دين وحياة

الأخدام والعرب والحب الممنوع

اليمن

This post has already been read 19 times!

لم يفرق المولى سبحانه بين عربي وأعجمي أو بين غني أو فقير، حين شرع الزواج، هذا الرباط الروحي بين سائر عباده. غير أن البشر ضربوا بمبدا مساواة البشر عرض الحائط و طفقوا يحطون من شأن اخوان لهم من بني آدم وينظرون اليهم نظرة دونية ويسيئون اليهم قولا وفعلا، بل يصل بهم الأمر الى اعتبارهم منبوذين لا يعاملونهم الا كوضعاء يزدرئونهم، ولا يعدونهم شركاء مساوين لهم، وطبعا لا يناسبونهم أو يتزوجون منهم. هذا حال   القبليين والأخدام في اليمن.

 

 

أول قصة حب تنتصر على الأحكام العنصرية

حكاية طاهر الشاب اليمني، الذي أحب فريدة بنت العقد العشرين والتي تنحدر من فئة الأخدام في اليمن، تناقلتها المواقع الاعلامية والالكترونية، باعتبارها ظاهرة انتصرت على الخط الأحمر والمعمول به في اليمن وهو التفرقة العنصرية في الزواج.

 

بعد مرور 6 سنوات، من محاولة إخفاء هذا الحب الممنوع اجتماعيا، وبعد عدة محاولات لعقد القران، باءت في بداياتها بالفشل بسبب رفض العائلة وتبرئهم منه ورفض الأمناء الشرعيين عقد قرانه على فريدة البنت “المنبوذة”،  تمكن هذا الشاب اليمني، أخيرا، من الزواج من فريدة وإتمام عقد قرانه لدى “المنظمة الإنسانية انترسوس” باليمن.  وقال : “انتظرت فترة من الزمن وخطبتها منذ ستة أشهر وترددت على أربعة أمناء شرعيين بالمنطقة لكتابة العقد فرفضوا العقد الشرعي بحجة التفرقة العنصرية فالزوج قبيلي والزوجة من الأخدام”.

 

محاولة قتل كل من يتجرأ على طلب يد حبيبته القبلية

ان كانت قصة حب طاهر وفريدة، استطاعت أن تتغلب على الغرور الاجتماعي والفكر العنصري والعادات والتقاليد الزائفة، فقد آلت علاقة محمد الشاب المنبوذ ببنت الحسب والنسب في القبلية إلى الفشل الذريع وكادت تودي بحياته، بعد أن تقدم لخطبتها من أهلها، الذين عاملوه بعلو واشمئزاز وأوشكوا على قتله بطلقة رصاص أصابت كتفه، ليكون عبرة لمن يعتبر ولا يجرؤ اي من بني جلدته على الطمع في الزواج من بنت القبيلة.

ويروي محمد قصته قائلا:” أحببنا بعضنا بصدق، رغم أننا لا ننتمي لنفس الفئة الاجتماعية، فأنا شاب من الأخدام وهي من فئة القبيلة، وقد طلبت مني أن أتقدم لخطبتها. وفعلا ذهبت رفقة عمي وأبي،  وسألنا والدها عن سبب قدومنا، فأخبره أبي عن رغبتنا في خطبة ابنتهم.  حينها نظر إلينا كل من كان حاضرا باستغراب فحين جاء جواب الأب عاديا وهادئا، قائلا أنه سيسأل البنت ثم يجيبنا. وفعلا قدم الجواب في المساء، حين طرق الباب وفاجأني أحدهم بطلقة رصاص على مستوى كتفي، لتصلني بعدها رسالة مجهولة” هذا ردنا على طلبكم هذا اليوم”.

 

حب ينتهي بهدم حي بأكمله والتنكيل بأهله

لم يكن يدرك الضحية، أن قصة حبه التي ربطته بفتاة أحلامه القبيلة، سيدفع ثمنها كل سكان الحي والأهل، الذين هدمت منازلهم ونكل بهم أشد تنكيل، وسط صمت حكومي واجتماعي ومنظمات حقوق الانسان.

فقد أحب منصور الشاب المنبوذ، الذي ينتمي إلى مديرية جبل حبشي اليمنية،  فتاته القبلية المنحدرة من إحدى محافظات تعز، حبا جما، واتفقا على الزواج، ولما علموا أهلها، رفضوا، هذا الحب الذي يعتبرونه ممنوعا ومحرما اجتماعيا، وقرروا تزويجها من شاب قبلي. غير أن الفتاة فرت رفقة حبيبها المهمش، واحتميا بأحد المشايخ. فكانت النتيجة، أن قدم أهلها وحطموا حي بأكمله ونكلوا بأهله، ثم اقتادوا البنت وزوجوها رغم عنها من العريس الذي اختاروه.

قصص الحب التي تتحدى الظواهر الاجتماعية المقننة وفق العادات والتقاليد والثقافات المغروسة في المجتمع تطرح واقعا مريرا آخر اضافة الى الحرب والوباء وزواج القاصرات في اليمن. أحكام اجتماعية، تتجاوز الشرع والدين الإسلامي، الذي يرفض مثل هذه الظواهر القائمة على النزعة العنصرية.

 

التمييز الطبقي والاجتماعي في اليمن

يعد الأخدام، الطبقة الأكثر اضطهادا في اليمن، رغم أنهم يمثلون نسبة 11 % من معدل نسبة السكان. ووفقا لإحصائية صادرة عن اتحاد المهمشين اليمنيين، سنة 2014، يبلغ عددهم 3.3 مليون. تعاني هذه الفئة الاجتماعية من الإقصاء والرفض الاجتماعي، اضافة الى الفقر المدقع.  يلقب الأخدام أيضا باليمنيين الأفارقة أو الأَفْرُويَمَنِيون، نسبة إلى لون بشرتهم السوداء.

 

 

قانون يستمد من الأعراف الاجتماعية

القانون اليمني لا يعترف بالأخدام، كأفراد ومواطنين، كما لا توجد قوانين صارمة تدافع عنهم وتدين كل من يتعرض للعنف والإهانة اللفظية والجسدية، وغالبا ما تنتهي القضايا التي يرفعها المتضررين أو المتضررات من هذه الفئة، بإغلاق الملف ودون أي إجراء قانوني وقضائي ملموس.

لذلك لجأت الفئة المثقفة والواعية فكريا إلى رفع قضايا الأخدام الى منظمات حقوق الإنسان، نظرا لأن القانون الجزائي في اليمن يستمد أساسا من الأعراف الاجتماعية القائمة على العنصرية.

أخطاء اجتماعية متوارثة

يعزو الخبراء الاجتماعيون التمييز العنصري المسلط على فئة الأخدام إلى الجهل الاجتماعي المتفشي بين أفراد المجتمع، إضافة إلى الثقافة المتوارثة والقائمة على التمييز العرقي، من حيث اللون.

فيما يرجع أستاذ علم الاجتماع بجامعة صنعاء، الدكتور عادل الشرجبي، الرفض الاجتماعي لطبقة الأخدام  إلى ثلاثة عوامل وهي: هيمنة الثقافة القبلية القائمة على التراتبية والتمييز على أساس المكانات الاجتماعية الموروثة، اضافة الى انحياز السياسات العامة لمصالح النخب على حساب مصالح الفئات الاجتماعية الضعيفة والمهمشة، وأهمها  استسلام الأخدام أنفسهم لأوضاعهم، وعدم السعي لتغييرها.

الإسلام يدين العنصرية الاجتماعية

ساوى الدين الإسلامي الحنيف بين جميع البشر وجاءت النصوص القرآنية والنبوية صريحة في معانيها و دلالتها، من حيث المساواة بين جميع البشر ” يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ” ( سورة الحجرات 13 )

وتعد الرسالة المحمدية، أول رسالة حقوقية، دافعت عن الزنوج والسود وحررتهم من العبودية وأعطتهم الحق في العيش الكريم مثل سائر الخلق والبشر. وبين صلوات الله وسلامه عليه أن “لا فرق بين أعرابي وأعجمي إلا بالتقوى”.

وقد تبعه الصحابة الأجلاء في ذلك ونلمس ذلك في قوله: “متى استعبتدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرار؟”  

وفاء الحكيري

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.