ثقافة

الملكة أراويللو: رمزية خوف الرجل من تفوق المرأة‎

بقلم: سمية شيخ محمود

الملكة أراويللو، ملكة أسطورية شهيرة، تقول الرواية الأكثر تداولاً أن تلك الملكة كانت تكره الرجال وتخصيهم بلا ذنب، وأنها قُتلت أخيراً على يد مسنٍّ ماكر كان اسمه أودي بيقي Oday Biiqay، وتقول الأسطورة أيضاً أنّها الآن مدفونة في مكان ما في وادي نوغال شمال شرق البلاد، وحين يمرّ الركبان بالمنطقة، يرمي الرجال  قبرها بالحجارة، وتفرشه النساء بالأوراق الخضراء والأزهار.

ومن الطريف أن العديد من الرجال استحضروا هذه القصة الأسطورية للتحذير من تولي المرأة مناصب في الحكومة، بعد إقرار الكوتا النسائية  بنسبة لا تتجاوز 30%من مجمل مقاعد البرلمان، وبعد ترشح السيدة فاطمة قاسم طيب للرئاسة في 2016م.

فما الذي يخيف الرجل من تصدّر امرأة ما وتوليها منصباً أو درجة رفيعة؟

أميل شخصياً إلى أن أريللو قصة رمزية تجسد خوف الرجل من المرأة، إن تولت منصبا يمكنّها من إنفاذ قراراتها، بينما يجسد oday Biiqay  الحل الذكوري للتخلص من الخوف والتهديد المتوهم من النساء ذوات السلطة: الإزاحة من الوجود بالقتل والتشويه.

 

 

أما فيما يخص الملكة أرويللو مثلا، فأتبنى سردية فارح محمود محمد، ربما لتشابهها مع الواقع، ولأنه رجل سيتردد كثيرون برفع هتاف ضده مثل: انتِ عانس وتكرهين الرجال! أنتِ فاشلة في زواجكِ ولهذا صرتِ تلجئين للخطابات النسوية!

يقول في روايته الخاصة لحكاية الملكة أرويللو:

” مرّ الصوماليون بحرب أهلية طاحنة بين القبائل المتساكنة، وتشرد الأطفال والنساء، أرويلو.. ذلك هو اللقب الشائع كان اسمها عيبلا عوَد: اي الخالية من العيوب، إحدى ضحايا تلك الحرب، قُتل زوجها وترك لها طفلين اثنين، والأرملة في عرفنا البدوي لا تعود لأهلها، ولا تتزوج بمن تشاء، هناك طريق واحدة فقط: الزواج بأحد أشقاء الزوج، لضمان بقاء الأطفال ضمن مضارب العشيرة، ولئلا تنتقل الأملاك وخصوصا المواشي لعشيرة أخرى، وعليه؛ بقيت عيبلا مع قوم زوجها، لكن طفليها توفيا بعد حين، بسبب المجاعة، فلم تجد بدّاً من العودة لمرابع أهلها ، ومع الأسف لم تلق ترحيباً وتجنبها الجميع، فهي حتماً ليست مفيدةً لهم، بمعنى لن يدفع لها مهر (100 ناقة وبنادق وأحصنة) كالفتاة البكر، بل غالباً لن تتزوج أو تتزوج بدون مهر يذكر!

أحست عبيلا بالإحباط، وغادرت مرابع عشيرتها إلى ضواحي المنطقة، وهناك التقت بنساء مررن بالتجربة ذاتها، فأسسن جماعة لهن، وسمع الرجال بقصتهن، فجعلوا همهم ملاحقتهن لتفكيك جماعتهن تلك، وخضن معهم معارك عديدة، واختارت النسوة عبيلا ملكة لهن لما أظهرته من شجاعة وقوة وحزم.

الملكة التي تخصي الرجال رواية صومالية بحتة اصطنعها الرجال لتخويف بني جنسهم، وتهديد مبطن لمن تسول لها نفسها التصدي لمهمة القيادة بأن مصيرها القتل على يد مسن ماكر ما، فهل جاء الوقت لنسمي الرجال المعارضين لحكم المرأة أو مشاركتها في العمل العام بمناصب عليا بـ”أودي بيقي”؟!

وذاع صيت الملكة الحكيمة الجميلة العادلة، فكانت النساء يهربن إلى مملكتها طلبا ًللأمن، ولجأت القبائل الضعيفة إلى عدلها لتحميهم من القبائل الكبرى المتوحشة، وذات مرة، أعلنت الملكة أن إنهاء الحرب الأهلبة أولوية مملكتها، واجتمعت بالحكيمات وتشاروت معهن، وأعلنّ خطة من ثلاث خطوات: الدعوة لمصالحة عامة، إذا رفضوا، فسوف يمنحن المتحاربين فرصة لإيقاف الحرب، إذا لم يقبلوا، فالمملكة ستشن حرباً على المتحاربين. وفي أثناء ذلك، تبني المملكة جيشا قوياً قادرة على منازلة تلك القبائل المتقاتلة، وسيبنى سجن محصن للأسرى المحتملين.

رفض رجال القبائل المتناحرة الصلح وإيقاف الحرب، فقادت الملكة الحرب ضدهم، وأسرت العديد من أمراء الحرب، وزعماء العشائر، ووضعتهم جميعاً في السجن المحصن المخصص لهم.

تساءلت القبائل: أين الرّجال؟ لماذا لم يعودوا؟ كيف لم يتمكنوا من الإفلات من بين أيدي الملكة؟

وبما أن الرجل بخصيتيه، وبما أن الثقافة العامة تقول: بدون الخصيتين لا يستطيع الرجل التفكير، أو التخطيط، أو الدفاع عن نفسه، أو حتى مساعدة نفسه، قال الناس: يبدو أن الملكة أخصتهم! وتناهت الهمسات الخافتة حول إخصاء الرجل للملكة، فأعجبها ذلك جداً، وأمرت بنشر شائعة تقول: أي شاب سيشارك في الحرب فسوف يُخصى.

وعاش الصوماليون أعواماً بلا حروب تحت حكم الملكة العادلة، وعمّ السلام البلاد، حتى إذا كان عيد ميلاد الملكة الأربعين، جاء زعيم الحرب المدعو oday Biiqay واغتال الملكة، وأطلق سراح الرجال المحاربين، وبدأ الصوماليون لعبة الحرب بين القبائل من جديد واستمرت الحرب بينهم لقرون تلت!

لم يعترف الرجال بفضل الملكة أرويللو، في إرساء السلام، بل أشاعوا أنها كانت شريرة وماكرة وتكره الرجال وتعاقبهم بالخصي.

هذه القصة اختصرت في عناصرها عوامل الرعب الرجالي عموماً؛ فالرجل يستمد قوته من كونه القائد، والقيادة تتطلب خوض الحروب والسلب والنهب كوسيلة لطلب الرزق، والحرب تستلزم طاقة جسدية يتفوق بها على المرأة، ولكن إذا وجدت بدائل تهدد دوره فسوف يحاربها، والملكة هددت دور الرجل القيادي، وسحب هذا الدور يعادل الاستغناء عن دوره البيولوجي.

وهذه ذورة مخاوف الرجل في ظني، وبالتالي، يكون الدفاع عن أحقيته في القيادة معادلا لدفاعه في حق الحياة وإن أدّى ذلك للقضاء على الأعداء الوهميين المنافسين له في القيادة (النساء)، وباستخدام كافة أنواع الأسلحة كالاحتقار، والبحث عن أدلة علمية وشرعية تثبت فشل المرأة في القيادة وكيف سيؤدّي ذلك لخيبة وخسارة الأمة التي ترتضي تتولى النساء فيه الحكم..!

ربما هذا ما جعل رواية الملكة التي تخصي الرجال رواية صومالية بحتة اصطنعها الرجال لتخويف بني جنسهم، وتهديد مبطن لمن تسول لها نفسها التصدي لمهمة القيادة بأن مصيرها القتل على يد مسن ماكر ما، فهل جاء الوقت لنسمي الرجال المعارضين لحكم المرأة أو مشاركتها في العمل العام بمناصب عليا بـ”أودي بيقي”؟!

سمية شيخ محمود

كاتبة وباحثة صومالية ومؤسسة موقع تكايا

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد