رأي التحرير

السعودية: من التسلط الديني الى التسلط العلماني

ما الذي يختفي وراء مشهد المشجعات في الملاعب السعودية والنسوة المحتفلات في شوارع جدة؟

قبل ايام قليلة فقط، سمحت المملكة العربية السعودية للمشجعات السعوديات بدخول الملاعب الرياضية، كما شاهد الناس السعوديات يحتفلن الى الى جانب الرجال بالعيد الوطني السعودي.

بموازاة ذلك، شرعت السعودية في التضييق على المؤسسات الدينية التي كانت تُمارس دورا رقابيا على سلوك المواطنين والمقيمين، وقد ثار جدل واسع مؤخرا بعد قرارها إلغاء دور هيئة الامر بالمعروف والمنكر التي كانت تتدخل في سلوكيات الناس وخياراتهم، وراجت بعض اللقطات على صفحات التواصل الاجتماعي تظهر اقتياد رجال الأمن السعودي لبعض عناصر هيئة الامر بالمعروف والنهي عن المنكر للايقاف.

وتتجه السعودية الى اتاحة مساحة كبيرة للترفيه المجتمعي، بما في ذلك الغناء وفنون السينما والمسرح التي كانت بمثابة

سمية الغنوشي

المحرمات، مع السماح التدريجي بحضور المرأة والأسر لمثل هذه الأنشطة الثقافية، تحت اشراف “هيئة الترفيه” التي رصدت لها ميزانيات مالية ضخمة. وقد سجل العيد الوطني الأخير ظهور المراة لأول مرة على خشبة المسرح السعودي.

الى حد الان تبدو القصة جميلة مشرقة، في بلد عرف بصرامته الدينية البالغة. ان يتجه هذا القطر العربي والإسلامي المؤثر الى نوع من التحرر الاجتماعي وتفكيك قدر من القيود المفروضة على المرأة، فهذا امر محمود.. ولكن حينما نخرج من المشهد الجزئي في ملعب جدة الى المشهد السياسي الاعم في السعودية، تبدو الصورة قاتمة ومخيفة.

وبما ان عالم السياسة ليس بريئا وشفافا، بل كثيرا ما تختلط فيه الاحجام والالوان، فمن المهم ان نحاول تفكيك شفرة هذه التوجهات الجديدة، ونفهم دوافعها، ونستقرئ مآلات الأمور في هذا البلد العربي المهم.

لماذا اقدمت السعودية على هذه الخطوات الفجائية الان تحديدا؟ وما أهدافها المخفية ومراميها المستبطنة؟

جرت في السعودية مياه كثيرة منذ عقود، في اطار موجة التحديث المجتمعي وتغير وسائل العيش، بفعل الثروة النفطية الهائلة، واتساع نطاق التعليم، بما في ذلك بين الإناث، ثم امتلاك مقومات الرفاه، مما عمق الهوة شيئا فشيئا بين التأويل الوهابي الحنبلي المتشدد للإسلام، وبين واقع سعودي ينحو نحو الأمركة المتزايدة.

بيد ان التحولات التي نراها اليوم هي اقرب الى الهندسة السياسية والاجتماعية منها الى التحولات العادية التي كانت تجري على الارض.

لقد قامت السعودية في اصلها على نوع من التحالف المعلن بين شوكة آل سعود ودعوة محمد بن عبد الوهاب، في اطار من العقد المتبادل بين الطرفين، حيث تضفي المؤسسة الدينية غطاء الشرعية على مؤسسة الحكم، عبر الولاء والبيعة للحكام.

في مقابل ذلك، مُنحت المؤسسة الدينية هامشا كبيرا من النفوذ في المجال المجتمعي والسلوكي، فضلا عن الأموال والامتيازات، وتوفرت لها أذرع وامكانيات كبيرة في الداخل والخارج السعودي لنشر المذهب الوهابي في مختلف اصقاع العالم الاسلامي، وحتى بين الأقليات الاسلامية في مختلف بلدان العالم الاسلامي.

وقد أخذت هذه العلاقة تختل بصورة متزايدة لصالح مؤسسة الحكم التي تملك في يدها النفوذ والمال، والمؤسسة الدينية التي أخذ وضعها ينكمش بصورة مطردة.

ومع احداث الحادي عشر من سبتمبر التي تورطت فيها عناصر سعودية معروفة، بدأت المؤسسة الدينية تشكل نوعا من العبء الثقيل على الساسة السعوديين.

ما نشهده اليوم في ظل صعود نجم ولي العهد الشاب محمد بن سلمان هو:
1- توجه منهجي نحو لجم المؤسسة الدينية الى ابعد حد ممكن والاكتفاء باسباغ غطاء الشرعية والبيعة لحكم الامر الواقع،

ثم

2- انتهاج سياسة لبرلة على المستوى الاجتماعي، من خلال اتاحة هامش أوسع امام دخول النساء الملاعب الرياضية والعروض الغنائية وقاعات المسارح والسينما، وربما السماح في وقت قريب بقيادة السيارة والاختلاط بالرجال في الساحات الخاصة والعامة.

اي ان السعودبة الجديدة لن تسمح فقط بهذه التحولات المجتمعية السريعة بل ستعمل على دفعها الى حدها الأقصى. المهم في كل ذلك الا يقترب اي كان من المنطقة المحرمة: اي التحديث السياسي، بما هو تقييد وضبط للحاكم في مجال السلطة والمال، واتاحة حرية التعبير والتنظم السياسي والاجتماعي امام المواطنين نساءا ورجالا.

بل ان كل هذه الإجراءات تجري على قدم وساق من اجل قطع الطريق امام الاصلاح السياسي الجدي الذي تحتاجه المملكة وباتت تطالب به قوى ونخب كثيرة.

ما يحدث الان هو عملية تحديث فوقي مشوه، وفق اجندات سياسبة محددة، بغاية التسويق الخارجي بأن السعودية باتت اكثر تطابقا مع الوصفة الدولية، ولَم تعد استثناءا في المشهد العالمي. النخبة الحاكمة السعودية اليوم منكبة على صناعة واجهات ليبرالية تواري خلفها سوأة حكم تسلطي واطلاقي، لا مكان فيه للراي المخالف.

في المشهد الذي يُخرج اليوم يراد لنا ان نستغرق في مظاهر الاحتفالات الكرنفالية الصاخبة وصور النساء المبتهجات في شوارع الرياض، فلا نرى قوات الأمن وهي تحاصر بيوت الأكاديميين والمفكرين والدعاة وتعتقلهم، نصفق لها وهي تفتح مدرجات الاستادات للفتيات المتمايلات جذلى، فيما تزج بالمثقفات والناشطات في غياهب السجون والمعتقلات، مثل الدكتورتين رقية المحارب ونورة السعد اللتين شملتهما حملة الاعتقالات الاخيرة.

ما يجري اليوم على ارض الحرمين تحديث اجتماعي مشوه يتلخص في مشاهد من الحفلات الفنية المختلطة وكشف شعر الرأس ونزع العباية وقيادة السيارة واستجلاب الفنانين والفنانات لاحياء السهرات الصاخبة، ولكن من دون حريات سياسية حقيقية، ومن دون تغيير جدي على مستوى بنية الحكم.

الرسالة في كل ذلك هي: مستعدون ان نفعل اي شيء، المهم الا يقترب اي كان من المنطقة المسيجة المحرمة: تحديث الحكم وضبط سلطة الحاكم!

من الواضح هنا ان السعودية تحث الخطى صوب نمط من التسلط “العلماني” والتحديثي تقيمه على أنقاض التسلط الديني.

ما كان يجري باسم الشريعة والدين لفرض الانضباط والتحكم في المواطنين، سيتم اليوم خلف واجهة التطوير والتحديث وتحرير المرأة السعودية.

السعودية تقترب بهذا من نموذج مصر مبارك وتونس بن علي، الى التحديث من دون حداثة، الانفتاح الاجتماعي في اطار من الانغلاق السياسي.

هذا عنوان المرحلة الجديدة في السعودية الجديدة السعيدة. ولا نملك الا ان نقول: كان الله في عون أهلها الطيبين.

سمية الغنوشي

رئيس تحرير مجلة ميم

الوسوم

سمية الغنوشي

رئيس تحرير مجلة ميم

مقالات ذات صلة

رأي واحد على “السعودية: من التسلط الديني الى التسلط العلماني”

  1. ما الذي يجري في بلد الحرمين؟
    كتبت سمية الغنوشي مقالة بعنوان:
    “السعودية: من التسلط الديني الى التسلط العلماني” قللت فيها من أهمية الإصلاحات الاجتماعية التي أعلن عنها هذه الأيام بمناسبة العيد الوطني للمملكة.
    لكن من وجهة نظري أن أية خطوة في الاتجاه الصحيح تعد مفيدة ومباركة خاصة إذا تمت بإقناع المعارضين لهذه التوجهات التي تركت ارتياحا لدى السعوديات والمتعاطفين معهن كالسماح لهن بقيادة السيارة والظهور في زي مقبول شرعا ككشف الوجه مع تغطية الشعر وإسقاط إلزامية ارتداء النقاب مثلا.
    باقي الحقوق كحق المعارضة والتعددية وحرية التعبير سيفصل فيها لاحقا وبشكل متدرج حتى لا تختلط الأمور ويتحول الإصلاح إلى نقمة؟!

اترك رد