سياسةغير مصنف

كيف استقبل الألمان والمسلمون صعود اليمين المتطرف؟

بقلم: رواء مصطفى

 

مع إسدال الانتخابات البرلمانية الألمانية ستارها في تمام السادسة مساء السبت، كانت ميركل تضمن لنفسها دورة إنتخابية رابعة، تتربع فيها على عرش السياسة الألمانية لستة عشر عاما على التوالي.

ورغم ان الاتحاد بزعامة ميركل ممثلا في حزبي CDU/CSU قد حقق الفوز على باقي الأحزاب السياسية، كما تنبأت استطلاعات الرأي، إلا إن نتيجة الانتخابات لهذا العام تعد الأسوأ منذ زمن، لتحتل نسبة فوز حزب البديل اليميني المتطرف AFD أكبر مفاجآتها على الإطلاق. إلا أنها ليست المفاجأة الوحيدة.

فاز حزب البديل المتطرف بنسبة 12.6% ضامنا لنفسه 94 مقعدا في البرلمان الألماني، بعد أن كانت أعلى نسبة حققها في الانتخابات الماضية قريبة من ال 5%، ولم يستطع الوصول إليها ليحق له الحصول على أي مقعد في البرلمان السابق.

على جانب آخر خسر أكبر حزبين سياسيين في ألمانيا نسبا كبيرة من مؤيديهما، ففقد الاتحاد (CDU/ CSU)  بقيادة ميركل 8.6% من عدد الأصوات المؤيدة له، ليفوز في الانتخابات بنسبة 32.9%. كما خسر الحزب الاشتراكي الديموقراطي SPD 5.2% من عدد الأصوات المؤيدة له، ليحصل على أكبر هزيمة مُنيَ بها مؤخرا ومحققا الخسارة الأكبر في الانتخابات الحالية ب20.5 % فقط من الأصوات.

بالنسبة لحزب CSU المتحد مع حزب ميركل والمتواجد فقط في ولاية بافاريا، وهو الحزب السياسي الأكبر فيها، فقد حقق أسوأ نتيجة له منذ عام 1958 ليحصل فقط على نسبة 38.8%.

 

لماذا حقق الحزب الاشتراكي الديموقراطي هذه النسبة المتدنية؟

يمكن حصر الأسباب التي أدت لخسارة الحزب هذه النسبة من الأصوات في العناصر التالية:

  • مشاركته في الحكومة السابقة، فمن جهة تمت نسبة جميع النجاحات التي حققتها الحكومة لحزب ميركل بشكل  أساسي، ومن جهة أخرى تحمل مع الحكومة جميع السياسات التي ترفضها فئة من المجتمع الألماني باعتباره شريكا في الحكومة، مما يعني موافقته على تلك السياسات.

 

  • تبنى الحزب كجزء من برنامجه الرئيسي شعار “أوروبا القوية لاتحاد أوروبي أقوى مما سبق”،  رغم أن استطلاعات الرأي الأخيرة كشفت أن نسبة الألمان المؤيدين للاتحاد الأوروبي انخفضت بشكل كبير.

 

  • فقدان الحزب لجزء كبير من قوته كمعارضة، حيث لم يعتبر ضمن المعارضة المؤثرة بسبب مشاركته في الحكومة السابقة، وهو ما تداركه بعد نتيجة الانتخابات بإعلانه انضمامه لصفوف المعارضه ورفضه القاطع المشاركة في الحكومة هذه المرة.

 

ماذا عن حزب البديل؟ هل اللاجئون حقا السبب؟

نجح حزب البديل في الحصول على نسبة 7.9% من الأصوات، لترتفع نسبة تمثيله في البرلمان الألماني إلى 12.6%.

التقدم الذي حققه حزب البديل يقترب من النسبة التي فقدها حزب الاتحاد بقيادة ميركل، مما يعني أن جزءا من أنصار اليمين قد أصبحوا أكثر تطرفا في أفكارهم وقناعاتهم، أو أن عددا منهم يريد ايصال رسالة واضحة لميركل وحزبها أن سياستهما لم تعد ترضيهم.

من الأسباب الرئيسية التي جعلت هذا العدد يتجه إلى حزب البديل سياسات الحكومة تجاه اللاجئين، وهي السياسات التي رفضها عدد لا بأس به من الشعب الألماني. إلا أن بعض الخبراء ورغم تأكيدهم ان اللاجئين هم السبب الرئيسي، فإنهم يعزون الأمر أيضا لرفض البعض لسياسات ميركل الأخيرة، خاصة فيما يخص الأمن الداخلي الألماني، وأن الاهتمام بألمانيا يجب أن يزداد عما هو عليه الآن.

حزب البديل الذي يعتمد بشكل رئيسي في برنامجه على مهاجمة الأجانب وخاصة المسلمين، لم يكن فوزه كارثة على المسلمين والأجانب فقط،بل على الألمان أنفسهم الذين ذاقوا الويلات بسبب هتلر وسياساته، وهم لا يريدون لهتلر جديد أن يتقدم ليقودهم، وفوز اليمين المتطرف يدق أجراس الخطر بأن هتلرا جديدا ربما يكون في الطريق إن لم يتداركوا الأمر.

وضع المسلمين من الانتخابات الألمانية

يقترب عدد المسلمين في ألمانيا من ال 5 ملايين مسلم يعيشون على أرضها، يحق ل 1.5 مليون منهم الانتخاب في الانتخابات البرلمانية. فلمن صوت  المسلمون؟

انقسم المسلون لعدة أقسام في الانتخابات الأخيرة، يمكن حصرها في الخيارات الثلاث التالية:

 الأتراك:  قاطع العدد الأكبر منهم الانتخابات أو أبطل صوته، ويأتي ذلك مع الخطاب الصاعد المعادي لتركيا من الأحزاب السياسية الرئيسية في البلاد، والتي طالت عددا من الأتراك المقيمين في تركيا.

متبعو الفتاوى: مع كل انتخابات في أوروبا تطالعنا الفتاوى الداعية المسلمين لعدم المشاركة في انتخابات علمانية في بلاد علمانية، وهو ما جعل عددا كبيرا من المسلمين يقاطعون الانتخابات.

توزيع الأصوات: رغم أن عدد المسلمين الذين يحق لهم الانتخاب يمثل 1.5 مليون صوت، إلا أننا لم نجد حزبا واحدا حاول أن يجتذب تلك الأصوات للتصويت له. فلم يضعهم أي حزب في حساباته أو برامجه، ولم يعتبرهم أيهم جزءا من المجتمع يجب أن يحاول خطب وده ونيل أصواته، وهو ما جعل الأصوات المنتخبة متفرقة ما بين الأحزاب المختلفة كلا تبعا لرؤيته للحزب الأقرب لمبادئه.

 

ما تأثير الانتخابات الأخيرة على قضيتي المهاجرين والمسلمين؟

ربما يكون المتضرر الأكبر من الانتخابات الأخيرة هم المهاجرين، أو كما يصفهم الألمان اللاجئين، فالأصوات حاليا تتجه جميعا لإدانة قضية اللاجئين بأنها السبب وراء صعود اليمين بهذا الشكل، وهو ما قد ينتج سياسة أكثر تشددا حيالهم مستقبلا.

لذا تسود حالة من الترقب والتوجس والدعوة للحيطة، خاصة فيما يتعلق بالنساء المسلمات المرتديات للحجاب أثناء تنقلاتهم في المواصلات العامة والشوارع، خاصة في الليل، وسيكون الأمر أكثر صعوبة في مدن ألمانيا الشرقية، المعقل الرئيسي لليمين المتطرف.

على الطرف الآخر، يرى الكثيرون ضرورة تفاعل المسلمين مع المجتمع الألماني واندماجهم الفعال داخله، والعمل على إقناع الأحزاب السياسية بأنهم خزان انتخابي ينبغي مراعاته في صياغة البرامج الانتخابية.

ميركل لم يكل لديها إجابة واضحة في برنامج الأسئلة المفتوحة من قبل الجمهور قبل الانتخابات، عندما سألها طالب ايراني يدرس الهندسة، بأنه ايراني مسلم، مندمج في المجتمع، ويتحدث الألمانية بطلاقة، ويعرف تمام المعرفة العادات الألمانية بسبب مولده في ألمانيا ونشأته فيها، إلا أنه لاحظ أن الكراهية تجاهه باتت تزداد في المجتمع مؤخرا.

 وكان سؤاله” ما الذي يمكن لميركل أن تفعله على رأس الحكومة للتغلب على زيادة الكراهية ضد الأجانب. ظلت ميركل تدور حول السؤال وأنهته بعدم وجود إجابة عندها لما الذي يمكن أن تفعله الحكومة لمواجهة زيادة الكراهية ضد فئة ما في المجتمع. إلا أن عدم وجود إجابه على هذا السؤال لا تنفرد به ميركل وحدها، بل يمتد لأحزاب أخرى.

ربما حان الوقت ليلتفت المسلون للاهتمام بشؤون البلاد الأوروبية التي يعيشون فيها بالفعل، باتقانهم للغاتها الأم، ومشاركتهم في أحزابها السياسية، وأعمالها التطوعية ومحاولة صنع مستقبل أفضل لأبنائهم المنتمين بالفعل لهذه البلاد.

 

ما الوضع السياسي حاليا بناءا على نتائج الانتخابات الأخيرة ؟

مع توضيح كافة الأحزاب بشكل واضح أنها من المستحيل أن تتحد مع حزب البديل سواء في الحكومة أو المعارضة، فلم يعد أمام ميركل العديد من البدائل لتستطيع تشكيل حكومتها.

الحزب الاشتراكي الديموقراطي أعلن أنه لن يشارك في الحكومة القادمة وأنه سينضم للمعارضة، وذلك حتى بعد أن وجهت له ميركل دعوة بالفعل لحضور اجتماع معها لتشكيل حكومة سويا.

ميركل أعلنت عدم اشتراكها نهائيا في حكومة واحدة مع حزب اليسار Die LINKE، فلم يعد أمامها الآن إلا أن تنشئ تحالفا من حزب الاتحاد الذي تقوده، بالإضافة إلى حزب الليبراليين FDP وحزب الخضر Grüne، و لا تبدو تلك مسألة سهلة أبدا.

فقد بات جليا أن الرؤى تختلف بشكل واضح بين احزب الديموقراطي المسيحي وحزبي الليبراليين والخضر، وبين الخضر والليبراليين، خاصة فيما يتعلق بمسألة اللاجئين، وأن هناك صدعا يتسع ما بين حزبي الاتحاد. وقد بدأ مؤخرا حزب CSU يعلن عن رفضه لبعض سياسات حليفه، رغم أنه قد أعلن عن تأييده لميركل في الانتخابات، ويتوقع انفصاله عن حزب ميركل في قادم الأيام.

ويعمل الآن حزبا الليبراليين والخضر على طرح شروطهم للانضمام للحكومة، مستغليينغياب خيارات أخرى لدى ميركل حاليا يمكنها اللجوء اليها.

 

حقائق في ضوء الانتخابات

 مازالت النسبة الأكبر من الألمان رافضة لسياسات حزب البديل ممثلة في 87%

صعود حزب اليمين المتطرف هو كارثة بالنسبة للألمان أنفسهم

ينادي البعض حاليا بأنه على الألمان أن يعيدوا اكتشاف أنفسهم من جديد

الغالبية العظمى من الألمان متوترون، وفي حالة صدمة من نتائج الانتخابات

النتائج الانتخابية تشير الى أن الجميع قد خسر، وأنه ربما يكون صعود اليمين وزيادة النسب التي حصلت عليها أحزاب الخضر واليسار والليبراليين معارضة علنية لسياسات الحزبين الكبيرين في ألمانيا

هناك تحديات كبيرة أمام الحكومة القادمة، وتحديات أكبر في تعاملها مع ملف تنامي اليمين المتطرف

ما الذي تحمله الأيام القادمة خاصة للمسلمين؟

 مما لا شك فيه ان فوز حزب البديل بتلك النسبة هو جرس إنذار للجميع… للألمان بأن هناك خللا عليهم أن يتداركوه وبسرعة ومعرفة كيفية التصدي له، وللمسلمين بأن وجودكم في هذه البلاد مرهون بقدرتكم على استخلاص الدروس وتفعيل مشاركتكم السياسية والدفاع عن حقوقكم وحشد المساندين لكم في الفضاء السياسي والحقوقي الألماني.

 

رواء مصطفى

 

عضوالهيئة الادارية في  حزب spd عن مدينة  karlsfeld الألمانية

الوسوم

مقالات ذات صلة

رأي واحد على “كيف استقبل الألمان والمسلمون صعود اليمين المتطرف؟”

اترك رد