ثقافة

إليسا تهاجم “سيّدة الصباحات”!!

ردود فعل متباينة من الألبوم الأخير للسيّدة فيروز

 

“وفيروز الصوت الموزّع بالتساوي بين طائفتيْن

يرشدنا إلى ما يجعل الأعداء عائلة”.

هكذا تكلّم الشاعر الراحل محمود درويش عن فيروز في قصيدته “بيروت”، بعد حرب لبنان. وهذا البيت الشعريّ يلخّص قيمة “سيّدة الصباحات” بغضّ النظر عن إنجازاتها الفنّية أو قيمة أعمالها، فبعيدًا عن هذه التقييمات بقيت فيروز نقطة التقاء بين الفرقاء الإيديولوجيّين، المتصارعين باسم الدين أو الطائفة أو العرق.

لقد اشترك في حبّها كثيرون من شرق العالم ومن غربه، رغم اختلافاتهم العقائديّة والسياسيّة والاجتماعيّة، واختلاف أعمارهم وأذواقهم الموسيقيّة، لأنّها غنّت للإنسان وانتصرت له.

لكن “لا يسلم الشرف الرفيع من الأذى”كما قال جدّنا المتنبّي، فبعد أن أصدرت فيروز منذ أيّام قليلة ألبومها الموسيقي الأخير، انهالت عليها بعض السكاكين دون رحمة، دون الأخذ بعين الاعتبار سنّها (في الثمانين من عمرها) وإنجازاتها العظيمة في تاريخ الموسيقى العربيّة.

والجدير بالملاحظة أنّ هذه الانتقادات لم تصدر عن موسيقيّين كبار أو أناس مشهود لهم بالتضلّع في النقد الفنّي، بل خرجت من أفواه هواة البحث عن الشهرة في مواقع التواصل الاجتماعي من طالبي مواضيع الإثارة (Buzz).

وقد جاء الألبوم بعد حوالي 7 سنوات من غياب “سيّدة الصباحات” عن الساحة الغنائيّة، وقد ضمّ 10 أغنيات من إنتاج إبنتها ريما الرحباني، وهي “رح نرجع نتلاقى، ويمكن، وببالي، وما تزعل منّي، ولمين، وأنا ويّاك، وحكايات كتيرة، وبغير دني، وزغير”، علماً أنّه سبق أن سُوّقت “لمين”، و”يمكن”، “أنا ويّاك” في شهر جويلية الماضي بشكل منفصل.

وتصدّر الألبوم قوائم أفضل الألبومات مبيعًا على متجر أيتونز بعد ساعات قليلة من طرحه في الأسواق ومتاجر البيع الإلكترونيّة، إلّا أنّه، وكأيّ عمل بشريّ، لم يحصد إعجاب الآراء جميعها، فتفاوتت بين مؤيّد ومهاجم لاختيارات الألبوم.

فبينما اعتبر البعض أنّ صدوره في مثل هذا التوقيت (الّذي يشهد كوارث لا تحصى في المنطقة العربيّة، اقتصاديّة واجتماعيّة وسياسيّة وثقافيّة) يمثّل بادرة أمل.

ورغم تلميح معجبيها هؤلاء بأنّ هذا الألبوم يقلّ قيمة عن ألبوماتها السابقة، لكنّهم فرحوا به لأنّهم يعتبرون فيروز رمزًا حيًّا على حبّ الحياة والإنسان، كيف لا وهي الّتي صاحبتهم في صباحاتهم لتبثّ فيهم بصوتها ترياق التفاؤل والأمل طيلة 60 سنة.

فيما اعتبر البعض الآخر، أمثال الصحفي جان نخول، الألبوم “سقطة فنّية لا تليق بتاريخ نجمة كبيرة بحجم فيروز”، خاصّة بعد غياب طويل عن الساحة الغنائيّة، داعيًا المجلس الدستوري إلى إبطال ألبومها وسط مطالبات بإطلاق عريضة وطنيّة لوقف هذه “المهزلة” على حدّ وصفهم.
وانتقد جان بشدّة، عبر حسابه على فيس بوك، اختيارات ريما الرحباني والكلمات الّتي كتبتها، وهي كلمات وألحان “مترجمة بالكامل من أغان لأعمال أجنبيّة عالميّة ومعروفة”، حسب تأكيده.

كما صوّر  فيروز، كما لو أنّها عاجزة عن اتّخاذ القرار، وتتلقّى قرارتها بأوامر من ابنتها ريما الرحباني، حتّى لو آلت النتيجة إلى الفشل، موضّحًا أنّ كلمات الأغاني “ركيكة للغاية”.

 

وقد نشرت المغنّية اللبنانيّة إليسا، تدوينة جان نخول على حسابها في تويتر، لتظهر بذلك تأييدها لرأيه وانتقادها بشكل غير مباشر للعمل الفني الجديد الّذي قدّمته فيروز بعد غياب طويل.

في المقابل، رفض عشّاق فيروز اعتبار أنّ أغنيات الألبوم مسروقة، معتبرين أنّها أغان مقتبسة من بعض الأعمال الغنائيّة الأجنبيّة، ثمّ أُعيد توزيعها، في حين اعتبر المعارضون أن صنّاع الألبوم لم ينجحوا حتّى في الاقتباس على نحو يليق بتاريخ فيروز ويتاريخ الفنّانين الّذين تمّ اقتباس أعمالهم.

 

كما اتّجهت أصابع الاتّهام لفيروز بسبب تعاملها في هذا الألبوم مع ابنتها ريما الرحباني، وتخلّيها في المقابل، عن شراكتها الفنّية مع ابنها الملحّن اللامع زياد الرحباني، هذه الشراكة الّتي فاق عمرها 40 سنة من الزمان وشهدت نجاحًا منقطع النظير.

 

ولكن من المهمّ أن نحاول الإجابة عن بعض المسائل:

أوّلًا: إنّ الانحياز إلى فيروز، وغضّ النظر عن “زلّاتها الفنّية” إنّ صحّ التعبير، ليس من باب التقديس أو المجاملة، بل هو من باب الاعتراف بالجميل لصوت هدهدنا لأكثر من نصف قرن، لصوت حلّق بعيدًا عن التجارب السائدة (مثل أمّ كلثوم ومحمد عبد الوهاب وعبد الحليم…) وأخرج مواضيع الأغاني العربيّة من العاطفي المحض إلى الإنساني بتناوله قضايا الوطن والإنسان في مشاغله اليوميّة، إنّه الصوت الّذي فتح أفقًا جديدًا أمام الموسيقى العربيّة.

ثانيًا: إنّ الانتقادات الّتي تصدر عن مغنّين (محدودي الطاقة الصوتيّة ومتمترسين في خندق الأغنية التجاريّة والعاطفيّة في عالم يشهد تحوّلات كبيرة)، هي انتقادات كانت يجب توجيهها إلى أنفسهم أوّلًا. فكأنّ إليسا هي ماريا كالاس هذا العصر أو إسمهان جديدة كي تنتقد بطريقة ساخرة فنّانة كبيرة مثل فيروز.

وهنا تجدر الإشارة إلى أنّ كلمات الأغنيات في الألبوم الأخير لـــ “سيّدة الصباحات” كانت بعيدة عن مستوى كلمات أغنياتها القديمة، لكنّها كانت أرقى من كلمات أغنيات السيّدة إليسا، كما أنّ صوت فيروز في الثمانين من عمرها يتفوّق بأميال ضوئيّة على صوت السيّدة الشابّة إليسا، إن كان مُسجّلًا ومُعالجًا صوتيًّا طبعًا.

ثالثًا: إنّ فيروز ليست ملكًا لإبنها زياد الرحباني (الّذي أنجز لها أغلب أغانيها بعد موت زوجها وصهرها الأخوان عاصي ومنصور الرحباني)، فقد لحّن لها أيضًا فيلمون وهبي وزكي ناصيف وغيرهم.

ورغم أنّه لا يمكن لأحد إنكار قيمة زياد الرحباني الفنّية، وأنّه كان أجدر من أخته ريما بإنجاز ألبوم السيّدة فيروز، إلّا أنّ هذا لا يعني نجاح العمل بالضرورة، فقد أنجز زياد في السنوات الفارطة أعمالًا فاشلة كثيرة مع فنّانين آخرين بعد خصامه مع أمّه الفنّانة فيروز.

 

لقد كان منتظراً أن ينشب هذا الخلاف حول فيروز، فهي ليست مجرّد مطربة ذات صوت بديع وساحر، بل هي رمز ثقافيّ وفنيّ تجذّر في ذاكرة الشعوب.

وفي الأغنيات الجديدة، شاءت فيروز أن تخوض مغامرة مفاجئة وربّما خطرة مع ابنتها الفنّانة ريما، بعيدًا عن ابنها زياد الّذي يعيش حالة من الانقطاع والعزلة. وقد تمثّلت هذه التجربة في اختيار فيروز لأغنيات غربيّة شهيرة، لإعادة غنائها بالألحان ذاتها مع تعريب كلماتها.

فهل يحقّ لهذه المطربة التي أسست مع الرحبانيّيْن، عاصي ومنصور، إحدى أهمّ المدارس الغنائيّة والموسيقيّة في العالم العربي، أن تلجأ إلى أغنيات غربيّة فتقتبسها وتغنّيها في توليف موسيقي أنجزه فنّان أجنبي هو ستيف سيدويل؟

هل يحق لها مثلاً أن تعيد غناء الأغنية الإسبانيّة الشهيرة “Besame Mucho” الّتي غزت العالم بدءً من ثلاثينيّات القرن الماضي، وأداها أكثر من مئتيْ مغنٍّ ومغنّية مثل تينو روسي وداليدا وخوليو إيغلزياس وأندريا بوتشيلي، إلخ…؟

هذه الأسئلة «الشائكة» وسواها سيطرحها على فيروز وريما الرحباني التي تولت الإشراف على الأسطوانة، الجمهور المعترض أو المحتج على الاقتباس وذريعته أن المطربة الكبيرة لا ينبغي لها أن تختتم مسارها الرائد في أداء أغنيات أجنبية رائجة ومنتشرة، لم تؤلف ولم تلحّن لها، كأنها تتغاضى عن ماضيها العظيم.

 

لكنّ من يستمع إلى الأغاني الجديدة لن يلبث أن يتخطّى مثل هذه الأسئلة، فصوت فيروز المتجدّد وحده قادر على الإجابة عنها. هذا الصوت الّذي ازداد نضارة على مر الأعوام. ما سرّ هذا الصوت الّذي لا ينضب من الجمال؟

هكذا يُجيبنا المبدعون والشعراء عن سؤالنا هذا:

“فيروز هي الأغنية الّتي تنسى، دائمًا، أن تكبر

هي الّتي تجعل الصحراء أصغر

وتجعل القمر أكبر”

________

الشاعر محمود درويش

 

“بعض الأصوات سفينة وبعضها شاطىء وبعضها منارة، وصوت فيروز هو السفينة والشاطىء والمنارة، هو الشعر والموسيقى والصوت، بل أكثر من الشعر والموسيقى والصوت، فحتّى الموسيقى تغار منه”

_________

الشاعر أنسي الحاج

 

“قصيدتي بصوتها اكتست حلّة أخرى من الشعر”

_______

الشاعر نزار قباني

 

“إنّ صوت فيروز أجمل صوت سمعته في حياتي، هو نسيج وحدة الشرق والغرب”

____________

مغنّية الأوبرا الهنغاريّة آنا كورسك

 

 مـــهدي الغـــانمي

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد