مجتمع

عمل مضن وحق مهضوم

عاملات النظافة بالشوارع التونسية

اقترنت أسماؤهن بمصطلح النظافة، التي تعد قيمة دينية وفضيلة اجتماعية. “عاملات النظافة”، اللاتي يحوّلن منظر الشارع المُزري إلى لوحة فنية بعد تنظيفه، يتسلحن بالقوة والإيمان والرغبة في العمل رغم شقاوته صيفا وشتاء.

 

يَعترضنني كل صباح بعد أن ينزلن من الشاحنة التي تقلهن جنبا إلى جنب مع زملائهن من الرجال. يبتسمن ويحملن  في همّة ملازم لتنظيف الشارع الطويل والأرصفة وأزقة وأنهج عجز عابروها وساكنوها  أن يحملوا أكياس قمامتهم لأقرب حاوية.

 

عمل مضن وأجر زهيد

تعرف مهنة عاملات النظافة بصعوبتها و شدة تعبها، فالعاملة الواحدة تقضي أكثر من 10 ساعات في العمل والتنظيف والكنس، كما تطالب بتنظيف الشوارع والأزقة والطرقات السيارة وحتى محطات الحافلات والميترو. مقابل أجر زهيد لا يسمن ولا يغني من جوع. ويندرج هذا العمل ضمن نظام عمل “الحظائر”، أين تنتهك حقوق العمال بشكل روتيني.

 

غياب التغطية والضمانات الاجتماعية

التغطية الاجتماعية هو قطاع يشمل كافة المواطنين المنخرطين في المنظومة والعاملين بالمؤسسات الحكومية، ماعدا عاملات النظافة الاجتماعية، اللواتي لا يتمتعن بهذه المنظومة العلاجية. مما يضطرهن لاعتماد بطاقات العلاج البيضاء المجانية والتي تؤخذ بتصريح من المرشدة. وتجدر الإشارة إلى أن هذه البطاقة العلاجية ليست صالحة في كل الحالات التي تتطلب علاجا دقيقا.

 

غياب الإطار النقابي لعاملات النظافة

تعاني عاملات النظافة بالشوارع من غياب الطرف النقابي، الذي يدافع عن حقوقهن ويضمنها. خاصة أمام سهولة تعرضهن لحوادث الشغل الفجائية مثل حوادث السير والجروح الخطيرة بسبب رمي قطع حادة مثل الزجاج في أكياس القمامة.

كما يشتكين كذلك من الطرد العشوائي دون ضمانات تكفل حقوقهن. فالمرأة متى ماعادت قادرة على بذل مزيد من الجهد، تكون معرضة للطرد والحرمان من العمل الذي تقتات منه وعائلاتها.

عمل لا ينقطع تحت حر الشمس وبرد الشتاء

تدفع الظروف المادية الصعبة، بالنساء الأرامل أو القادمات من الريف البعيد وليست لهن أية مؤهلات علمية ولا شهادات وحتى اللواتي يعانين من ظروف اجتماعية خاصة مثل شدة الفقر واعاقة الزوج الجسدية في أحيان كثيرة  إلى مزاولة هذه المهنة المضنية، فيتحملن قسوة حرها في فصل الصيف وشدة بردها وصقيعها في فصل الشتاء. ورغم ذلك تراهن يصمدن ويواصلن عملهن في صمت لضمان حياة تسمى ب”الكريمة”.

 

سوء المعاملة والنظرة الدونية والتحرش

تسهر عاملات النظافة، على نظافة الأزقة و الأنهج والشوارع ومع ذلك، يعاملن بعنصرية واستنقاص شديد من قبل الناس والسكان عامة، الذين لا كثيرا ما يعاملهن بازدراء. كما يعتبرن عرضة للتحرش اللفظي والجنسي والعنف اللفظي والجسدي.

 

مهنة عاملة النظافة، اقتحمتها النساء مجبرات، بغية ضمان لقمة العيش وأجر يسد الرمق ويوفي ببعض من نفقات أسرة ينهشها الفقر والحاجة. عاملات قل أن يحضرن في أجندات المنظمات النسوية والحكومات المتعاقبة حتى بعد الثورة، رغم حرمانهن من كافة الحقوق والضمانات. يتجندن من ساعات الفجر الأولى إلى غروب الشمس، ينظفن الطرقات التي لطخها غيرهن، كي تكون لائقة وتكتسب مظهرا حضاريا لائقا وتبعد شبح الأوبئة والآفات، ولولاهن لتكدست القمامة والأوساخ في كل مكان وغدت الحياة جحيما. وكيف نجازيهن في المقابل،  ازدراء وهضم للحقوق و حرمان من الأجر المجزي والحياة الكريمة.

وفاء الحكيري

الوسوم

اترك رد