مجتمعمدونات

هدايا الأحزان

تدوينة لإيمان عبد المنعم

 

في صباح يوم صيفى استيقظت وقلبي ينتفض فالآنسة كوثر أقسمت أنها لن تسمح لي بالنجاح إلا اذا حصلت على درس خصوصي ببيتها، رغبة الآنسة كوثر في دفعى للحصول على درس خاص وضعتنى أمام أول  تحد في حياتي .. كنت فى الصف الأول الإعدادي عندما وقفت تطلب منى، بل تجبرني، أن تعطيني درسا خاصا.

اعتذرت بأدب وقلت أن أمي وجدتي تجيدان الانجليزية ولست بحاجة لدرس، فكررت طلبها وكأنها لم تسمعني، وكررت إجابتي. قالت لي كلمة واحدة: “لن تتجاوزى هذا العام الا اذا حصلت على درسي”

كان طلبا وقحا من وجهة نظري .. خاصة وان البنات في الفصل كانت تبكي من معاملتها السيئة لهن .. ذهبت لأبي ورويت له

إيمان عبد المنعم

ما حدث وأبلغته انى قابلت تحدى المدرسة .. ظلت شهادتى تذهب لأبي كل شهر  ومادة تلك المعلمة مصفرة

وفِي هذا اليوم الصيفى خرجت نتيجة نهاية العام وذهب أبي لإحضار  الشهادة.. انتظرته وأنا مرعوبة هل ستظل هذه المادة مصفرة يا ترى؟ إلا أن عودة أبي بددت مخاوفى حيث عاد ومعه هدية لازالت احتفظ بها حتى الآن ساعة من أشهر الماركات ذات لون احمر مميز وقال لي مبروك النجاح ..

شعرت بالفرح بنجاحي في اول اختبارات حياتي  .. ومر شهر من الاجازة وإذ به يجلس ويطالبني بمراجعة مادة اللغة الانجليزية حتى ادخل امتحان الدور الثاني أصابني الذهول هل رسبت في تلك المادة ونجحت الآنسة كوثر في قرارها؟

إلا أن ابي قال لي بل نجحت ولذا احضرت لك هديتك .. نجحت في الصمود ٧ شهور أمام تعنت تلك المدرسة .. وهي الان يحقق معها بسبب فعلتها معك.. كانت هذه المرة الأولى والاخيرة التى اهتز فيها تفوقى الدراسي .. لكن الدرس الأهم هو ما علمه لي أبي ودعمه لي  في وقت حزني وهديته الجميلة.. فالهدايا تغسل الأحزان .. والهدية ليست بقيمتها بل بتوقيتها الصحيح ورسالتها..

قد تكون كلمة أو قصاصة ورق أو مكالمة في توقيتها المناسب .. قد تكون ابتسامة أو مساندة وقت الحاجة..

 

وهدايا الاحزان غالية القيمة بل تضاعف قيمتها هدايا  الفرح والمناسبات 

عقب تلك الواقعة ب٤ أعوام توفيت جدتي وكانت الدنيا وما فيها لأبي، حزن عليها حزنا شديد وتركتنا أمى عند خالتى حتى لا نعيش طقوس العزاء والحزن..

وبعد أسبوع جاءت أمي لاصطحابنا للبيت وكان أبي جهز هدايا لنا عوضا عن غيابه أسبوعا كاملا.. تعجبت لهدايا الموت والاحزان

بادرته اختى الصغيرة حينها بالسؤال “هل توقف حزنك على جدتي؟!”

وكانت خالتي قد أعطتنا الوصايا العشر بعدم ازعاج أبي باللهو والتوقف عن الطلبات والثرثرة لأنه حزين على أمه.. جاء رد أبي “لن تمحو الأيام حزني على أمي .. لكني ايضا أحبكم ولابد أن أعيش من أجلكم..”

كان أبي دائما يربط أي مناسبة بهدايا وطقوس خاصة بها، فكنا نحتفل برأس السنة وكأنه عيد، والعيد الهجري والمولد النبي والى غاية سفري من مصر، كان أبي يحتفل بعيد ميلادي ..

وعند وفاة جدتى لأمي فعل أبي ما فعله عند وفاة والدته وكان يعلم مدى تعلقنا بجدتى لأمى.

دروس أبي نسيتها مع الأيام .. حتى عادت مع وفاته ..!

حدثنى أبي قبل وفاته بعدة أيام وكان يلح في رؤيتى ولم ادرك أنه الوداع .. لكننى شعرت بلحظة وفاته قبل أن يبلّغني أحد .. مات أبي وانا وحدى في بلد غريب ابحث فيه عن علاج للنفس بعدما دمرتها أوجاع الغربة الإجبارية ..

لم أبك كثيرا لحظة معرفتى بالأمر قدر ما جلست أتذكر كيف كان يتصرف أبي.. أوقفت دموعي ومشاعري ورتبت أمور الدفن والمستشفي والمقابر والسيارات.. فاخوتي لم يحملّهم أبي يوما المسؤولية عكس ما فعل معي واختى الصغيرة

رتبت أمور أبي وأنا في طريقى للمطار. لن يدفن أبي دون وداعي.. لا أعرف هل كنت مدركة ما افعل ام لا، كيف لي بترتيب الامر حتى يدفن أبي سريعا تكريما له؟ وفِي الوقت ذاته ابحث عن رحلة طيران لمصر وأنا أدرك جيدا أن سلطات بلادي لن تسمح لي بتجاوز المطار والمرور إلى أبي.. وهذا ما حصل.

في تلك اللحظة، غاب من تبقى من أصدقاء مقربين، وظهرت هدايا الأزمات.. اتصلت بصديق لم أتواصل معه منذ زمن اطلب منه أن يلحق بأخواتى في المستشفي في القاهرة، فهرول إليهن في ثوان …

تقوم والدة صديقة عزيزة بالتدخل لإنهاء الإجراءات، تصل أمى للمستشفي وقد انتهت إجراءات اعداد أبي للدفن، اللهم الا الغسل. يخرج الجثمان من المستشفي خلال ساعة فقط .. تذكرت رغبة أبي بدفنه بجانب والدته، وهي وصية أحملها منذ كنت في الصف الأول الإعدادي..

كل تلك اللحظات تحمل هدايا من الله .. هدايا من الصبر والعون لا أعلم من أين أتت

 

اقترح معارف إقامة صلاة الغائب على أبي في بلد لم يزرها من قبل ولم يعرف حتى أنني بها، وصلى عليه عشرات من البشر لم يعرفوه أو يعرفهم، لكنهم دعوا له باخلاص، فكانت هدية وما أعظمها من هدية

 

حزنك يا ابي لا يسقط بالتقادم، بل تزيده الأيام عذابا وشوقا وقهرا على فراق دون وداع

حزني عليك تصغر أمامه كل الأوجاع وتهون كل الآلام .. يعتقد البعض أنى قوية وانى تجاوزت أحزاني بابتسامتى المصطنعة، لكن لا يعلم احد حالى عندما اخلد إلى نفسي، أو عندما اطهو، وأنا اعلم كم تحب طعامي

اقترح معارف إقامة صلاة الغائب على أبي في بلد لم يزرها من قبل ولم يعرف حتى أننى بها، وصلى عليه عشرات من البشر لم يعرفوه أو يعرفهم، لكنهم دعوا له باخلاص، فكانت هدية وما أعظمها من هدية.. ذكرتنى بهدية وفاة جدتي

تحولت رحلتى لساعات من العزاء واستقبال أناس لم يكن على اجندة أي منا لقاء الآخر .. شعرت بمشاعر أناس كنت اعتبر بعضهم أصدقاء فضاء الكتروني جامد لا تحركه المشاعر وكل منهم جلب لي هدايا تعجبت في بداية الامر هل هو عزاء أم حفل عيد ميلاد. هناك من جلب لي ملابس كنت اتمنى شراءها ولم أحدث بها أحدا، ومنهم من جلب لي أكواب قهوة وشاي كنت اتمنى شراءها.. حتى التمور والقهوة فاسطنبول بلد الهدايا الراقية ..

اتذكر أستاذتي هبه رءوف التي جلبت لي هديتين الأولى أن فرّغت نفسها يوما كاملا وتركت محاضراتها  لتهون علي وجع الفراق.. والهدايا الثانية طقم القهوة الذي تمنيت شراءه ولم تكن تعلم بذلك..

صديقتى بالدوحة من أصول مغربية عجلت بموعد رحلتها إلى اسطنبول حتى تشد من أزري وتكون بجانبي.. وصديقاتي عبير وأسماء وكأن الله جمع ثلاثتنا في هذا المكان حتى أَجِد من ارتمى في حضنه..

لم ادرك كثيرا من الوجوه التي قدمت للعزاء حينها وتعجبت كيف لكل هؤلاء ان يأتوا ولم تجمعنا علاقات مباشرة.. لكن مساندتهم كانت هدية السماء لي

عدت إلى وطن الغربة الإجبارية هذا الوطن الذي عايشت فيه أنواعا مختلفة من الأوجاع، لكن وجع اليتم حقا لم اتوقعه ولم أستعد له .. عكس ما دربت نفسي عليه من مقاومة وجع الاشتياق..

عدت وكانت هناك محطة جديدة من الهدايا… وليس كل الهدايا ما يمنح لك فقط، بل ما يمنع عنك ايضا، وقد يسعدك فيما بعد.. فكانت محطة تمحيص جديدة لمعرفة معادن البشر..

نعم وجع اليتم وأنا في هذا العمر وجع وكأننى عدت طفلة ترى في أبيها السند .. لا أنكر أنني كنت أستقوي بأبي على مواجهة الدنيا، بل وأشعر بالقوة عند أي خلاف مع زوجى لأن أبي موجود ..رغم أنه لم يتدخل يوما في خلافتنا إلا مرة واحدة وكان في صف زوجى فهو الذي أوصاني يوم زفافي وقال لي لا تعودي يوما غاضبة فاليوم زوجك هو ابوك وابنك وأخوك..

اليوم يمر عيد ميلادي لأول مرة دون أبي لكنه لم يحرمنى هديته وقَدِمَ لي في الحلم ليقول لي أنه بخير ..

فشعرت أن  لهدايا الأحزان قيمة كبيرة تطهّر النفس وتمحو الحزن وتسكن بدل منه سكينة لا يدركها الأ من لمس قلبه الحزن

 

إيمان عبد المنعم

كاتبة صحفية من مصر

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

شاهد أيضاً

إغلاق