مجتمع

الصادق الحمامي: “صُمّـم الفايسبوك ليبتلع البشرية”

تكنولوجيا: اي دور يلعبه الفايسبوك في المجتمعات العربية اليوم؟

أمام عجز الميديا التقليدية عن التجدد في دول عربية عده، من بينها تونس، تجاوز موقع الفايسبوك مجرد كونه وسيلة للتواصل الاجتماعي وأصبح فضاء تتشكل داخله مختلف أنشطة حياتنا اليومية، بل أصبح أداة لإعادة انتاج المفاهيم والقيم، وساهم في عزل الافراد عن بعضهم البعض.

و لمزيد البحث في هذا الموضوع أجرينا حوارا مع الدكتور الصادق الحمامي، وهو باحث متخصص في مجال الميديا الجديدة ليحدثنا عن استخدامات الفايسبوك و تأثيره في العالم العربي .

في البداية أستاذ بما تفسر الشعبية التي يحظى بها الفايسبوك وهذا الانتشار العربي الهائل؟

الدكتور صادق الحمامي، الدكتور الصادق الحمامي، المختص في مجال الميديا الجديدة

عندما نتحدث عن شعبية الفايسبوك فنحن نتحدث عن شعبية “كونية” وليست خاصة بعالمنا العربي فقط، فهناك أكثر من ملياري مستخدم لهذا الموقع حول العالم، وبالتالي فهي ظاهرة تتجاوز المجتمع العربي، وهو ما يحيلنا الى التساؤل الاتي: كيف يمكن لهذا الموقع الذي نشأ في الولايات المتحدة الأمريكية وفي بيئة ثقافية معينة أن يتحول الى موقع كوني يستخدمه الناس رغم اختلاف سياقاتهم؟

وهناك عدة مداخل للإجابة عن هذا السؤال، أولها طبيعة الفايسبوك الذي صمم كموقع ليبتلع البشرية وليحتضن ويستقبل كل أنواع الاستخدامات والذي اختزل من خلالها جميع وسائل الاتصال بأشكالها القديمة والجديدة «فالمناجاة مثلا فعل لا يمكن للفرد القيام به وهو جالس أمام التلفزيون” في حين أن الفايسبوك يوفره.

هناك أيضا نوع من التنميط في أساليب الحياة وانتشار لقيم تميل الناس لاستخدامها مثل “الشفافية الاجتماعية” التي تختلف من بيئة لأخرى، فالشفافية السائدة لدى المجتمع السعودي مثلا تختلف عن تلك السائدة في المجتمع التونسي.

الفردانية أيضا من الأسباب التي ساهمت في تعزيز الاقبال على استخدام هذا الموقع الذي أدرك أهمية هذه القيمة الحضارية التي أصبحت أساسية، فأتاح للفرد فرصة أن يكون له مجال خاص به وأن يكون طرفا في المجال العمومي ومنح الناس إمكانية التعبير عن آرائهم بفعل التبجيل، لتجاوز بذلك نخبوية “الميديا التقليدية” التي تقوم على نخبة تتحدث وجمهور يستمع.

ويعود ذلك في البداية الى ظهور الأنترنت، ثم موقع الفايسبوك الذي وسع هذا المجال نحو “ديمقراطية الاتصال” وهي أشياء لم تفهمها الأنظمة العربية السابقة باعتقادها أنها قادرة على السيطرة على الفضاء العمومي.

اذا هل تعتبر أن الفايسبوك محرك لما يعرف بثورات “الربيع العربي” أم هو افساد لمسار الانتقال الديمقراطي؟

هذا يحيلنا الى مسألة الاتصال السياسي في المجال العربي وتحديدا لدور الفايسبوك في السياق الثوري و خاصة في مصر و تونس، الذي يتميز بالاستقطاب الأيديولوجي و التنافر السياسي. وقد شجع الفايسبوك في الكثير من الأحيان على الاستقطاب مما جعل الناس يعيشون في عزلة عن بعضهم البعض ولا يتفاعلون الا مع أمثالهم، وهو ما خلق تماثلا في المجال العمومي فعوض أن يكون مجالا للتفاعل، أصبح مجالا للانغلاق و بروز ما يعرف ب”الفقاعات الأيديولوجية”.  ولكن هذا لا يعني أنه لا يتيح أشكالا من التعبئة الاجتماعية و التفاعل السياسي.

و يجب التأكيد على أن موقع الفايسبوك لم يصمم ليكون منصة للتفاعل الثوري و لكنه يعكس البيئة السياسية لمستخدميه فاذا كانت تتميز بسياق يقوم على الاستقطاب الأيديولوجي و التنافر لن يقوم الفايسبوك بتغييرها.

استشهدت مؤخرا في كتابتك لسلسلة” نحن والفايسبوك” بمقولة تعتبر أن” الخطأ الشائع الذي يمكن أن يهدد المثقف هو أن يصبح ناشطا فايسبوكيا” هل سيؤدي ذلك الى “نهاية المثقف”؟

نشأ “المثقف” كمفهوم في بداية القرن ال19 وعاش في بيئة تنقسم الى نخبة وعامة، أما الان فقد تشكلت فئات جديدة تنافسه، يمثلها “المدونون” و أدت هذه التحولات الى فقدان “المثقف” لتلك السلطة التي كان يمتلكها كانسان قادر على التأثير في الناس و توجيه الرأي العام.

ان المشكل الأساسي في تحول المثقف الى ناشط على موقع الفايسبوك هو ابتعاده عن مهمته في انتاج الأفكار، ففي فرنسا مثلا يؤثر المثقفون بشكل كبير في النقاش العام عن طريق الكتابة وليس عن طريق الفايسبوك، ويعود ذلك الى طبيعة الحياة العامة في فرنسا التي تقوم على الكتابة وانتاج الأفكار، على عكس البيئة العربية التي غيب فيها الجانب الفكري و عوضته التدوينات.

يقول أمبرتو ايكو ان “الميديا الاجتماعية أتاحت حق التعبير الى جموع من الحمقى. “هل يصبح بذلك المثقف أحمقا؟

لم يصبح المثقف أحمقا وما أراد أن يقوله الباحث الإيطالي هو أن الميديا الجديدة منحت حق الكلام والتعبير عن الرأي للجميع في المجال العمومي أو ما يعرف ب”دمقرطة الكلام” التي لا تعني بالضرورة تحسين النقاش العام و الارتقاء به ففي أغلب الأحيان يكون نقاشا سطحيا.

ماهي قراءتك للنشر المتواصل على الفايسبوك، سواء في شكل” بوستات أو صور ..” و الذي يصل أحيانا الى حد المبالغة؟

هناك بعد نفساني مرتبط باستخدام الفايسبوك يتحدث عن تعاظم النرجسية لدى المستخدمين فالإفراط في الظهور على هذه المنصة حسب علماء النفس ليس سلوكا اجتماعيا طبيعيا ويحيلنا الى اشكال على مستوى تمثل “الأنا”.

ان ما يفسر استعراض شخص ما لوقائعه اليومية بشكل مفرط والرغبة الجامحة في الظهور اليومي والتدوين بشكل مبالغ فيه هي حاجته في أن يكون في صدارة الأشياء و الحياة ليصور لنفسه أنه رائع و ممتاز و مثالي.

حاورته عايشة الغربي

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد