مجتمع

الكاتبة السعودية مضاوي الرشيد تسأل: لماذا تحتاج الأنظمة القمعية الى النساء؟

الرشيد: "إلغاء الحظر المفروض على قيادة النساء للسيارات في السعودية: إجراء ضئيل جداً جاء متأخراً جداً"

 

حتى لو كانت مملكة سلمان متعثرة في سياساتها الخارجية على مستوى الإقليم وبشأن الإصلاح السياسي الداخلي، ما من شك في أنها أحدثت انقلاباً من خلال إصدار العاهل السعودي لمرسوم ملكي يوم الثلاثاء ألغى به الحظر المفروض على قيادة النساء للسيارات.

 

يأمر المرسوم بإنشاء لجنة رفيعة المستوى لدراسة الإجراءات العملية المطلوبة لتنفيذ المرسوم بحلول عام ٢٠١٨. وأعلن السفير السعودي الجديد لدى الولايات المتحدة الأمريكية خالد بن سلمان أن النساء لا يحتجن إلى إذن من أولياء أمورهن الذكور حتى يحصلن على رخص لقيادة السيارات.

 

سارعت إزاء ذلك لطيفة الشعلان، العضو المعين في مجلس الشورى، إلى الإعلان من خلال قناة العربية المملوكة سعودياً

الدكتورة مضاوي الرشيد

بأن ذلك يعتبر بمثابة نصر تاريخي للنساء. وطفحت مواقع التواصل الاجتماعي برسائل التهنئة وعبارات الإشادة بالقرار، ووجهت الناشطات في القطاع النسائي رسائل تفيض بمشاعر الحب عبر تويتر لولي العهد السعودي محمد بن سلمان.

 

إلا أن السؤال الحقيقي يتعلق بما إذا كان ذلك مجرد استعراض في العلاقات العامة لن يدوم طويلاً أو أنه بداية إصلاح أساسي تشهده المملكة العربية السعودية. سنعرف الإجابة على هذا السؤال فقط حينما نسمع عن الإصلاحات التي ستتلو هذا الإجراء.

 

أما فيما يتعلق بمن ينبغي أن ينسب له الفضل في ذلك، فلا ينبغي أن ننسى شجاعة وإقدام النساء في كافة أرجاء المجتمع السعودي، وخاصة تلكم النشيطات اللواتي دفعن ثمناً باهظاً لتجرؤهن على قيادة السيارات وما ترتب على ذلك من تعرضهن للإهانة والاعتقال.

 

لقد طالب النسوة بحقهن في القيادة منذ مطلع تسعينيات القرن الماضي، وانتهى المطاف بعدد منهن وراء القضبان داخل السجون. واستمر النضال حتى وقت قريب واستمرت التضحيات، ومن النماذج التي شهدناها مؤخراً منال الشريف، التي كانت تعمل حينها في شركة أرامكو، واندفع الحماس في عروقها، مثلها مثل كثير من النساء السعوديات الأخريات، في أجواء الانتفاضات العربية التي انطلقت عام ٢٠١١، فتجرأت على قيادة السيارة في المنطقة الشرقية من المملكة العربية السعودية ومعها وجيهة الحويضر، المدافعة المخضرمة عن حقوق النساء، التي صورت الواقعة لتوثقها وتنشرها عبر مواقع التواصل الاجتماعي.

 

ما لبثت منال الشريف أن اعتقلت، وبقيت رهن الاعتقال تسعة أيام بلياليها داخل زنزانة موبوءة بالصراصير، وما أن أطلق سراحها حتى غادرت البلاد إلى أستراليا لتبدأ هناك حياة جديدة.

 

وفي عام ٢٠١٤، حاولت لجين الهثلول تجاوز الحدود بين السعودية والإمارات في سيارتها، إلا أنها ألقي القبض عليها هي وصديقتها ميساء العمودي التي سارعت لتكون برفقتها على الحدود، ثم اعتقلت الاثنتان لما يزيد عن شهرين.

مملكة اللف والدوران

 

والسؤال المهم الآخر هو لماذا الآن؟ فبعد شهر من تواجده في بؤرة الأخبار السيئة والدعاية الشائنة، بات الملك سلمان وابنه محمد في حاجة ملحة جداً إلى تحسين صورتيهما.

 

ويذكر في هذا الصدد أن المملكة هددت بقطع علاقاتها الدبلوماسية وروابطها التجارية بالدول الأعضاء في مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة رداً على اقتراح تقدم به أعضاء في المجلس بإرسال بعثة تقصي أممية إلى اليمن حيث ترتكب جرائم حرب بسبب الغارات الجوية التي تنفذها هناك المملكة العربية السعودية.

 

جرى منذ التاسع من سبتمبر اعتقال ما يزيد عن ثلاثين ناشطاً وعالماً دينياً ورجل أعمال في السعودية. وهذا الأسبوع سلط تقرير صادر عن منظمة هيومان رايتس واتش الضوء على التمييز الممنهج الذي يمارس ضد الأقليات الدينية وعلى نشر خطاب الكراهية وإصدار الفتاوى ضدهم.

 

على المستوى المحلي، مازالت الفردوس النيوليبرالية منتظرة، وذلك بعد التراجع عن انكماش دولة الرعاية وإلغاء قرار رفع الدعم الحكومي عن السلع، نظراً لأن محمد بن سلمان لا يريد أن يرتبط اسمه بإجراءات التقشف التي أعلن عنها في عام ٢٠١٦ بينما يجهز نفسه ليصبح ملكاً.

 

وبحلول شهر يوليو / تموز ٢٠١٧، تراجع تماماً عن خططه السابقة في مجال التقشف الاقتصادي، وذلك بعد أن انتقده السعوديون عبر مواقع التواصل الاجتماعي لإجباره إياهم على شد الأحزمة على بطونهم بينما يستمتع هو بيخته الجديد الذي يقال إنه دفع فيه ما لا يقل عن ٥٠٠ مليون دولار.

 

والسؤال هو: لماذا يلجأ فجأة نظام ملكي استبدادي، لا يُسمح فيه بممارسة حرية التعبير، ولا يوجد فيه مجتمع مدني مستقل ولا أحزاب سياسية ولا مجالس وطنية منتخبة، ولا حكومة تمثل الشعب، ولا حركة نسوية مرخصة، إلى الدفاع عن النساء أو حتى السماح لهن بقيادة السيارات في بلد لا يوجد له نظير على وجه البسيطة في حظر مثل هذه الممارسة؟

 

ما الذي يجعل الملك يتحول إلى بطل يتصدر الدفاع عن حقوق المرأة ويسعى لتمكين النساء؟

 

لماذا تحتاج الأنظمة النساء؟

 

وهنا علينا أن نتجاوز قصص ألف ليلة وليلة الشهيرة التي تصور لنا الخليفة هارون الرشيد وهو ينصت بكل انتباه للحكايات التي تقصها عليه شهرزاد. كثيراً ما تحتاج الأنظمة القاهرة لشعوبها، مثل النظام السعودي، إلى قفازات حريرية نسوية، ولذلك لأسباب أربعة.

 

أولاً، من خلال التصدي للدفاع عن قضايا المرأة، تسعى الأنظمة السلطوية إلى كسر التضامن ما بين أبناء الشعب الواحد وبذلك يُفتح الباب على مصراعيه أمام معركة لا نهاية لها بين الجنسين، وبذلك ينشغل الناس عن النضال في سبيل الحقوق السياسية والمدنية للرجال والنساء على حد سواء. جرت العادة في المملكة العربية السعودية على التسامح مع النساء إن طالبن بحقوق النساء فقط، ولذلك سمح للنساء بالحديث نيابة عن النساء، ولكن لم يسمح للنساء بتاتاً بأن يحلمن برؤية وطنية. وذلك ما يبقي النساء في مواقعهن الخاصة بهن ويمنعهن من الانضمام إلى الرجال في المطالبة بالحقوق السياسية للجميع.

 

وثانياً، ما فتئت النساء السعوديات يحظين بالدفع بهن نحو مزيد من التمكين منذ أيام الملك عبد الله وذلك لتشكيل تيار معاكس لأولئك الذين عرف عنهم تاريخياً تحديهم للنظام، ومن هؤلاء على سبيل المثال الإسلاميون. ففي حربها على الإسلاميين، تلجأ الأنظمة السلطوية في العالم العربي إلى كسب النساء إلى صفها وإعطاء الانطباع كما لو أن الإسلاميين يقفون ضد تحرير النساء وضد تمكينهم. ومن خلال مختلف الوسائل الدعائية، يقدم الطغاة أنفسهم في صورة من يتصدر للدفاع عن المرأة بينما يصورون الإسلاميين كما لو كانوا أعداء النساء.

 

وثالثاً، ليس بإمكان نظام سلطوي مثل النظام السعودي تجاهل موجة النشاط العارم الذي تمارسه النساء، والذي أذهل العالم منذ عام ٢٠١١. ويتراوح هذا النشاط ما بين مظاهرات ينظمها طلبة الجامعات للاحتجاج على الإدارة، إلى قيام بعض النسوة بقيادة السيارات في شوارع الرياض وجدة، إلى حملات تنظمها النسوة للمطالبة بحقهن في المشاركة في انتخابات المجالس البلدية، ناهيك عن المشاركة في المظاهرات التي تنظم للاحتجاج على اعتقال الأقارب الذكور. ولذلك ليس أمام النظام من خيار سوى ركوب الموجة، وبات استيعاب وتبني نضال المرأة من أجل حقوقها مطلباً ملحاً لإحباط النضال العام الذي يمارسه السعوديون ضد ما يتعرضون له من تهميش.

 

وأخيراً، ثمة حاجة لاسترضاء المجتمع الدولي وتبديد تلك الصورة القبيحة للملكة العربية السعودية كموطن للمتطرفين ولانعدام المساواة بين الجنسين. وخاصة بعد أن تبخترت كل من إيفانكا وميلانيا ترامب، وقد ارتدتا أحدث ما في صرعات الأزياء من ملابس وأحذية داخل الرياض، كان لابد للنظام من أن يري أهم رعاته وحماته، الولايات المتحدة الأمريكية، ما آلت إليه أوضاعه من تحول وتطور.

 

يتابع محمد بن سلمان عن كثب الأجواء الإعلامية التي ترافق تحركات ترامب ويرغب في أن يثبت أنه هو الآخر قادر على إحاطة نفسه بهؤلاء النساء “اللواتي يحببني”. فلكي يفتح الاقتصاد السعودي ويجذب الاستثمارات الأجنبية، يحتاج محمد بن سلمان إلى أن يبين أن المملكة العربية السعودية تسير الآن بثبات نحو الأنثوية الاستهلاكية، والتي تختزل فيها حقوق النساء إلى حمل آخر الصرعات من الأجهزة الإلكترونية لأننا جميعاً نستحق ذلك.

 

مازالت أمام المملكة العربية السعودية طريق طويل قبل أن تكتسب النسوة ويكتسب الرجال فيها الحقوق السياسية والمدنية الهامة التي يحرمون منها. بإمكان سلمان الآن أن يثبت صدق رغبته في إصلاح المملكة من خلال إطلاق سراح سجناء الرأي وضمان حرية التعبير وحرية التجمع، وذلك قبل أن نبدأ الحديث عن الحكومة المنتخبة وعن مجلس النواب الممثل حقيقة للشعب.

 

 

ترجمة للمقال المنشور على موقع ميدل إيست آي

الوسوم

مضاوي الرشيد

أستاذة علم الأنثربولوجيا الديني، في قسم اللاهوت والدراسات الدينية  بجامعة لندن، تختص في موضوع الدولة والسلطة في المملكة العربية السعودية، لها عدة مؤلفات منها، "مأزق الإصلاح في السعودية في القرن الحادي والعشرين"، و"تاريخ العربية السعودية بين القديم والحديث"، و"مساءلة الدولة السعودية: أصوات إسلامية من الجيل الجديد".

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.