مجتمعمدونات

كتب لزوجي المعتقل

بقلم رضوى فتوح

كفيلة هي “الزيارة ” أن تمسح الآمال و الأحلام و تطفئ الابتسامة..
كفيلة هي “الزيارة ” أن تسكب اللون الأسود على رسومك و ألوانك..
كفيلة أن تؤرجح قلبك بين مشاعر الحب و الحزن و الفرحة و البكاء..
أن تذيقك البهجة و لوعة الفراق..
أن تريك لقطات لا تنسى لتحفر بداخلك أنفاقا و طرقات من الألم الإنساني باختلافه..

أن تعلمك كيف تقرأ قسمات وجوه البشر و تعرف ما وراءها..
أن تقدر ايماءات الجسد و لمسات الأيدي..
أن يطير قلبك مع طفل يجري هنا و هناك لتهون عليك ابتسامته آلامك وتسمع شهقات قلبك من أم تبكي تشعر بدموعها

رضوى فتوح

وكأنها تلمسك..

وجوه عكرة.. مرضى نفسيون يتحكمون بك.. تقف و يجلسون ينظرون إليك بكل استعلاء، وتدرك أنت جيدا أنه ليس في يدك من الأمر شيء!
يقرر أنه ليس من حقك أن تنطق حتى بمخاوفك.. و كأنه قد مُيّز عنك بشيء لا ندركه و ليس إنسانا مثلك!
تساءلت بدوري : أليس من حق السجين أن يقرأ؟

و كانت الإجابة: ليس من حقه إلا غذاء يوم واحد فقط! يأكل و يشرب فقط!
و ياله من فضل منّ به علينا سيادة العقيد و العميد و اللواء! فقط لأنهم مُنحوا سلطة على خلق الله من أمثالنا!

اعترضت، و يدرك عقلي ما يعني ذلك جيدا..

و لكن أبى قلبي ألا يحزن.. لم أستطع أن أصمت فأنا لم آمل الا في منحه كتابا يكون صديقا يؤنس وحدته، يشغل عقله..

اذن فلتتحملي.. يفتشون ابنتي في النهاية ولا يكتفون بي. أخذوا كتابها الصغير، و كتابا أتت به لأبيها..

يسحبون بطاقتي، ويرضي غروره بوقوفي قليلا في انتظار سعادته، فليس لصوتي مكان هنا!

 

تساءلت بدوري : أليس من حق السجين أن يقرأ؟

لم آمل الا في منحه كتابا يكون صديقا يؤنس وحدته، يشغل عقله..

 

أسوار عالية.. أسلاك شائكة..
صفوف طويلة من البشر يقفون تحت أشعة الشمس الخانقة و في الغبار ينتظرون..
تعود ذاكرتي لما قرأت في تاريخ غرناطة… الأندلس.. ترحيل المسلمين و معاناتهم..
أنظر إلى تلك الأسوار العالية، أتذكر فلسطين و ما يحدث بها..
تعود ذاكرتي لصورة الاسوار هناك و دموع الأطفال و الأمهات.. أتأمل كل هذه المشاهد بمخيلتي..
الظلم واحد.. والألم واحد..

الوجوه المبتسمة هنا صارت مكفهرة، وصديقتي التي كنت ألتمس منها الأمل صارت متعبة، تسمعها تدعو الله دائما أن ينتقم وتنتظر أن يستجيب.. وأدعو أنا الله أن يرزقني صبرا و رضا، فلا حاجة لي بالانتقام، هو أدرى بما خلق و قدر..

و كعادتي، حاولت أن تكون هذه الاوقات المملة أوقاتا نقضيها معا، نتحدث و نحكي وأستمع
لا ليست عادتي أنا،  انها عادة كل من هنا، يبتسمون في وجوه بعضهم و يدعون بعضهم البعض للطعام مهما كان بسيطا..
منهم من هو متعب منهك، ومنهم من يحاول التخفيف عن الآخرين، ومنهم من انشغل بحاله ولم يعد يعبأ بشيء شيء آخر، فلديه ما يكفيه..

 

في لحظات الانتظار جلست أستمع الى أحلام ابنتي بمكان أفضل للزيارة لتغير كل ما حولنا، ترسم بريشتها مشهدا آخر..

 

وفي لحظات الانتظار جلست أستمع الي أحلام ابنتي بمكان أفضل للزيارة لتغير كل ما حولنا
ترسم بريشتها مشهدا آخر
تسرح بعينيها و تقول أتدري يا ماما لو اصبحت أنا المسؤولة هنا …
سوف أهدم كل ما حولنا… سوف أجعله مبنى واحدا فقط… يسجن فيه من ظلم أو سرق أو قتل.. من ارتكب خطأ فقط…

هذا التفتيش.. سأجعله نقطة واحدة فقط ياماما، واحدة فقط، لن أتركهم يفتحون الحقائب و يلمسون الأجساد و يتدخلون فيما لا يعنيهم اكثر
ابتسمت : و ماذا أيضا؟

لوحت بغضب : يغيظونني بغبائهم، لم أخلع حذاءي مرتين؟! ماذاأخبئ بالداخل؟! ما هذا الذكاء الخارق؟!

ابتسمت و أومأت برأسي.. لا أملك لها اكثر من ذلك..

أعشق الطفولة.. أن تتحدث بما يدور في عقلك.. أن تبرح بما يعتمر في قلبك.. لا حسابات أو مخاوف.. لا موانع تمنعك من أن يحلق حلمك في السماء عاليا، حتى تتخيل أنه هو الحقيقة!

ولم لا وكل ما حولهم من عبث يوحي لهم أنه لا حقيقة؟! تحكي أمهم حكايات يبحثون عنها فلا يجدونها!

كما حكت لي أمي كثيرا منذ نعومة أظفاري.. لحق بي أولادي في الرحلة و مازلنا نبحث معا.. ابتسمت و نظرت اليها..

و توالت خواطري.. في الابتلاء.. كل قيمك تخضع للاختبار.. كل ما عهدناه من قصص تروى و دروس تدرس يقع بين سندان وجدانك ومطرقة الواقع..

الشجاعة و الخوف.. الحب و الكره.. الأمانة و الخيانة.. اليقين و الاستسلام.. الكرامة..

و عليك أنت أن تتماسك قدر استطاعتك..

 

رضوى فتوح

تعمل رضوى في مجال التعليم الدولي والإدارة
تعشق الكتابة وتؤمن أن عليها أن تشارك في تدوين التاريخ الذي تعيش منه سطورا كل يوم …
رضوى أم لثلاثة اطفال و زوجة لأحد المعتقلين منذ عامين و نصف، ينقل لنا قلمها فصولا من قصتها و قصص أخرى عن الأوطان و محبيها…

الوسوم

مقالات ذات صلة

رأيان على “كتب لزوجي المعتقل”

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.