مجتمعالرئيسي

أزمة المهاجرين: جنّة أوروبا تتحوّل إلى جحيم

مجتمع

في يوم الجمعة 23 سبتمبر 2017، أعلنت المنظّمة الدوليّة للهجرة عدد المهاجرين الّذين وصلوا إلى أوروبا عبر البحر المتوسّط (منذ بداية سنة 2017 إلى غاية 20 سبتمبر الجاري)، قد بلغ 133 ألفا و640 مهاجرًا، فيما غرق 2556 مهاجرًا.

أمّا على الصعيد العالمي، فقد تُوفّي أربعة آلاف مهاجر أو فُقدوا في عرض البحر، خلال العام الجاري.

كما أشارت المنظّمة إلى أنّ أكثر من 75٪ من هؤلاء وفدوا إلى إيطاليا، بينما انقسم الباقون بين اليونان وقبرص وإسبانيا.

وأوضحت، استنادًا إلى الأرقام الرسميّة لوزارة الداخليّة الإيطاليّة، أنّ عدد من وصلوا إلى إيطاليا بلغ 102 ألفا و942 مهاجرًا هذا العام عن طريق البحر، وهو ما يقل بنحو 21٪ عن العدد المُسجّل في الفترة نفسها من العام الماضي.

ولئن انخفضت أعداد المهاجرين مقارنة بالأرقام المُسجّلة في السنة الفارطة (300 ألف و767 مهاجرًا وفدوا إلى أوروبا خلال الفترة نفسها من العام الماضي)، إلّا أنّه يظلّ رقمًا ضخمًا جدًّا نظرًا لعدّة معطيات سنستخلصها في هذا المقال من المتغيّرات العالميّة في الفترة الأخيرة.

 

 أسباب متعدّدة، والنتيجة واحدة

هنالك الكثير من الأسباب الّتي تدفع إلى طلب اللجوء أو الهجرة:

  • تأجّج النراعات المسلّحة يُجبر الناس على الهرب من الموت والدمار، فيتّجهون إلى المناطق الآمنة لتوفير الطمأنينة لهم ولأطفالهم، والبحث عن مستقبل أفضل، مثلما هو الحال بالنسبة إلى المهاجرين السوريّين والعراقيّين والليبيّين.

 

  • التعرّض إلى الاضطهاد العرقي أوالإثني، حيث يضطرّ الأشخاص إلى الهرب من كافّة أشكال العنف الّتي يمكن أن تصل إلى القتل والاستعباد، مثلما هو الحال في أفريقيا وبورما.

 

  • المشاكل الاقتصاديّة كالبطالة وعدم المقدرة على توفير العيش الكريم، تحدو الشباب (غير المعرّضين للموت أو العنف في هذا الحالة) للهروب من ضيق الحياة وعدم المقدرة على توفير احتياجاتهم الطبيعيّة، مثلما هو الحال في بلدان مصر والمغرب والجزائر وتونس، إلخ…

لكن وإن تعدّدت الأسباب، فإنّ النتيجة واحدة: تزايد مطّرد للمهاجرين (بالطرق الشرعيّة وغير الشرعيّة) في كلّ أرجاء أوروبا، يقابله عجز الدول (الطاردة للمهاجرين أوالجاذبة على حدّ السواء) عن استيعاب هذه الظاهرة واستتباعاتها.

 

فشل الدول الطاردة في استقطاب أبنائها

هناك ارتباط وثيق بين مشكلتيْ الهجرة والتنمية في البلدان العربيّة؛ إذ يوضّح ارتفاع نسبة الشباب من عدد الراغبين في الهجرة من بلدانهم إشكاليّات التنمية وتحدّياتها.

وهذا راجع بالأساس إلى عجز النماذج والبرامج والسياسات التنمويّة السائدة الّتي اتّبعتها الحكومات ودوائر صنع القرار عن استيعاب الشباب وإدماجهم في عمليّة التنمية.

ويكشف هذا العجز عن مشكلة أعمق وهي النموذج التسلّطي العربي الّذي تنبع منه تلك الخيارات السياسيّة الارتجاليّة، وهو ما يرفع من مستوى التهميش الاجتماعي والاقتصادي ويهدر الحقوق الثقافيّة والسياسيّة للمواطنين العرب.

 فشل الدول الجاذبة في استيعاب المهاجرين

تعدّ دول الاتحاد الأوروبي إحدى أبرز الوجهات التي يقصدها المهاجرون العرب وأهمّها. وقد عالجت العديد من البحوث قضايا الهجرة العربية إلى دول الاتحاد الأوروبي، مثل موضوع الجيل الثالث من المهاجرين في بلجيكا، وقضايا الاندماج، والهجرة الطلابية إلى الغرب، وموضوعات أخرى ذات الصلة.

وقد أخذت هذه الهجرة تكتسب سمات “الهجرة غير الشرعية”، بعد تبني الاتحاد الأوروبي سياسة أمنية تقنينية ابتداءً من أواسط الثمانينات، وهو ما يطلق عليه في المغرب العربي “الحريك”؛ وهو مصطلح مزدوج المعنى يعني تحدي المحظور وإحراق أوراق الهوية. وقد أصبح هذا المصطلح مألوفًا في الثقافة الشعبية وتبوأ مكانة متميزة في تحليل ظاهرة الهجرة. وقد أبرزت جملة من البحوث أن ما يقارب ثلث المستجيبين في العيّنة التي شملتها بعض تلك المسوحات أعلنوا عزمهم على اللجوء إلى الهجرة غير القانونية للوصول إلى دول الاستقبال الأوروبية، بواسطة شبكات المهربين عبر البحر.

وقد أخذت ظاهرة الهجرة غير الشرعيّة تتعدّى حدود بلدان المغرب العربي إلى دول المشرق العربي، وقد احتلّت مصر الترتيب السابع بين أعلى عشر جنسيات للمهاجرين المهربين عن طريق البحر إلى إيطاليا خلال الفترة (2012–2015). وفي عام 2014، احتلّت الترتيب الحادي عشر بين أعلى الدول المرسلة للمهاجرين غير الشرعيين إلى اليونان، والترتيب العاشر بالنسبة إلى مالطا. وتعدّ إيطاليا ومالطة واليونان معابر أساسية للهجرة غير القانونيّة من المشرق العربي إلى أوروبا إلى جانب معابر أخرى.

وعلى الرغم من أن الدول الأوروبية الموقعة على اتفاقية شينغن التي دخلت حيّز التنفيذ في تموز/ يوليو 1990 قد ضمنت حق التنقل بين دولها، فإن دولًا عديدة منها كانت قد اتخذت – قبل تدفقات الهجرة الجديدة الكبيرة إلى دول الاتحاد الأوروبي، ولا سيما بين العامين 2014 و2015 وبصفة منفردة – سياسات تقييدية قانونية ورقابية وتنظيمية صارمة لمكافحة الهجرة غير الشرعية والتشغيل السري. لكنّ السياسات الأوروبية ظلت بعد التدفقات الهجروية الجديدة تفتقد إلى التوحيد، وظلت تواجه عدة إكراهات وتناقضات وتطغى عليها الخلافات بين الشركاء الأوروبيين؛ وبرز ذلك على الخصوص في رفض بعض الدول لحل تقسيم المهاجرين غير الشرعيين بين دول الاتحاد ولجوء هؤلاء إلى حلول قمعية في مواجهة هذه التدفقات.

كما ارتفعت نفقات إجراءات سياسة مكافحة الهجرة غير الشرعية؛ فدول الاتحاد الأوروبي أنفقت 3.11 مليارات دولار ابتداءً من عام 2000 كتكلفة لطرد المهاجرين غير الشرعيين، و6.1 مليارات يورو لحماية حدود أوروبا وتمويل مختلف المؤسسات (فرونطيكس Frontex، نظام المعلومات شينغن..) والعمليّات (تعبئة قوّات الأمن، والنظام المندمج للمراقبة الخارجيّة، إلخ…).

تراجع أوروبا اقتصاديًّا ينذر بنهاية زمن الهجرة إليها

قال رئيس البنك المركزي الأوروبي “ماريو دراجي” إنّ أوروبا تحتاج إلى معالجة ارتفاع البطالة بين الشباب لحماية الديمقراطية والتماسك الاجتماعي والثقة العامة والعمل على وقف احتمالات استمرار نمو تلك المعدلات المرتفعة، لأنّ انقطاع خُمس الشباب تقريباً عن العمل قد يؤثّر في قدرة أوروبا على الابتكار، كما يعرّضها لمخاطر فقدان الثقة في المؤسّسات العامّة.

وأضاف أنه يجب على الاتحاد الأوروبي تعزيز المنافسة، والتركيز على التعليم كونه ذا دور محوري في إعداد الشباب لسوق العمل، من أجل تحولات اقتصادية.

وعلى الرغم من أنّ المعدّل الإجمالي للبطالة في منطقة اليورو يبلغ الآن نحو 9%، إلّا أنّ بطالة الشباب تبلغ 19% أي أعلى بنحو 4% عمّا كانت عليه في بداية الأزمة الاقتصادية في عام 2007.

وتشير بيانات مكتب الإحصاءات التابع للاتّحاد الأوروبي “يوروستات”، إلى أنّ أكثر من 40% ممّن هم أقلّ من 24 عامًا في اليونان وإسبانيا عاطلون عن العمل، في حين يتجاوز المعدّل في إيطاليا الــ 30%.

وفي خطابه الأخير، قال الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إنّ الاتّحاد الأوروبي اليوم “ضعيف وبطيء جداً وغير فعّال”، داعياً إلى إعادة هيكلته من جديد.

جاء ذلك في كلمة ألقاها ماكرون بجامعة “سوربون” بالعاصمة باريس، مضيفاً أنه ينبغي إعادة هيكلة الاتّحاد الأوروبي بدعم من الشعوب، ضمن إطار السيادة والوحدة والديمقراطيّة.

ودعا ماكرون زعماء الاتّحاد الأوروبي إلى تناول القضيّة قبيل انتخابات البرلمان الأوروبي في 2019.

وشدّد ماكرون على أنّه ينبغي تحويل منطقة اليورو إلى قوّة اقتصاديّة قادرة على منافسة الصين والولايات المتّحدة الأمريكيّة، وأنّه ينبغي خفض مستوى البطالة في أوروبا الّذي تصل نسبته بين الشباب إلى 20% .

ولفت إلى انعدام ثقافة استراتيجيّة مشتركة داخل الاتّحاد الأوروبي فيما يخصّ الأمن، منوّهًا بالحاجة إلى خطّة تدخّل مشتركة وميزانيّة أمنيّة.

وأكّد الرئيس الفرنسي ضرورة تأسيس أكاديميّة لتبادل المعلومات بين دول الاتّحاد الأوروبي لمكافحة الإرهاب.

من جهة ثانية، دعا ماكرون إلى تأسيس مكتب يعنى بشؤون اللاجئين في أوروبا، وبذلك يتم تسريع إجراءات اللاجئين، وضبطهم بشكل أكثر فعالية من قبل شرطة الحدود الأوروبية.

ولفت إلى أن مشكلة اللجوء مسألة مهمة من أجل الاتحاد الأوروبي، وأنّه “إمّا أن نغلق حدودنا أو نبني منطقة مشتركة بشأن اللجوء والهجرة”.

 كابوس المهاجرين الجديد هو اليمين المتطرّف

لقد أقرّت المستشارة الألمانيّة أنجيلا ميركل، مؤخّرًا بمسؤوليّتها عن حالة الاستقطاب في البلاد، وذلك بعد فوز حزبها بصعوبة في الانتخابات التشريعيّة وسط صعود اليمين المتطرّف المعادي للهجرة. ويُفسّر الاستقطاب الّذي تحدّثت عنه ميركل بسياستها في استقبال المهاجرين واللاجئين خلال السنوات الأخيرة، وهو ما قدّم، بطريقة غير مباشرة، خدمة عظمى للحزب القومي اليميني، “حزب البديل من أجل ألماني” الّذي تحصّل على أصوات 13.5% من الناخبين في النتائج الأوّليّة للانتخابات، ليحتلّ بذلك المرتبة الثالثة بعد “الاتحاد الديمقراطي المسيحي” الّذي تترأسه ميركل و”الحزب الاشتراكي الديموقراطي” بزعامة مارتن شولتز، ويصبح أوّل حزب ينتمي إلى أقصى اليمين يحصل على تمثيل في البرلمان في تاريخ ألمانيا منذ الحرب العالمية الثانية.

ويطالب هذا الحزب المتطرّف بإغلاق جميع المساجد وفرض حظر على الآذان، واعتماد اجراءات تضييقية على المهاجرين واللاجئين.

 

لافتة كُتب عليها “الإسلام يدمّر أوروبا، ونحن نفتح أبوابنا (لهم)”، رفعتها مجموعة “هوغار سوسيال” اليمينية المتطرفة في مدريد بعد الاعتداء.

 

من جهتها، هنّأت زعيمة اليمين الفرنسي المتطرّف مارين لوبان، حزب “البديل من أجل ألمانيا” بالنتيجة التاريخية التي حقّقها في الانتخابات التشريعيّة.

وكتبت مارين لوبان في تويتر أنّ هذا “الفوز لحزب البديل يعدّ رمزا جديدا لصحوة الشعوب الأوروبيّة”.

وأظهر استطلاع للرأي، أجرته وكالة الاتّحاد الأوروبي للحقوق الأساسيّة، أنّ 92% من مسلمي أوروبا يواجهون تمييزا عنصريّا بما في ذلك اعتداءات لفظيّة وجسديّة.

وأفاد الاستطلاع الذي شارك فيه نحو 10 آلاف مسلم، من 15 دولة أوروبية أن 53% من المسلمين في أوروبا تعرضوا لمضايقات لكون اللافتات على منازلهم تحمل اسماء اسلامية فقط. وأشار الاستطلاع إلى أن 39% من المشاركين بالبحث، عانوا من التمييز العنصري بسبب مظهرهم الخارجي عند سعيهم للحصول على عمل، كانت للنساء الحصة الأكبر، بنحو 35%.

كما لفت الاستطلاع إلى «تعرّض نحو 94% من النساء المحجّبات المشاركات في الاستطلاع لاعتداءات ومضايقات تراوحت بين الجسديّة واللفظيّة».

 

جانب من مظاهرات حركة “بيجيدا” العنصريّة

 

من أجل تبنّي تصوّر موضوعي للهجرة، يجب إعادة النظر في الخطاب السياسي وفي الخطاب الإعلامي في الدول الأوروبية اللذين يعالجان الهجرة عمومًا بصورة سلبية (الهجرة غير الشرعية، ومشكلات الاندماج، والإرهاب والجريمة، والمخدّرات…). ومن المؤسف أن تركز الدراسات والتقارير على هذا الجانب السلبي، محاولةً إبراز تكلفة الهجرة، بينما تظل البحوث التي تتناول الجوانب الإيجابية للهجرة قليلة.

أمّا على المستوى الجيوستراتيجي، فلا يمكن لأوروبا أن تستمر في ازدهارها مع إدارة ظهرها لجيرانها في المغرب والمشرق العربي. إن الطريق الأنجع لتحقيق السلم والرخاء المشترك في الحوض المتوسطي يقتضي ألّا تكون لأوروبا سياسة للعالم العربي، ولكن أن تكون لها سياسة مع العالم العربي، وهذا هو كنه معنى الشراكة.

 

مـهــدي الـغـــانــمي

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.