مجتمع

نساء الصومال: صناعة السلام في زمن الحرب

بقلم: سمية شيخ محمود

قبل أسابيع، أثارت قضية المساواة بين الرجل والمرأة في الميراث والتي تم إقرارها في تونس، وزواج المسلمة بغير المسلم جدلاً إعلاميا ونقاشات وانتقادات حادة.

عادت بي الذاكرة إلى قانون الأسرة الجديد الصادر في 1975 بالصومال ، وفيه فرض الجنرال محمد سياد بري المساواة بين الجنسين في الميراث وفي الحقوق والواجبات، ولكن الفرق كان في السياق التاريخي، فبينما أخذت جمهورية تونس قرارها في ظل ثورة الياسمين، كان القرار الصومالي في ظل حكم عسكري، وكان ثمن الاعتراض عليه بالإعدام ، نعم .. كما قرأتم، الإعدام كان العقاب على الإعتراض وقد دفع عشر مشايخ حياتهم ثمن كلمة “لا” بعد محاكمة صورية عاجلة.

كما تبدو هذه القصة مجهولة للأشقاء العرب، سيبدو نوعاً من المبالغة القول ان الشعب الصومالي كان سبّاقاً في مسيرة الشعوب الإسلامية للبحث عن الديمقراطية والحرية التي صادرها نظام سياد بري الانقلابي، ولكن تعثرت تلك المسيرة، وخطف حلم التغيير، وغرق البلاد في حرب الفصائل.. هذا جعل الصومال مثلاً أجاد الإعلام العربي التلويح به في وجه الشعوب العربية، وشاع مصطلح الصوملة، وأصبحت صورة الأطفال الجوعى الاسم الآخر لجمهورية الصومال، تلك هي الحكاية الأبرز عن الصومال، بينما لم يخبر أحد الشعوب الأخرى عن الوجه الآخر للصومال والصوماليين.

هذه المرة، سأشارككم قصة المرأة الصومالية في أزمنة الحروب، وكيف صمدت.. قصص سيدات مناضلات، وأخريات كن

كالجندي المجهول طيلة ربع قرن.

 

هل سمعتم عن حواء عبدي؟

حواء عبدي وابنتاها في حفل تكريم مجلة Glamour

الطبيبة التي حوّلت أرضها إلى مخيم للنازحين وبدأت في تقديم خدمات طبية لهم، ووهبت ابنتيها للعمل التطوعي الإنساني،

طبيبتان مثل أمهما تحملان الرسالة ذاتها. وأصبحت منطقة كاملة تُعرف باسم ماما حواء عبدي نسبة لها.

د. حواء لم تتراجع رغم التهديدات التي تلقتها من مقاتلي حركة الشباب المجاهدين في الصومال، وغيرها من جماعات العنف

المسلح، وبقيت تدعم الفئات الأكثر هشاشة في المجتمع.

وفي عام 2010، اختارتهن مجلة غلامور “نساء العام 2010” تقديرا لصمودهن وعملهن الإنساني.

 

أما السيدة فرتون آدم وابنتها إلواد إلمن، فقد تغلبتا على اغتيال الزوج والأب، وأخذتا على عاتقهما حمل رسالته، وهي

السيدة فرتون آدم وابتها

تبنّي الشباب، وتقديم البدائل السلمية لهم.

في ذروة الصراع المسلح بمقديشو، خرج إلمن (زوج السيدة فرتون آدم)، ورفع شعار “ضع البندقية وخذ القلم”، وتعهد بعدم حلق شعر رأسه حتى يحل السلام على البلاد، فأفتى بعضهم بقتله بتهمة نشر المسيحية، سقط إلمن، لكن رسالته لم تسقط، حملتها أرملته الشجاعة وعادت مع ابنتها وأسستا مؤسسة تحمل اسمه وناديا رياضيا، وحازتا على جائزة الناشط الدولي من مؤسسة غليستمان.

 

 

أما السيدة حواء آدن، الحائزة على جائزة نانسن للاجئين المقدمة من المفوضية السامية لشؤون اللاجئين التابعة

السيدة حواء آدن

للأمم المتحدة عام 2012، فقد أسست منظمة لخدمة النازحات وتمكينهن، في مدينة جالكعيو، ولم تخفها اتهامات المتدينين لها بالتبشير بالمسيحية أو تغريب الفتيات. وبعد صمود طويل، اعترف المجتمع بجهودها، وصارت مثلا يحتذى به.

 

 

 

 

لا تعتقد أن المرأة الصومالية اللاجئة الهاربة بجلدها، والتي عادت من الغربة هي فقط من برزت وأصبحت مثلاً لنجاح المرأة

زهرة عرته

الصومالية، فقد استطاعت الشابة العشرينية زهراء عبد القادر عرته حمل مبادرة Ubaxa Rjada والتي تعني “ورود الأمل” في مدينة كسمايو في الساحل الجنوبي للصومال، وجمعت فيها الأطفال الأقل حظا لتوفر لهم حقا في التعليم، وقد لاقت مبادرتها دعم المجتمع، وتطوع شباب المدينة للمشاركة فيها.

 

 

 

 

هذه القصص الملهمة ليست الوحيدة، إذ شاعت مقولة: “في أزمنة الحروب، تعرف قيمة النساء”، كما تشيع مقولة: “العاقر هي كن لم تنجب بنتا” لأن النساء وجدن أنفسهن بلا معيل، والأزواج بين هارب أو قتيل أو مطلوب لدى جهة ما، أو حتى مقاتل في هذا الفصيل أو ذاك، فوضعن التّذمر جانباً، وشمرّن عن ساعد الجد، فأصبحت المعيل لأسرتها، وباب بيتها مفتوح للأقارب الأقل حظاَ، كما كان الحال قبل الحرب.

ولا تقتصر قصص نجاح المرأة في العمل الإنساني والاجتماعي، بل سعت لتحقيق مكتسبات سياسية، وحققت هذا العام

حضورا لافتا، إذ حازت على نسبة 30% في البرلمان، و23% في المجلس الوزاري. ولكن هذا لا يعني نجاحا كاملا، فالمرأة لم تُمكّن من الانضمام إلى اللجنة البرلمانية لشؤون الدستور على سبيل المثال.

وختاما، مازال أمام المرأة الكثير لتنجزه في مسيرة إعادة بناء الدولة، وإرساء السلام.

سمية شيخ محمود

كاتبة وباحثة صومالية ومؤسسة موقع تكايا

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد