دين وحياة

مأذونات شرعيات يبرمن العقود

مجتمع: اقتحام المرأة عالم القضاء الشرعي

تقترن صورة المأذون الشرعي في أذهاننا بالشيخ المسن أو الكهل الملتحي بعمامته وجبته الطويلة الفضفاضة، يسأل العروس ان كانت توافق على تزويجها فتجيبه عن استحياء.. الا أن كوكبة من النساء المولعات بكسر القوالب، تمكن من اختراق هذا العالم الذي طالم احتكره الرجال، فتخرجن مأذونات شرعيات يوثقن العقود ويبرمن الزيجات بثقة وتمكن..

دعنا نتعرف على بعض من هؤلاء العدلات الشرعيات ونقترب من تجاربهن مع هذه المهنة الذكورية بامتياز، فمتى بدأت رحلة العربيات في هذا الميدان؟

البداية كانت من تونس، أين تعتبر المأذونة الشرعية أو العدلة (المرأة العدول)، سباقة في هذا الميدان، حيث انطلقت منذ 2007، أي سنة قبل التجربة المصرية والإماراتية.

 

المرأة العدول في تونس، في طليعة العربيات

من تونس، التقت ميم بضحى السحباني، عدل اشهاد في مقتبل العمر، تحدثت لميم عن رحلتها المتميزة والصعبة في آن في مجال كان يقتصر على الرجال.

” كانت بدايتي منذ  12 تشرين الثاني، نوفمبر 2007، حيث كنت أول امرأة تعيّن كعدل اشهاد في بلدة فلاحية، تعرف بالعالية، من شمال مدينة  بنزرت، من سبقني كانوا شيوخ زيتونيين وزملاء رجال متخرجون من المعهد الأعلى للقضاء.

 

 

بدأ الحرفاء منذ الأيام الأولى لفتح المكتب يوجهون لي أسئلة من قبيل، “أتبرمين كذلك عقود الزواج؟” وكنت ألاحظ استغرابا منهم لكن لا يصارحونني بسبب دهشتهم من الإجابة. إلى أن اكتشفت بنفسي أن سكان هذه المنطقة متشبثون جدا بالعادات والتقاليد ويرفضون رفضا تاما أن تقوم “امرأة”، بتحرير وإبرام عقد الزواج.

 

كما أن إبرام الزواج له خصوصية في هذه البلدة الفلاحية الصغيرة،  حيث يقف العدل “الشيخ” أمام المسجد، أين يسمى المكان ب”البطحاء” ويحضر الرجال فقط والزوج ولا تحضر العروس ولا النساء ويتم إلقاء الخطبة ويتسلم العدل المهر من الزوج لتسليمه فيما بعد للعروس في محل والديها منفردة.

 

كانت المهمة صعبة على جميع المقاييس أولا كيف سأمحي عادة قديمة في البلدة وألزم الزوج والحاضرين على إبرام عقد الزواج بمحل الزوجة خاصة وأني لست إبنة المنطقة

ورغم المحاولات العديدة فإلى الآن تبرم الزيجات هكذا في البطحاء ويخير الأهالي إستدعاء زميل “رجل” على الرغم من أنهم يستودعونني وثائقهم وأسرارهم لكن عقود الزواج فيها بعض التحفظ إن لم نقل كله.

والطريف في الأمر أن الحريف يأتي بمناسبة إبرام عقد بيع أو مقاسمة لدي ويتولى دعوتي لعقد زواج إبنه أو إبنته كأنه ضمنيا يطلب العفو وكنت دائما أتفهم هذا منهم لأني والحمد لله أحظى بإحترامهم وتقديرهم.

 

“أتبرمين كذلك عقود الزواج؟” كنت ألاحظ استغرابا منهم ودهشة من اجابتي. إلى أن اكتشفت بنفسي أن سكان هذه المنطقة متشبثون جدا بالعادات والتقاليد ويرفضون رفضا تاما أن تقوم “امرأة”، بتحرير وإبرام عقد الزواج

 

بينما تحظى هذه المهنة بالإقبال من القرى المجاورة، لأن الزوج يأتي إلى المكتب ويعرب عن رغبته ابرام عقد زواجه لدي لأني إمرأة ذلك أنه حسب تفكيرهم فإنه من المخيّر أن تتكشف “العدلة “على العروس وأهله أفضل من حضور رجل.

 

الكثير يرفض إبرام المرأة لعقد الزواج لأنهم يخلطون بين شروط الشاهد في الدين الإسلام حيث يجب أن يكون رجلا أوامرأتين وبين عدل الإشهاد الذي لا يعدو أن يكون  موثقا للعقد


إذا نظرنا إلى عقد الزواج بالمفهوم القانوني فهو عقد مدني مثله مثل كل العقود إلا أن المجتمع التونسي كغيره من المجتمعات الشرقية يكسيه قدسية و يُلبسه حلّة العادات والتقاليد التي من الصعب أن تمحى. لذلك في كثير من الأحيان يثار جدل حتى بمناسبة إبرام عقد الزواج أسمع البعض يتسائل عن “شرعية” العقد الذي أبرمه من عدمه. فالكثير يرفض إبرام المرأة لعقد الزواج لأنهم يخلطون بين شروط الشاهد في الدين الإسلام حيث يجب أن يكون رجلا أوامرأتين وبين عدل الإشهاد الذي لا يعدو أن يكون  موثقا للعقد. 

 

صعوبات كثيرة تواجه المرأة العدول، بعد التخرج

“كل سنة يتخرج حوالي50 عدل إشهاد من المعهد الأعلى للقضاء وأنا شخصيا أتابع القائمة سنويا. حيث بدأ العدد يرتفع من النساء من 60 في المائة إلى 80 في المائة هذه السنة. هذا الارتفاع في صنف النساء معلوم سببه ذلك أن المرأة في مقاعد الدراسة تتفوق غالبا على الرجل وهذا لا يختلف فيه إثنان.

 

 

بعد النجاح بالمعهد،  تصدم المرأة بعراقيل لم تكن لها يد فيها، حيث يحكم عليها بالفشل قبل البداية.  فالعادة ربما تناقض المنطق، لكنها تبقى راسخة وتتسبب في صعوبات جمة لكثير من الزميلات فمنهن من بالكاد تجد ما تُسدّد به مصاريف المكتب وهي مجازة مثلها مثل زميلها المنتصب أحيانا بجوار مكتبها. والذي يرتبط نجاح  في سيرته  المهنية، اضافة الى الأحكام الاجتماعية، بكثرة اختلاطه واقترابه من  الوسط الإجتماعي.  فعدل الإشهاد الرجل يدخل المقهى ويناقش ويحاور أما المرأة فتقبع بالمكتب وتنتظر هذا ما يحدث للأسف.

 

مجتمع المدينة يرفض المرأة العدول

“في بنزرت المدينة،  يوجد عدد لا بأس به من عدول الإشهاد النساء، لكن للأسف لا يكدن يعرفن لأن في المدينة الأمر أصعب بكثير،  فيقتصرن على تحرير بقية العقود. حتى أن لي زميلات عُيّن منذ سن قانون عدالة الإشهاد أي منذ ما يناهز 15 سنة والأمر بقي على حاله إلى اليوم. لكن من المفارقات أحيانا أنه  بالنسبة لعقود الزواج المبرمة في البلديات تحضر”إمرأة”، ضابط حالة مدنية لتبرم الزواج، حيث يسود الصمت ويتعامل مع الأمر بتجاهل. أليست إمرأة أم أن ظابط الحالة المدنية مأمور عمومي وعدل الإشهاد لا؟”.

 

تبقى وضعية المرأة العدل، في تونس، حساسة، رهينة العادات والتقاليد المتوارثة والنظرة الاجتماعية الضيقة و الدونية للمرأة. ورغم هذا التشعب بين الرفض والقبول، تظل تونس دولة سبقت خطى الدول المغاربية والعالم العربي في مهنة المرأة المأذونة الشرعية.

 

مصر، عدد المأذونات الشرعيات مازال محتشما

في 15 تشرين الأول، أكتوبر من عام 2015، عينت  “وفاء قطب”، الحاصلة على ماجستير في القانون والشريعة، بعد ست سنوات على تقديم طلب العمل، كأول مأذونة شرعية في منطقة القناة وسيناء، والرابعة في مصر، لتتصدر بذلك قائمة أصغر مأذونة في مصر.

 

من هي أول مأذونة مصرية؟

في 4 أيلول،سبتمبر 2008  عينت المُجازة في الحقوق وخريجة جامعة الزقازيق، أمل سليمان عفيفي، أول مأذونة شرعية بمحافظة الشرقية المصرية.  و بعد منافستها لـ 10 رجال على هذا المنصب، استطاعت أمل أن تحظى به، حيث قامت بإبرام أول عقد زواج شرعي في 25 تشرين الأول،أكتوبر 2008.

 

بعد توليها هذا المنصب قانونيا، تقدم جمع من المأذونين الرجال، بطلب اقتصار المأذونية على عنصر الرجال،  باعتبارأن المرأة لديها موانع شرعية تمنعها من مزاولة المهنة. وقد قوبلت بالرفض، آنذاك، ولكن تبقى صورة المرأة المأذون في مصر صورة محتشمة في دولة تضم 100 مليون نسمة وفق الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء المصري.

 

مأذونة شرعية واحدة في الإمارات والخليج العربي

عينت  فاطمة العواني أول مأذون شرعي في دائرة القضاء في العاصمة الإماراتية، أبو ظبي، بعد دراسة النواحي الفقهية والشرعية والفنية، في شهر تشرين الثاني، نوفمبر 2008.

 

 

“فاطمة العواني” متحصلة على بكالوريوس الشريعة والقانون من جامعة الإمارات عام 2000 وعملت في مهنة  كتابة العقود والتوثيقات أكثر من 8 سنوات، وهو ما ساعدها للعمل كمأذون شرعي.

قرار تعيين امرأة، في خطة مأذون شرعي، يعتبر الأول من نوعه في تاريخ الإمارات ومنطقة الخليج، ولكنه بطبيعة الحال يبقى حضورا ضيقا في هذه البيئة المحكومة بالسلطة الذكورية.

 

فلسطين، رغم الاحتلال، المرأة المأذونة الشرعية تبرز

 

 

في شهر أيلول، سبتمبر من سنة 2015، بادر المجلس الأعلى للقضاء الشرعي الفلسطيني، إلى تعيين “تحرير حمّاد”، الحاصلة على الماجستير في الشريعة الإسلامية المعاصرة، كأول “امرأة” في منصب مأذونة شرعية في مدينة رام الله، إلى جانب نيسان مسعود.

 

في بدايتها واجهت تحرير عدة مشاكل في عملها ك مأذنوة شرعية في المحكمة الشرعية في رام الله، باعتبارها أنثى ونظرا للنظرة الدونية للمرأة التي تحكمها القواعد والنظم والتقاليد الاجتماعية وتعتبر أن عقد القران من حق الرجل دون غيره.

 

فداء دراغمة، تعد بدورها من رائدات مهنة “المأذون الشرعي”، في فلسطين المحتلة. حيث عينت سنة 2015، كأول مأذونة شرعية في شمال الضفة الغربية.

 

 

بعد انقطاع عن الدراسة ل12 عام، عادت فداء من جديد لمقاعد الدراسة، لتجتاز الثانوية العامة،  ومن ثمة انتقلت لتدرس في جامعة القدس المفتوحة وتحصلت على الماجستير. ثم تبوأت منصب في المحكمة الشرعية في سنة 2006، “مركز المرأة للارشاد القانوني”.  في 2013، تقدمت بطلب للمحكمة للسماح لها  بامتهان، عمل المأذون الشرعي.

في سنة 2015، سجلت فداء أول عقد زواج شرعي.

 

المغرب، سن قانون يسمح للمرأة بالعمل مأذونة شرعية

من المنتظر أن تفتح وزارة العدل المغربية باب الترشح لمناظرة المأذنونات الشرعيات، بعد  إصدار قانونا في المغرب الأقصى يسمح للإناث العمل في سلك يقتصر على عنصر الرجل، في سياق “خطة إصلاح منظومة العدالة”. وهو ما يعد سابقة تاريخية في مملكة المغرب الأقصى.

هذه الخطوة الإصلاحية، التي تندرج في قيم المساواة بين المرأة والرجل، رغم أنها ما زالت في بداياتها إلا أنها قسمت الشارع المغربي بين مناصر ورافض لتقلد المرأة مهمة يعتبرونها ملكا للرجل.

 

المرأة “العدلة” أو المأذونة الشرعية في العالم العربي، صورة مشرقة من صور كسر المرأة للحواجز التي طالما أقصتها من مجال القضاء الشرعي والافتاء وضيقت حضورها في المؤسسات التشريعية والعلمية الاسلامية.

الوسوم

وفاء الحكيري

عضو فريق مجلة ميم التحريري

اترك رد