حالات أكثر ولكن لا يتم الإعلان عنها من قبل الأسر لاعتبارات دينية وأخرى اجتماعية تتعلق بالخوف من الفضيحة، وبالتالي لا يتم توثيقها.

وبالنسبة إلى الترتيب الدولي، ففي دراسة أجرتها منظمة الصحة العالمية جاءت مصر في المركز 96 على مستوى العالم من حيث عدد الأفراد المقبلين على الانتحار، وكان ذلك عام 1987 ثم جاء عام 2007 ليشهد 3708 حالات انتحار متنوعة من الذكور والإناث، وقد سجل المركز القومي للسموم التابع لجامعة القاهرة وقوع 2355 حالة انتحار بين الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 22 و23 عامًا.

كل الإحصاءات تشير إلى أنه لا يوجد رقم دقيق يمكنه حصر حالات الانتحار في مصر، لكن هذا لا يعني تجاوز نقاشها ووجودها بين الشباب، وتقول دراسة قدمها الدكتور ياسر ثابت في كتابة «شهقة اليائسين»: «تأتي بعد ذلك نسبة المنتحرين من المرحلة العمرية ما بين 25 و40 عاما، حيث تمثل النسبة الأكبر لانتحار الرجال. ومعظم حالات انتحار الرجال في هذه المرحلة العمرية ترجع إلى الظروف الاقتصادية وعدم القدرة على الإنفاق على الأسرة».

 

“انهيار الثورة صاحبه انهيار في كل ما تؤمن بيه ف الحياة، ابتداء من أنا بحب البنت اللي مصاحبها دي ولا لأ؟ وانتهاء بـ إحنا عايشين ليه؟».

سارة حسني

كرب ما بعد الثورة.. هو السبب؟

البعض يرجع حالات الانتحار المؤخرة، إلى أسباب سياسية ومجتمعية بعد التغيرات التي طرأت على مصر بعد ثورة 2011، فيما يعرف بـ«كرب ما بعد الثورة».

وفي منشورٍ سأل الناشط محمد خميس الشباب عن أسباب الانتحار من وجهة نظرهم، وضمّن عدد من الشهادات والأسباب التي يمكن أن تدفع أي شخص للانتحار. تقول فاطمة القاضي: «مفيش ثوابت، مفيش أرض صلبة أقدر أقف عليها، مفيش طريق ترجعه لما تضيع أصلاً، وفوق دا كله إنت بيتزايد عليك من الأجيال الأكبر، إنك المفروض ماتعملش كدا، طب ما اعملش كدا ازاي؟ وأنا قدامي المعرفة متاحة لأقصى درجة، البحث متاح لاقصى درجة، بعكس الاجيال اللي قبلنا كل حاجة محدودة، والثوابت في ألواح محفوظة ماحدش يقدر يمسها».

أما سارة حسني فتقول: «انهيار الثورة صاحبه انهيار في كل ما تؤمن بيه ف الحياة، ابتداء من أنا بحب البنت اللي مصاحبها دي ولا لأ؟ وانتهاء بـ إحنا عايشين ليه؟».

كريم إبراهيم يروي: «الثورة فتحت وعى جزء كبير جدا منا، القطاع اللى كان مهتم بالعمل الميدانى والثقافي، الشباب دول هما اللى كونوا الأولتراس ورحلة البحث عن الهوية، ومع كل هزايم الثورة احنا كنا بنتكسر وبنتهزم، عشان كده دى اكتر فترة فيها بؤس، لإننا كل احلامنا أصبحت بلح، و كل اللى كنت مؤمن بيه طلع بطيخ».

يمكن تلخيص دوافع الانتحار في فقد الثقة في كل شيء، الاكتئاب والتخبط في الأفكار والمعتقدات، وهناك من رأى انهيار الأحلام أمام عين الإنسان سببًا كافيًا للانتحار وإنهاء الحياة.

 

قصص انتحار.. من الحياة إلى الشنق

في مصر الكثير من حالات الانتحار بين الشباب والشابات، وكان أشهرها انتحار الناشطة زينب مهدي، والتي قبل أن تنتحر كتبت على صفحتها الشخصية بموقع «فيس بوك»: «تعبت واستهلت ومفيش فايدة»

وقال صديقها المقرب عمار مطاوع عن حالتها لوسائل الإعلام وقتها: «حياة زينب كانت مدمرة على كل الأصعدة، نفسياً ومادياً ومعنوياً، الحلم والمستقبل كان مغلقا أمامها من كل ناحية».

ولأن زينب كانت مهتمة بشئون السجينات في مصر، فإن صديقها يعلل انتحارها بأنه حالة من اليأس والإحباط التي أصابتها باطّلاعها على تفاصيل كثيرة عنهنّ.

الحادثة الثانية كانت في يونيو الماضي، مع شاب انتحر في مول سيتي ستارز بمدينة نصر، إذ التقطته كاميرات المراقبة خلال وقوفه على سور معدني داخل المول في الدور السابع ثم سقوطه فجأة، وكشفت مناظرة النيابة لجثة المنتحر، عن إصابته بكسور في أنحاء متفرقة من الجسم، ونزيف في المخ، الذي أودى بحياته.

وقال أقارب له، إنه انتحر بسبب خلافات مع أهله ومع أسرته لأسباب لا أحد يعلمها، وإنه هددهم بالانتحار أكثر من مرة.

قصة أخرى كان بطلها شاب عمره 25 سنة، انتحر في شهر يوليو الماضي، بسبب زوجته التي تركت المنزل بسبب خلافات أسرية، فقرر الانتحار تاركا وراءه هذه الرسالة: «أنا دلوقتى مبقاش فاضلى حاجة أبكى عليها غير ابنى، أنا بدأت من النهاردة طريق الموت شوية شوية وهريح للى تعابنين منى، بس صعبان على حزن أمى لكن يومين وهتنسى، زى ما كل حاجة بتتنسى، بس أنا بقول ابنى أمانة فى رقبة أخواتى لان اللى مش باقى على أمه مش هيبقى على الولد، قولوا له أنى مسبتوش عشان حاجة وسبته علشان أريحه».

وتقول زوجته إنها تركت المنزل بعد مشاجرة بينهما، على أن تعود صباحا بعد أن يهدأ، إلا أنها ظلت تتصل به لكنه لم يجب عليها، فذهبت إلى الشقة مسرعة لتجد نفسها أمام زوجهًا مشنوقًا بحبل فى صالة المنزل ونجلها بجواره فى حالة بكاء شديد.

 

“الثورة فتحت وعى جزء كبير جدا منا، القطاع اللى كان مهتم بالعمل الميدانى والثقافي، الشباب دول هما اللى كونوا الأولتراس ورحلة البحث عن الهوية، ومع كل هزايم الثورة احنا كنا بنتكسر وبنتهزم، عشان كده دى اكتر فترة فيها بؤس، لإننا كل احلامنا أصبحت بلح، و كل اللى كنت مؤمن بيه طلع بطيخ»

كريم إبراهيم

التحليل النفسي لـ«المنتحرين»

قال الدكتور محمد نور الدين، أستاذ الطب النفسي بجامعة المنصورة، لـ«ميم» إن الانتحار هو نوع من أنواع العنف لكنه الموجه ضد النفس، كما يقول العلم، وإنه يعود غالبا لعوامل نفسيا أو اجتماعية.

وأشار إلى أن الأسباب الاقتصادية والحالة السياسية العامة هي سبب انتحار الشباب حاليا وبسب غموض المستقبل وصعوبة المعيشة، والمشاكل الأسرية.

وأضاف أن الابتعاد عن الدين وقلة الثقة والإيمان بالله هي أحد الأسباب الرئيسية في ذلك.

أما الدكتور أحمد أبو الوفا، فيؤكِّد لـ«ميم» أن فكرة الانتحار حاليا اختلفت عن السابق، مضيفا: «ما استجد في مجتمعنا هو التعاطف الذي يلقاه المنتحر على مواقع التواصل الاجتماعي، وتراجع سلبية النظرة الدينية التي تحرم هذا الفعل، فلم يصبح كثيرون ممن يفعلون ذلك يشعرون بالخزي كما كان في السابق».

وعن أعداد المنتحرين، قال أبو الوفا، إنه طبقا لإحصائية للمركز المصريين للدراسات الاقتصادية والاجتماعية فإن هناك 4 آلاف حالة انتحار بسبب الحالة الاقتصادية، خلال مارس 2016، وحتى يونيو 2017، و 2500 حالة انتحار في مصر سنويا.

نادية محمد

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد