مدوناتبيت وأسرة

ابن الخادمة

وكأن هذه الخادمة انسان آلي ينفذ رغبات سيده بضغطه زر، فإذا احتاج الطفل أما فهي أم ، وإذا احتاج خادمة فهي خادمة، وإذا احتاج شخصا يهينة وينفث فيه غضبه فهي الأمثل لذلك أيضا! 

دخلت مع زوجي وابنتي إلى مدينة الألعاب في إحدى النزهات فاختارت ديما لعبة مدتها عشر دقائق، لكنها تستلزم وجود شخص بالغ مسؤول مع الطفل داخل ساحة اللعبة للمراقبة والاعتناء به. كان زوجي مرهقا من يوم عمل طويل فاستأذن للجلوس بعيدا عند أقرب مقعد ودخلت أنا معها.

اللعبة عبارة عن ساحة كبيرة من عدة وحدات قفز (trampoline) متلاصقة يقفز فوقها الأطفال بينما يراقبهم المرافقون حفاظا على سلامتهم. انشغلت مع ديما وهي تصيح كل ثانيتين “ماما انظري الى هذه الحركة“، “ماما سأقوم بشقلبة رائعة” ، “ماما … ماما … ماما” ، كانت تشع سعادة وبهجة وأنا أصفق لها بحرارة وأشجعها وأقترح عليها حركات جديدة.

فجأة ..!  ،  شعرت بسكون غريب نظرت حولي وكأنما انخلعت من عالم إلى عالم آخر وجوه الأطفال لا تحمل فيه أي تعبيرات، يقفزون في صمت كأنهم يؤدون واجبا مدرسيا، قليل منهم رسمت على شفتاه ابتسامة عابرة. كان جميع المرافقين خدما! جميعهم بلا استثناء، كنت الأم الوحيدة في الساحة اصفق واصرخ مع ابنتي كالبلهاء، والجميع حولي ساكنون مشغولون في هواتفهم النقالة حتى تنتهي العشر دقائق.

انتهت اللعبة وخرج الجميع، ثم أصبحت إحدى مهماتي في كل نزهة أن أراقب مرافقي الأطفال!

سمعت كثيرا من القصص عن أمهات تركوا أطفالهم لخادمات فآذتهم الخادمات في غياب الأم، لكن هذه القصص لم تعد تثير انتباهي أو شفقتي، ما تملكني حقا هو سؤال: لمن ينتمي هذا الطفل؟

 

الخادمة الأم

منذ عامين غزا شبكات التواصل الاجتماعي فيديو صغير تُسأل فيه الأمهات عن أمور تخص أبناءهم، أصدقائهم المفضلين، وظائف أحلامهم، موادهم الدراسية المفضلة، أمور كهذه. أجابت الأمهات وحددن ميولات أبنائهن. سئلت الخادمات نفس الأسئلة فأجابن اجابات مختلفة عن اجابات الامهات، ثم سئل الأطفال أنفسهم، بالطبع حزرتم أن اجابات الاطفال توافقت مع اجابات الخادمات!

بينما تم تسجيل هذا الفيديو في سنغافورة وكتب القائمون عليه أن حوالي 74% من الاجابات توافقت مع الخادمات دون الأمهات، ربما نستطيع توقع النسبة في وطننا العربي والخليج تحديدا.

جربت بنفسي أن تساعدني خادمة في أمور المنزل، جربت أن تأتيني مرة كل أسبوع ، وثلاث مرات في الاسبوع، وأخيرا أن تأتيني كل يوم صباحا لمدة ساعة ونصف أو ساعتين. بالتأكيد كانت الأخيرة هي الأفضل، فأنا في الحقيقة لست من أنصار أن تنشغل الأم بأعمال المنزل مادامت ظروف الأسرة تسمح بذلك.

لكن ما لم أجربه ولا أنوي تجربته، أن تصبح الخادمة فردا من الأسرة! ليس من باب التقليل من شأنها ولكن لأنها في منزلي في مهمة وعمل خاص كل ما عليها انهاؤه، وبعد ذلك يمكننا أن نكون أصدقاء اذا شاءت!

كنت أترك للخادمة أعمال المنزل لأجلس للعب مع ديما فقط، أو لتحضير أنشطتها المدرسية، أو للخروج معها في نزهك على الأقدام، فضرورة الخادمة ملازمة لضرورة التفرغ لبيتي وابنتي ودوري كزوجة وأم، وليست بديلا عني لرمي “أعباء” أبنائي وبيتي إليها والتفرغ إلى أي كان!

 

أبناء الخادمات

مشهد متكرر1، طفل يتشبث بطرف رداء خادمته ويتوسل إليها كي تسمح له بالدخول إلى لعبة أخرى، لكنها ترفض لان معاد العودة قد حان، طفل آخر يبدو مصابا بالتوحد يصرخ ويبكي لخادمته كي تسمح له باستخدام الجوال، طفل ثالث يبكي ويتوسل إلى الخادمة لأنه يريد الذهاب إلى الحمام، لكنها منشغلة مع اخته الصغرى!

مشهد متكرر2، طفلة تتسامر مع خادمتها وتضحكان مستمتعتين بمشاهدة عرض ما، طفل يحتضن خادمته بحب شديد بعدما شاركته أحد الألعاب، طفل صغير متعثر يركض باتجاه خادمته شاكيا خدشا أصابه أثناء اللعب فتقوم بتهدئته على الفور.

مشهد متكرر3، طفلة تترك حقيبتها الخفيفة مع الخادمة التي تسير خلفها، طفل يرمي بالقمامة على الأرض لتجمعها الخادمة، طفل يصيح بخادمته بغضب لتنفذ له ما طلب فورا.

ومشاهد أخرى كثيرة لا يسعني ذكرها جميعا. مشاهد مختلفة، بين حب وحنان، وقسوة واستجداء، وسلوكيات خاطئة ودلال غير محمود، علاقة مشوهة لا هي علاقة أم ولا هي خادمة ولا هي أمة حتى!

وكأن هذه الخادمة انسان آلي ينفذ رغبات سيده بضغطه زر، فإذا احتاج الطفل أما فهي أم ، وإذا احتاج خادمة فهي خادمة، وإذا احتاج شخصا يهينة وينفث فيه غضبه فهي الأمثل لذلك أيضا! 

آلة تتحمل مشاعر الفرح والحزن، الغضب والهدوء، تتحمل أخطاءنا بدلا منا وتحمل أعباء الحياة اليومية لنتفرغ لأي شيء آخر.

أتذكر عندما كانت تزورني الخادمة يوميا أن حدث وتركت ديما مرة مكانها بعد اللعب غير مرتب، فطلبت منها أن ترتب مكانها قبل أن تبدأ في شيء آخر، فقالت بعفوية “ماما ، شوية و (فلانة) هتيجي تبقى تشيلهم”.. وقفت معها حينئذ وقفة صارمة وأخبرتها أن (فلانة) تأتي للمساعدة فقط لكنها ليست بديلا عنا ، وأننا طوال اليوم نقوم بشؤوننا بشكل طبيعي ولن نترك الأوساخ لتتراكم حتى تحين ساعتها.

دروس كثيرة في تحمل المسؤولية والرحمة ومراعاة شعور الغير، واكتساب عادات جيدة وصحية تعلمتها ابنتي من موقف واحد، لم يتكرر! أستطيع تصور كم القيم المعاكسة التي يتم غرسها في أطفال البيوت التي تعيش على أكتاف الخادمات.

بين فقدان الهوية، وتراكم القيم الاتكالية، وتشتت المشاعر بعيدا عن الأم، يقع الأبناء فريسة تركهم لتربية الخادمة، أو لنقل لـ اللاتربية.

 

نور في العتمة

رغم أن الملاحظات السابقة منتشرة بشكل غالب لكن التعميم يخرج الحديث عن الحكمة، ولابد من الإشادة بحركات بعض الأمهات في اتجاه التخلي عن الخادمات بصفتهم مربيات أو قائمات بكافة شؤون الأبناء، والانتباه بشكل أكبر والتفرغ للقيام بمسؤولياتهن كأمهات تجاه أبنائهن، ولو كانت هذه المسؤولية مداعبة الطفل وملاعبته!

بين كل تلك المشاهد المظلمة يبقى في ذهني مشهد تلك الأم التي يظهر على ملابسها و ملابس خادمتها الثراء، تحمل الأم طفلا على ذراعها وتمسك آخر بيدها وتركض معهم هنا وهناك، بينما تجلس الخادمة للاعتناء بمتعلقاتهم تشاهد فيديو على جوالها وتضحك!

 

الوسوم

جهاد خالد

طبيبة أسنان وباحثة في مجال التعليم حاصلة على الماجستير في التعليم من جامعة ويلز

مقالات ذات صلة

اترك رد

شاهد أيضاً

إغلاق