مجتمع

الجمال لمن إستطاعت إليه سبيلا

هوس العربيات بعمليات التجميل

نظرت إلى صور نانسي عجرم، هيفاء وهبي، إليسا، روبي، ثمّ تأملت نفسها جيّدا في المرآة،

“لا يهمّ، سأصبح مثلهن بل وأجمل وسأدير رقاب الرجال، سيصبح خصري أنحف ونهديّ اكثر بروزا، سيتكفل الطبيب بإعادة تشكيلي من جديد وسأكسب إعجاب الجميع.. أنا سمراء سأصبح شقراء لا يهمّ طالما أن جيبي يسمح لي بتغيير شكلي سأصبح أخرى مختلفة عن الأنا”

من الشغف بالبدانة الى الحلم بالنحافة 

كثيرات هُن العربيات اللواتي يقدمن على عمليات التجميل ويخصصن ميزانية عالية من أجل تغيير مظهرهن تماما، فقد أصبحنا في عالم الصورة، عالم هش ومؤقت لا يؤمن سوى بالتغيير، لا شيء ثابت، الكلّ متحوّل، حتى الجسد.

“خود التخينة واوعى تخاف منها مخدة ومنها لحاف” مثل شعبي مصري تغني بجمال ومميزات السمينة التي كانت مقياسا للجمال والرفاهة لدى العرب القدامى، ولكن مع ظهور مجتمع الحداثة أصبحت البدينة مثارا للسخرية والتندّر.

أصبح الريجيم اليوم وأدوية التنحيف وعملياته ضرورة بالغة للتخلص من هذا العيب الذي صنعه “مجتمع الإستهلاك” المرتبط بالسوق ومنتجاته المخصصة للنحيفات، جميلات هذا العصر، فمن لا تتمتع بمواصفات الجمال الجديدة تعتبر محدودة القيمة.

تعود الصورة الجمالية القائمة اليوم إلى عقود ماضية، أي منذ أن أصبحت الصورة تروّج على أساس أنّها النموذج الأفضل والأقصى جماليا وأنّها الحقيقة المطلقة. فقد عملت الأفلام السينمائية العربية في تقليد أعمى للسينما العالمية على تقديم صورة مغايرة للمرأة الجميلة وغير مراعية لخصوصيات الثقافة المحلية، على تقديم البطلة النحيفة كنموذج للجمال لتقتدي بها بقيّة النساء.

نستحضر هنا مقطعا من كتاب “الحياة السائلة” للفيلسوف  البولندي زيجمونت باومان “أنّ دهون الجسد مثل الكابوس الذي صار حقيقة. فوزنك الذي يزداد بالأونصات ومحيط الخصر الذي يزداد بالبوصات ينبهك إلى الحقيقة المفزعة التي مفادها أنّ التحصين الشديد بين العالم وجسدك ليس له جدوى وأنّ قوّات العدوّ اخترقت خطوط الدفاع”..

المعركة على الجسد

إذن نحن نتحدّث عن حرب يخوضها الفرد مع المجتمع على محيط جسده في العصر الحالي، حرب يخوضها الفرد بواسطة  المال فقط.

فما بالك بالمرأة في المجتمعات العربية التي لا تزال تقيّم ماديا، وفي بعض الحالات، كبضاعة ولا تقيّم معنويا وموضوعيا، فجمالها يعتبر قيمة مضاعفة لزيادة حظوظها في الزواج وفي العمل، خاصة وأنّ كبرى الشركات تعتمد على جمال الموظفات، والإعلام على المذيعات الجميلات؟

لذا، كان الإلتجاء إلى عمليات التجميل والتنحيف بمثابة فرصة أخرى لمضاعفة حظوظ المرأة في مجالات مهنية يتحكم فيها الذكور، ولفت انتباه الرجل، والمحافظة عليه بعد أن يغدو زوجا. هذا الزوج أصبح يتمتع بالجمال إفتراضيا على قنوات التلفزيون والأنترنيت ويقيم المقارنات بين زوجته في البيت وبين المشاهير ونجمات السينما: إليسا وهيفاء وهبي وغادة عبد الرازق وميريام فارس، هنّ نجمات المجتمع التي يفترض أن تتشبه بهم زوجته فيحلم بامتلاكهن من خلال جسدها هي..

لقد إنقلبت المفاهيم والقيم وعوّض الجمال الصناعي القلوب والأخلاق..

 

لماذا تلجأ المرأة العربية إلى عمليات التجميل؟ 

حول موضوع المرأة العربية وعمليات التجميل توجهت مجلة ميم إلى الدكتور في جامعة القادسية العراقية صلاح كاظم /كلية الآداب قسم علم اجتماعي بالسؤال: لماذا تلجأ المرأة العربية إلى عمليات التجميل في واقعنا الراهن فكانت إجابته “بعد الانفتاح وما بثه التلفزيون عن طبيعة ومعايير الجمال تغير المعنى الأساسي لمفهوم الجمال، لذلك تتجه النساء إلى هذا النموذج الجديد، ويتخذنَ من العمليات الجراحية سبيلا لنيله”.

ويضيف ” لقد أصبحت عمليات التجميل ظاهرة، وخصوصا عملية التشبه بالمشاهير لتغيير الشكل الخارجي للمرأة أكثر من مرة هي تجده عنصر أساسي من اجل إنفاق النساء مبالغ مادية كبيرة جدا للوصول الى شكل مقرب من المشاهير المتأثرات بهنَ”.

ويكمل ” فعروض الأزياء العالمية واستعراض المشاهير قبل الدخول إلى المهرجانات الدولية على السجادة الحمراء من الفنانين الكبار ومشاهير هوليود وما يتداوله الاعلام المرئي والالكتروني والمقروء، يدعو النساء الى التغيير ، من فقدان للوزن أو عمليات تجميل الأنف أو الجسم والشكل بصورة عامة “.

 

المهم أن أصبح غيري

يشير تقرير” الجمعية الدولية للجراحة التجميلية ” الصادر سنة 2015 إلى إرتفاع نسبة الإقبال على عيادات جراحة التجميل في العالم العربي إذ تتبوأ مصر المرتبة 19 عالميا في عدد الجراحين( 400) جرّاح في هذا المجال فيما تصدرت السعودية المرتبة 29 عالميا، واشتهر لبنان كقطب سياحي تجميلي تقصده النساء من دول عربية مختلفة لإجراء العمليات التجميلية خاصة عمليات الشفط وخاصة الفنانات العربيات اللواتي قمن بأغلب عمليات التجميل هناك.

من أشهر عمليات التجميل التي تقوم بها المرأة العربية هي التنحيف والشفط ونحت الجسد وتجميل الأنف وإزالة الشعر بالليزر وزراعة الشعر وهي عمليات مكلفة عادة لا تقدم عليها سوى المنتميات إلى الطبقة الثرية وتحرم منها نساء الطبقات الدنيا، فالجمال في يومنا الحالي لمن إستطاعت إليه سبيلا فو يكلّف كثيرا وتصل المبالغ إلى عشرات الآلاف من الدولارات.

من قواعد المجتمع الحديث إن رغبت في شيء عليك أن تدفع فلا يمكنك الانتماء إلى مجتمع الإستهلاك إلا من خلال جيبك، فجيبك يحقق لك الجمال والتفرّد في عرف المجتمع الجديد، والتفرد في هذا المجتمع معناه أن تصبح مسخا تتخلى بسهولة عن ذاتك القديمة وعن مظهرك الذي تعرفه من أجل وجه جديد لا تعرفه بل ستتعرّف عليه بعد العمليات التجميلية وبعد مضاعفات جانبية ولكن لا يهمّ المهمّ أن أصبح غيري هذا العقد الخفي بين المرأة وعمليات التجميل.

الوسوم

خولة الفرشيشي

كاتبة وباحثة جامعية في علوم التراث، تشتغل حول الجسد الأنثوي ورمزياته وتمثلاته، ولها مقالات وأبحاث منشورة في صحف عربية عدة

مقالات ذات صلة

اترك رد