ثقافة

الدراما التونسية خارج المنافسة العربية: بين ضعف الانتاج الفني والتسويق للعنف الرمزي

دراما

تشهد الدراما في تونس على قلتها عجزا على المستوى الفني والابداعي علاوة على الجانب الأخلاقي، فهي فارغة من المحتوى، نمطية في الطرح، تعكس سطحية مقيتة لسيناريوهات تنجز في غرف مظلمة يغيب عنها الابداع والرسالة الهادفة، فتكون بذلك “الية للتلاعب بالعقول”، حسب عبارة المفكر الفرنسي “بيير بورديو”، واداة لصرف الرأي العام عن المشاكل والقضايا الأساسية.

اعمال درامية موسمية تجتر لسنوات

تطور الانتاج الدرامي وصار في دول عديدة جزء من قاطرة النمو الاقتصادي ودعم السياحة للبلدان المنتجة لها وسوقا كاملة تقوم على مبدأ العرض والطلب، على غرار المسلسلات التركية التي استحوذت على الحصة الاكبر عربيا وأضحت تترجم بأغلب اللهجات، ومنها التونسية خاصة مع ازدياد طلب الجمهور عليها. لكن الدراما التونسية لاتزال موسمية مقتصرة على شهر رمضان ولا تكفي لسد حاجيات السوق المحلية حتى.

و تعود الأسباب الأساسية لهذا الضعف الى محدودية الامكانيات المادية المخصصة لإنتاج المسلسلات، التي تقتصر على البرمجة الرمضانية، ثم تعاد عملية اجترارها من قبل الجمهور مرات و مرات حتى تفقدها معناها. أعمال تجاوزها التاريخ و السياق الثقافي و السياسي و الاقتصادي و لكن تجد لها متابعين كثر مثل “سلسلة شوفلي حل” (سلسلة هزلية انطلق عرضها في رمضان 2005 و تواصل انتاج اجزاءها حتى سنة 2009) التي لا يكاد ينتهي جزء منها الا و يبث الثاني فالثالث ..

ثم لا تلبث أن تنتهي جميع الأجزاء ولا يبقى أمام المسؤول عن البرمجة في القناة “الوطنية الثانية”(التي تقوم ببثه) الا اعادته من البداية مجددا، و هو ما يطرح اشكالا لا يتعلق بطبيعة البرمجة فقط، بل بالجمهور المستهلك عن وعي أو عن غير وعي لهذه الأعمال ،باختياره أو مجبر نظرا لغياب الأعمال الابداعية أو لأن العائلة مهتمة بمتابعته، فمكره أخاك لا بطل.

 

تعدد كمي لا نوعي

ساهم غياب التعددية التلفزيونية في مرحلة أولى في انتاج أعمال درامية على قناة واحدة تتحكم فيها السلطة السياسية لتكون ذات توجه أحادي تتم صنصرة محتوياته في الغالب ويغيب عنها الحس النقدي خاصة فيما يتعلق بالقضايا السياسية بل كانت اداة موجهة نحو مشاكل المواطن اليومية تعود أغلب أحداثها الى الفترة الاستعمارية وبعضها يتناول الريف فيتهكم على لهجته وعاداته ويترك مشاكله لمتساكنيه..

وفي مرحلة لاحقة، ارتفع عدد المسلسلات نسبيا نظرا لتعدد القنوات بعد الثورة،لكن العدد لم يعكس نوعية في الانتاج أو الطرح ولم يتجاوز القوالب القديمة والصور النمطية بل مضى أبعد من ذلك وسقط في الابتذال.

هذا ما يعتبره بيير بورديو “الانسياب الدائري” ويتمثل في التشابه بين المضامين التي يتم عرضها في المسلسلات قيد المنافسة رغم الاختلاف البسيط في محتوياتها والتي تقوم في غالبها على الاثارة لتحقيق أعلى نسب مشاهدة وجلب المستشهرين.

الإنتاج التونسي خارج دائرة المنافسة العربية

لا يتجاوز الإنتاج الدرامي التونسي منذ بداية عرضه في أوائل التسعينات 70 مسلسلا، أي ما يعادل انتاج مصر خلال شهر رمضان فقط، ونصف ما تنتجه الدراما السورية خلال نفس الشهر و الذي تقلص بسبب الحرب. ويتضاعف هذا المعدل اذا ما أخرجناه من السياق الرمضاني على اعتبار أن الانتاجات الدرامية لهذين البلدين لا تقتصر على البرمجة الرمضانية فقط بل تتواصل على مدار السنة.

هذا و قد شهدت الأعمال الدرامية المدبلجة اقبالا جماهيريا هاما و استأثرت بنسب مشاهدة عالية نظرا لوفرة الإنتاج و جمالية الصورة التي يتم تسويقها عبر محطات عربية كشبكة ال”ام.بي.سي” و هي أول شاشة تقوم بعرض الدراما التركية باللهجة السورية والتي لاقت نجاحا جماهيريا منذ ظهورها. ومع ارتفاع الطلب عليها، ارتفع معدل انتاجها السنوي، ليتراوح  بين 80 و90 مسلسلا.

أما الأعمال الهندية ومنذ بداية عرضها على قناة “زي ألوان”، احتلت قاعدة جماهيرية هامة نظرا لإنتاجاتها الضخمة والتي خصصت لها شبكة “الام بي سي “أيضا قناة خاصة “ام بي سي بوليود” لعرض الأفلام والمسلسلات.

إضافة الى الدراما الكورية التي بلغ انتاجها سنة 2017 حوالي 300 مسلسلا ترشح منها 266 لنيل جائزة أفضل عمل لنفس السنة، وبعد غلق قناة “كوريا تي في” التي كانت تعنى بدبلجتها، استثمرت بعض الشاشات العربية في ذلك نظرا لرواجها ونجاحها في استقطاب الجمهور

كما نجد لمختلف هذه الأعمال مواقع الكترونية متخصصة في مجال عرض المسلسلات ودبلجتها منها ما هو حصري ومنها الإعادات.

تسويق “العنف الرمزي”

و من جهة أخرى تمارس الأعمال الدرامية التونسية و خاصة الحديثة منها عنفا ضد الأفراد، يتم بطريقة ضمنية غير محسوسة، و هو ما يعرف سوسيولوجيا “بالعنف الرمزي”، وهو أكثر خطورة من العنف المادي و السلطوي، لأنه عنف “عادي و بسيط “و غير معترف به مجتمعيا. لذا يستسلم له الجمهور و كأنه حتمية أو من المسلمات،  مثلما يخضع له جمهور “أولاد مفيدة” و “حكايات تونسية” (أعمال درامية تونسية حظيت بنسب مشاهدة عالية معتمدة في ذلك على الاثارة و العنف)، في غياب للطاقة الابداعية و القيمة الفنية لهذه المسلسلات التي كرست نمطا اجتماعيا، على اعتبارها واقعا معيشا رغم آثاره النفسية و الثقافية و الاجتماعية الخطيرة.

و هو ما يحيلنا بدوره الى مفاهيم أخرى كالهيمنة و اعادة الانتاج الثقافي، سواء في ما يتعلق بالمظهر كاللباس وتصفيف الشعر و المشي و حتى الضحك و غيرها.. أو التعابير و الالفاظ المستعملة، عملا بمنطق “الجمهور عايز كده” .

ان ما يتم انتاجه دراميا في تونس اليوم، ورغم محاولات الارتقاء به، يبقى انتاجا هزيلا على مستوى الكم والكيف ولا يخضع الا لمصالح أصحاب رؤوس الأموال من القائمين على انتاج هذه المسلسلات، الى المستشهرين الذين يمارسون سلطة رمزية على الجماهير.

عائشة الغربي

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.