مجتمعمدونات

وطن صفيّة!

مدونات

تأتى الأخبار من مصر المحروسة فـتضحك وتبكى، تسخر وتغضب، مصر قادرة على فعل ذلك كله فى اللحظة الواحدة، وعلى الرغم من عدد المرّات التى لا أحصيها وقررت فيها أنه يكفينى من هذه البلد ندوبها التى لازالت عالقة بذاكرتى وروحى، إلاّ أنه وبالتفاتة ذكيّة، أجد نفسى متورطة فى حديثٍ حزين عن هذا البلد العجيب.

فى الأيام القليلة الماضية، كان هناك خبر وصورة، يبدو أن لا علاقة بينهما، لكن ثمة رابطا يمكن أن يصلهما. الخبر كان عن  تعديل المواد الخاصة بسحب الجنسية المصرية يتضمن التعديل – حسب ما ذكر موقع BBC-  توسيع حالات سحب الجنسية المصرية، لتشمل حالة جديدة تتعلق بـ”كل من اكتسبها عن طريق الغش، أو بناء على أقوال كاذبة، أو صدر بحقه حكم قضائي يثبت انضمامه إلى أي جماعة، أو جمعية، أو جهة، أو منظمة، أو عصابة، أو أي كيان، أيًا كانت طبيعته أو شكله القانوني أو الفعلي، سواء كان مقرها داخل البلاد أو خارجها، وتهدف إلى المساس بالنظام العام للدولة، أو تقويض النظام الاجتماعي أو الاقتصادي أو السياسي لها بالقوة، أو بأية وسيلة من الوسائل غير المشروعة” ؛ أما الصورة فكانت لـمحاولة بائسة فى جامعتى لتنظيم ” طابور صباح” للطلبة، وقد انتظموا فى صفوف بهلوانية لتأدية النشيد الوطنى!

الرابط بين الصورة والخبر هو السؤال المؤرق عن معنى الوطن ومفهوم الإنتماء، ما الذى يربطنا حقيقةً بالوطن، وثيقة رسمية

زهراء بسام

تقول بأننا ننتمى لهذه الأرض وأهلها، أم بطابور صباحى يُفرض قسراً فى منظومة تعليمية بالية لا تعطى طالبها – بغير جهده الذاتي- علما أو تربية.

يتسائل المرء بجديّة عن “وطن صفية”، ذلك الذى لا يحدث فيه هذا كله، لا يحدث أن تخرج منه قسراً ولا تملك عودة قريبة له، ألاّ يأخذك حنين كل ليلة إلى حيث ذكرياتك تسكن، أن تشتاق الى أهلك وأصحابك فلا يَبرُد شوقك بـلقاءٍ يُذهب عنك حَزن الفراق، أن يرحل من تحب ولا يكون من نصيبك سوى مكالمة هاتفية تقتص فيها اللحظات الأخيرة للوداع، علّك تجد فيها السلوان .. أين هذا الوطن الذى لا يحدث فيه ذلك كله؟!

بعد خروجي من مصر، ظللت لفترة ليست بالقصيرة كلما رنّ جرس الباب، أو سمعت جلبة فى الشارع ينقبض قلبي وأتهيأ لزيارة سوداء من أمن الدولة، تلك الزيارة المخيفة التى عايشتها على مدى سنوات عمرى الماضية، مرات لأجل أبى، وأخرى لأجل أخوي.. وفى كل مرة لا تذهب رهبتها وسوادها من القلوب، وما أن أتذكر أنه تبعدنى عن مصر أميال وأميال، وأنى في مأمن أحمد الله عليه كما أخبرتني صديقتي “يكفيكِ – فى غربتك –  أن تنامى مطمئنة”؛ أتذكر هذا فألقي عن كاهلى القلق الذى تلبّسنى وأعود إلى السؤال مفقود الإجابة : أين وطنكِ يا صفية؟

يبدو مستهلكاً كل حديث عن “الوطن” مع كثرة الخيبات التى تلقيناها، مع الأحلام المبتورة والرجاءات المخذولة، مع كل فشل كان النجاح قاب قوسين منه أو أدنى، ثمّ على حين غرّة منّا باغتنا “الوطن” بغدره فذهب بالأمل وأبقى لنا غصة الألم، يبدو حديثا مبتذلا مع قصائد المراثى التى لم نصل لـبيتها الأخير بعد من كثرة دمائنا، فلا الأرض تشبع ولا نحن نقنع بما يُمليه واقعها!

يشبه الوطن بيتك القديم المتهالك، قد تجوب العالم، تنبهر بألوانه وأضوائه، صخبه وجماله، لكن حبك أبداً للحبيبِ الأولّ، ولا يتنكر لبيته إلاّ معدوم أصلٍ، أقول لـصديقتى، المُغرّبة هى الأخرى عن بلدها وقد جمعنا بلد ثالث لا نعلم عن لغته شىء، ونحن – للأسف – لم نكن معدومي الأصل!

يبدو مستهلكاً كل حديث عن “الوطن” مع كثرة الخيبات التى تلقيناها، مع الأحلام المبتورة والرجاءات المخذولة، مع كل فشل كان النجاح قاب قوسين منه أو أدنى، ثمّ على حين غرّة منّا باغتنا “الوطن” بغدره فذهب بالأمل وأبقى لنا غصة الألم

لم نكن أبداً معدومي الأصل، بل تضرب جذورنا فى هذه الأرض، فى تاريخها وجغرافيتها، لم انتظم فى طابور جامعىّ لتحيّة العلم، لكنّى أحفظ عن ظهر قلب ما سمعته من أمى مراراً وتكرارا: بلدي وإنْ جارتْ علىّ عزيزةٌ، وأهلى وإنْ ضنّوا عليّ كِرامُ، كنت أرددها على زميلاتى وأنا لم أتجاوز بعد الخامسة من عمرى، بيت شعرٍ لا أدرك معناه تماماً، لكنى على كثرة ما سمعته من أمى حفظته، هكذا بسلاسة عجيبة انتمينا لهذه الأرض بكل ما فيها ومن فيها.

اعتقد أن الحياة فى جوهرها ذاكرة جمعية، تفاصيل اليوم التى نتشاركها ونصنع منها ذكريات وصور موثقة فى الخيال هي الدليل النابض بالحياة على وجودنا، الأهل والصحبة والجيران، زملاء الدراسة والعمل، من أحبّوك ومن كرهتهم، شوارعك المفضلّة، أكلاتك المحببة، كل هذا بمعنى آخر هو أنتَ، كل تلك التفاصيل تشرح بصورة أخرى ذاتك، أفكارك ومشاعرك، أنت جزء من مجموع وهم جزء منك..

أتصوّر الآن جلسة مع أصدقاء العمر وقد تقادم بنا الزمن نستدعى موقفاً من ماضٍ سابق.. ستكتمل الصورة فقط إذا تشاركتها مع الآخرين، هنا تحتفظ الذكرى بحقها فى التأريخ والوجود طالما كان بالإمكان حكايتها مع آخرين، وهذا لا يكون إلاّ فى “الوطن”. حسناً، ماذا يفعل الوطن، يمتلك ناصية ذاكرتك!

أتفهم تماماً بحثك الدائم عن الهروب منه، عن حقك وحقي فى البحث عن فرص أفضل، عن حياة كريمة خارج مشكلاته المزمنة وواقعه البائس. لكنك لا تعرف ألم حرمان الاختيار، ألاّ تملك حق العودة، ألا يصبح بإمكانك فى أى وقتٍ شئت قطع تذكرة عودة، أن تكون مطروداً من بيتك، يجعل كل نعيمٍ خارجها غير مكتمل.. تضحك وتمرح لكنّ حلقة مفقودة تجعل من ذلك كله فقاقيع هواء تأخذ لحظتها وتمضى.. فما معنى السعادة دون المشاركة، وما معنى الحزن دون المساندة؟ وكل هذا لا يكون إلاّ فى بيتك بين أهلك وصحبك.

أعرف هذا الغضب النابت فى ثنايا الروح من وطنٍ قدمت نفسك قربانا على مداخله، فاستحلّ دمك وعمرك وخذلك كأسوء ما يكون الخذلان، أعرف معنى الخذلان، لكنى أعرف جيداً أيضاً معنى ألا تعيش بلا وطن، بلا مَرسى، بلا حق فى الاختيار، أعرف مرارة الدموع وأنت لا تملك هرباً من انتمائك لأرض تُنكرك وتستكثر عليكَ وجودا آمنا فيها.. فقط، وجود آمن وأنتَ المعذّب بأحلامها.

 

الوسوم

زهراء بسام

باحثة في مجال الإعلام

مقالات ذات صلة

رأي واحد على “وطن صفيّة!”

  1. يبدو لي ان هذه المخاضات التي يخوضها كل المخلصين من المسلمين في بقاع الإسلام المختلفة من اقصى الشرق حتى اقصى الغرب هي لتهيئة الأجيال لعودة روح الإسلام الحقيقية تسير على واقع الأرض من جديد بعد أن سكن المسلمون لفترة طويلة جدا تجاوزت قرنا من الزمان واطمأنوا الى حياة هادئة يبتغون السلامة لأنفسهم والدعاء لمصائب غيرهم من اخوانهم ..
    فهاهي الأرض تموج بساكنيها لتزلزلهم وتخرجهم من أرضهم سكنهم وسكونهم ليستعيدوا حركتهم وحراكهم ويصححوا مسارهم .. لينشروا العدل والحق .. فتعود الأرض تزهو بهم وبإسلامهم
    جزاكِ الله خيراً وعوضك وأهلك وذويك وأصحابك خيراً وأبدلكم خيراً مما فقدتمون في الدنيا والآخرة وأحسن خاتمة أعمالكم

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.