مجتمعغير مصنف

حي على السلام

اليوم العالمي للسلام: 364 يوما من الحروب والدمار، مقابل يوم واحد للسلام

يحكى أن شابة عاشت لمدة زمنية على وقع حلم متكرر يظهر فيه ذئبان يتقاتلان بعنف فنقلته الى جدها الذي كان أفضل حكيم في القرية حيث فسر لها أن هناك ذئبين داخل كل انسان، أحدهما مسالم والآخر عدواني.  وعندما سألته بارتباك:” ايهما الفائز؟”، كانت اجابته: “الفائز هو من تميلين اليه.”

قصة قصيرة بمعان كثيرة وخلفيات عميقة تحمل في طياتها ثنائيات عديدة، أبرزها ثنائية “العنف والسلم”. هذا يحيلنا بدوره الى طبيعة الانسان الأصلية، فعند الفيلسوف الإنجليزي توماس هوبز الانسان “ذئب لأخيه الانسان”، وعند  فرويد هو “عدواني بطبعه”، اما المفكر العربي محمد آركون  ف”الإنسان بحاجة إلى العنف والى حقيقة مقدسة.. يستحق أن يسفك من أجلها الدم”…

فهل نحن بحاجة الى كل هذا العنف لندافع عن حقيقة نعتبرها مقدسة، وهي قادرة على تدميرنا جميعا؟

 

اليوم العالمي للسلام

اضحى العالم اليوم أشبه بسلسلة من الصراعات المترابطة المتشابكة تتفاعل فيما بينها لتدمير باقي الأجزاء التي، اما رفضت ان تكون
حلقة فيها، أو لأنها ضعيفة وغير قادرة على أن تقرر مصيرها وتأذن لنفسها بالاندماج صلبها.

364 يوما من الصراع والحروب والدمار والخراب، من القتل والتهجير، من التشرد والجوع، من شبح الموت الذي يطارد ملايين البشر في أنحاء العالم، مقابل يوم واحد من السلام، يوم لا يكفي ليصافح العالم بعضه البعض، ليسترجع مسلسل آلامه، دون أن يواسيها أو يداويها، او يضمد جراحه النازفة في حروب تجاوزت حدود المنطق والخيال.

معطيات وأرقام 

أقرت الأمم المتحدة سنة 1981 يوم 21 سبتمبر/أيلول للاحتفال بالسلام بغاية تعزيز ثقافة السلم ونبذ العنف والصراعات التي راح ضحيتها ملايين من الأبرياء نتيجة المآسي والحروب.

واحتفل العالم بهذا التاريخ لأول مرة سنة 1982، ثم تم التصويت عليه ليصبح يوماً عالمياً لإيقاف العنف وإطلاق النار وذلك في سنة 2001.

مبادرة السلام لسنة 2017 تعنى باللاجئين

ويتخذ اليوم العالمي للسلام سنويا شعاراً جديدا يكون في شكل مبادرات لإحياء السلام في العالم

أما موضوع هذا العام فقد تمثل في “معا للسلام: كفالة الاحترام والسلامة والكرامة للجميع”.

وجاء في شكل تكريم لمبادرة “معا”، وهي مبادرة عالمية لتعزيز الاحترام والسلامة لجميع من اجبروا على الفرار من منازلهم طلبا لحياة أفضل.

تربط هذه المبادرة بين كيانات منظومة الأمم المتحدة والدول الأعضاء فيها ومنظمات المجتمع المدني والمؤسسات الأكاديمية والأفراد في إطار شراكة عالمية لدعم التنوع ومناهضة التمييز وتعزيز تقبل المهاجرين واللاجئين.

و حسب أرقام المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين فان 65.3 مليون شخص أجبروا على الفرار من ديارهم من بينهم 21.3 مليون لاجئ و أكثر من نصفهم دون سن 18 عاما هو رقم لم يسبق له مثيل وفق ما أوردته و 23 % منهم فقط يزاولون تعليمهم في المدارس وتشير تقديرات المفوضية إلى أن أكثر من نصف اللاجئين في جميع أنحاء العالم وحوالي 40% من النازحين داخلياً متواجدون في المنطقة العربية

وقد صرح الأمين عام أنطونيو غوتيريش في خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة منذ أيام أن العالم “لا يواجه فقط أزمة لاجئين بل يواجه أيضا أزمة تضامن” داعيا جميع الدول الى فتح حدودها و تقاسم المسؤولية بعيدا عن سياسة الغلق و العداء العلني.

كما اعلن أن القمع و الاضطهاد العنيف في ولاية راخين بميانمار أد الى فرار أكثر من 400 ألف شخص يائس و هو ما يهدد الاستقرار الإقليمي.

تعددت الأسباب و الحرب واحدة

جسدت الحرب، وان اختلفت أسبابها، مأساة دول وشعوب شتى، وحولت الحقيقة الى خيال والخيال الى حقيقة، وأضحت لكل دولة صفحة في كتاب التراجيديا العالمي الذي صاغته القوى المسيطرة والمهيمنة عليه.

ويشهد التاريخ اليوم على جزء اخر من بشاعة الحرب باسم الدين أو العرق ..أو غيرها من الأسباب التي جعلت فلسطين تبكي قدسها و
جعلت أعرق حضارات العالم من بلاد الرافدين و الشام تهوي رمادا و حرمت اليمن السعيد فرحته وأجهضت أمل ليبيا في الوحدة .

حروب حطمت أحلام الصغار و الكبار وهجرتهم نحو المجهول فتجد طفلا غريقا على شواطئ الامل الزائف و اخر وسط حريق لقصف طائرات في ليل خاطف و غيرها من الصور التي باتت تشكل نمط حياتنا اليومي

و قد كتب”ريتشارد ليبو” في مؤلفه “لماذا تتحارب الأمم؟” أن “العنف نقمة أبتليت بها البشرية” و أوضح أن أربعة أسباب أساسية ساهمت في نشوب الحرب وهي “الخوف و المصلحة و المكانة والانتقام” وهو ما ذهب اليه هوبز أيضا عندما تحدث عن القوى الثلاثة التي تجعل من الفرد عنيفا، وهي التنافس كوسيلة لتحقيق المنفعة، والحذر لتحقيق الامن والكبرياء كوسيلة لحماية الذات.

ليبو الذي درس الحروب القديمة و الحديثة قال  “نجح المنتصرون في الحرب العالمية الثانية الى حد كبير في جعل أوروبا منطقة سلام، لكنهم لم ينجحوا في درء أكثر من خمسين حربا بين الدول.. حروب أدت الى اهدار الكثير من الأرواح والموارد والتي كان في الإمكان توجيهها بصورة أكثر ربحية الى التعليم والرعاية الاجتماعية والتنمية”.

الى كل انسان يبحث عن الأمان في عين طفل وابتسامة امرأة، في دعوة أم ورضا أب، ذلك الشعور الداخلي الذي يبعث الطمأنينة في الروح والامل في الاستقرار، في ذلك الجانب المسالم لا العدواني،

حي على السلام ..

عايشة الغربي

الوسوم

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.