دين وحياة

الأزهر لا يدين القتل ويدين الغناء!

ثقافة: ايقاف شيخ أزهري غنى لأم كلثوم، بين الشيخ إيهاب يونس والأزهر: من أساء إلى الآخر؟

قرّرت وزارة الأوقاف إيقاف شيخ أزهري بعد ظهوره في إحدى الفضائيّات المصريّة، وتأديته لأغنية الفنّانة أمّ كلثوم “لسة فاكر”، وهو يرتدي الزيّ الأزهري، وأحالته للتحقيق.

وأوضح الشيخ جابر طايع، رئيس القطاع الديني بالوزارة، اليوم الجمعة، أنّ الشيخ إيهاب يونس، الّذي يعمل إماما وخطيبا بمسجد علي بن أبي طالب التابع لإدارة أوقاف السلام، وتمّت إحالته للتحقيق بديوان عامّ الوزارة، مضيفا أنّه سيمثل للتحقيق بالوزارة، بسبب إهانته الزيّ الأزهري.

 

 

من جهته، أصدر “مرصد الأزهر” بيانًا فسّر فيه أنّ الزيّ الأزهري ارتبط في أذهان العالم الإسلامي بصورة علماء الدين وطلّابه وأهل الفتوى.

ولذلك فلا يتمّ ارتداؤه عند الغناء أو ممارسة الفنون، وإن كانت هادفة وراقية. ويشار إلى أنّ الشيخ المبتهل، “إيهاب يونس”، قام بأداء أغنية “لسه فاكر” لسيّدة الغناء العربي أم كلثوم وهو يرتدي الزي الأزهري، وهو ما اعتبرته وزارة الأوقاف إهانة للزيّ الديني. وهو ما دفع وزارة الأوقاف إلى إحالته للتحقيق.

 

هل هناك زيّ ديني؟

يتكوّن الزي الأزهري من طربوش أحمر وعمامة بيضاء وجبة وقفطان (الكاكولا)، وتعود أصل كلمة ‘طربوش’ إلى الفرس، ومعناه ‘سربوش’، أي غطاء الرأس، ثم حُرّفت الكلمة لتصبح ‘شربوش’.

وترجع نشأته إلى بلاد المغرب، لينتقل بعد الاحتلال العثماني لشمال إفريقيا إلى دولة الباب العالي.

ويُعرف في اللغات الأوروبية بكلمة ‘FEZ’ ومعناها مدينة فاس، وهي تُعدّ إحدى مدن المغرب الأقصى، حيث ينتشر ارتداؤه لدى شعوب شمال أفريقيا ومصر وتركيا، ولم يكن استخدام الطربوش معروفا في مصر، إلّا أنّ محمد علي باشا ارتدي العمامة عندما اعتلى سدّة العرش في مصر.

وذلك لأنّه كان لباس الأعيان في ذلك الوقت، بينما كان المماليك يرتدون ‘القاووق’، وهنا كانت دلالة هذا الزيّ تتّجه لتمييز الأغنياء الأرستقراطيّين من عامّة الشعب.

وفكرة ارتداء الطربوش، كانت في البداية فكرة سياسيّة دينيّة، لا اجتماعيّة، لتبعيّة مصر في ذلك الوقت للخلافة العثمانيّة. فهو دلالة على الولاء الديني السياسي لمؤسّسة الخلافة في إسطنبول.

وقد بقيت هذه السنّة في اللباس إلى أن أصبح الزيّ مقدّسًا لقدم العهد به، وهو ما أثار إشكالات كبيرة في أكثر من مناسبة، مثل تمرّد الطلّاب، سنة 1928، على ارتداء الجلابية أو القفطان أسفل الكاكولة، وقيامهم بارتداء الزيّ الإفرنجي المعروف بالبدلة والطربوش، لكنّ الأزمة انتهت بعد إنذارهم وتنبيههم إلى ضرورة الالتزام بالزيّ التقليدي.

ورغم تراجع التزام الطلّاب في العصر الحالي بهذا الزيّ، إلا أنّ القادة من أصحاب الوظائف الدينيّة الكبرى ما يزالون ملتزمين به، كشيخ الأزهر، ومفتي الديار المصريّة، وكبار الدعاة، وأئمّة المساجد الكبرى، وهو ما يفسّر أنّ هذا الزيّ أكثر قداسة، في أذهان الأزهريّين، من أن يكون مجرّد خصوصيّة تاريخيّة وثقافيّة لجامعة الأزهر.

 

بين الشيخ إيهاب يونس والأزهر: من أساء للآخر؟

ولكن حتى لو سلّمنا بقداسة الزيّ الأزهريّ، فهل يمكن اعتبار غناء مقطع لأمّ كلثوم إهانة للمقدّسات؟

لقد كانت الصداقة تجمع بين أمّ كلثوم والشيخ مصطفى إسماعيل، وكان محمّد الوهاب صديق الشيخ محمّد عبد الوهاب وجمعتهما سهرات فنّية كبيرة، وغنّى محمّد الهلباوي مع عبدو داغر بطريقة أوبراليّة مبهرة، وغنّى السيّد النقشبندي أم كلثوم بإحساس لا نظير له. (إقرأ المزيد: الشيخ محمد عمران قارئ القرآن وصديق الفنّانين)

 

 

نلاحظ أنّ مؤسّسة الأزهر تركت مسائل جوهريّة كثيرة كان يمكن أن تخوض فيها، فهي لم تصدر فتوى للخروج على نظام حسني مبارك الاستبدادي ودعت إلى طاعته في فترة الثورة المصريّة، واصطفت وراء الانقلاب العسكري الذي أطاح بالمسار الديمقراطي في البلاد وغضت الطرف، بل ساندت ممارسة أبشع أشكال التنكيل والبطش بالنشطاء والمعارضين السياسيين.

وفي ظلّ هذه السلبيّة من ناحية إبداء مواقف إنسانيّة في المشاكل والنزاعات الراهنة، نجد كثرة الفتاوي الغريبة من علماء كثيرين في الأزهر، إضافة إلى مهاجمة تجارب سياسيّة واجتماعيّةداخلية في بلدان أخرى، كمسألة الميراث في تونس، وغيرها.

ثم نجدها توقف شيخًا من شيوخها بتهمة الإساءة إلى الأزهر واللباس الأزهري، بالغناء!!!

هي في الحقيقة خطوة أخرى إلى الوراء لمؤسّسة عريقة مثل جامعة الأزهر، لا تدين القتل وتدين الغناء!

 

مــــهدي الغــانمي

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.