الرئيسيثقافةغير مصنف

فنّانات الشارع العربيات

ثقافة

 

يعود أصل كلمة غرافيتي graffiti إلى كلمة graffito الإيطاليّة، وتعني الخدش.

وتعود جذور هذا الفنّ، حسب الباحثين فيه، إلى محاولات الإنسان في الحضارات الإنسانية القديمة للتعبير عن الأفكار بخدوش على الجدران.

لكنّ انتقال الغرافيتي إلى داخل إطار ما عُرف بفنّ الشارع بدأ في مدينة نيويورك في بداية القرن العشرين، وانتشر بقوّة مع تحرّكات الشباب (الفوضوي على وجه الخصوص) ضدّ حرب الفيتنام.

خلال ثورة الشباب بفرنسا في ماي 1968، عرف هذا الفنّ تحوّلًا جذريًّا عميقًا من ناحية الشكل والمضمون، وتحوّل إلى محمل جمالي معاصر لانتقاد السلطة والتعبير عن الذات.

في العالم العربي، برز الغرافيتي مع بداية القرن الحادي والعشرين، وذلك للاحتجاج على الأوضاع في ظلّ غياب المنابر الإعلاميّة وتغوّل أجهزة المراقبة والمعاقبة الّتي كرّستها الدكتاتوريّات. ولذلك كان النشاط منعزلًا وسريًّا.

لكن مع انتشار الثورات الشبابيّة في 2011، عرف هذا الفنّ انتشارًا أوسع، ووجد آفاقًا أرحب بما أنّه وجد وعاءً ثوريًّا احتجاجيًّا يحويه، فخرج من رحم هذه الثورات فنّانو غرافيتي عرب، ساهموا في نشر ثقافة مضاددة للمكرّس جماليًّا واجتماعيًّا وسياسيًّا.

ولم يقتصر دور الجرافيتي على التعبير عن المواقف السياسيّة وتخليد الأحداث الفارقة في ذاكرة جدران المدن، بل ساهم في نشر المضامين الثقافيّ والفنّية والحضاريّة، بالمساهمة في إنتاج تصوّر للفضاء العام عبر رموز ورسومات تعبّر عن ثقافة البلد بشخصيّاتها الفنيّة الراحلة من مطربين وشعراء وكتّاب، سواء برسم صورهم أو بكتابة أشعارهم، ليكون بذلك هذا الجدار الملوّن جسر تواصل بين الجيل الجديد والأجيال السابقة، لتعزيز الجدل الهووي الخلّاق.

ونذكر منهم محمد فهمي الشهير باسمه الفنّي المستعار جنزير، وعمّار أبو بكر وعلاء عوض وكيزر من مصر، ومجموعة أهل الكهف والفنّان ال سيد من تونس، وضياء رمبو من السعوديّة وسامي الديك من فلسطين والإخوة أشكمان ويزن حلواني من لبنان، إلخ….

وباعتباره فنّ “الشارع”، هناك قناعة سائدة عند الأغلبيّة بأنّ الغرافيتي هو فنّ ذكوريّ بامتياز. لكن الواقع يكشف لنا عن فنّانات غرافيتي عربيّات ساهمن بقوّة في إشعاع هذا النمط التعبيري الجمالي في مدن العالم العربي.

 

بهيّة شهاب

هي فنّانة ومؤرّخة فنّية ومصمّمة ومتخصّص في الخطّ العربي، وُلدت في سنة 1977.

مع بداية الثورة المصريّة في جانفي 2011، رسمت بهية شهاب شعار لا على جدران كثيرة في القاهرة كاحتجاج على النظام وعلى القمع الّذي تعرّض له المتظاهرين في شوارع القاهرة. وقد اكتشفت أنّ كلمة لافي اللغة العربيّة، يُمكن أن تُكتب بآلاف الطرق، عندما بحثت عن مدلولات كلمة لافي الثقافة العربيّة الإسلاميّة، ثمّ خلقت الإستنسل الّذي رأته معبّرًا في فترة الثورة المصريّة: لا لفرعون جديد.

كما عُرضت لوحاتها الفنّية في عدّة معارض من كلّ أنحاء العالم، كما أنّها ظهرت في الفيلم الوثائقي بنات نفرتيتي عام 2015.

في عام 2010، نشرت بهيّة شهاب كتابًا بعنوان “لا، وألف لا“، وقد عُرفت بفنّها الملتزم بالقضايا السياسيّة والاجتماعيّة العامّة إذ يقدّم كتابها هذا، سلسلة رسومات جداريّة تتمحور حول قول كلمة لا بالعربية بألف طريقة تلخّص من خلالها التاريخ البصري لتخطيط الكلمة.

 

هـــبة أمــــين

الفنّانة هبة أمين

هي فنّانة تشكيليّة وباحثة ومعلّمة مصريّة، وُلدت عام 1980 بمدينة القاهرة، حيث ترعرعت وتلقّت تعلميها الثانوي بالمدرسة الأمريكيّة بالمعادي. ثمّ انتقلت إلى الولايات المتّحدة في 1998، لتدرس الرياضيّات والفنّ التشكيلي.

تلقّت شهادة البكالوريا من كليّة ماك ألستر، لتلتحق ببرنامج الدراسات العليا في كليّة مينيابوليس للفنون والتصميم في 2005. ثمّ نالت شهادة الماجستير في الفنون الجميلة عن مجال التصميم التفاعلي من كليّة التصميم في جامعة مينيسوتا.

بعد الانتهاء من دراساتها، نالت منحة من الهيئة الألمانيّة للتبادل الثقافي من أجل مشروعها “النصب التذكاريّة البديلة” في جامعة العلوم التطبيقيّة بـــــــبرلين.

أسّست منظّمة أثينا السوداء رفقة الفنّان داويت إل بيتروس. وهي واحدة من الفنّانات وراء رسوم الغرافيتي الّتي عُرضت في مسلسلأرض الوطن” (Homeland)، وأثارت ردود فعل عالميّة.

ثمّ اختارها منتِجُو مسلسل أرض الوطن” (Homeland) كي ترسم لوحات غرافيتي واقعيّة في مكان تصوير أحد المشاهد. لكنّ  الرسومات المكتوبة بالعربيّة قد انتقدت المسلسل نفسه، بجمل مثل الوطن عنصري.

وهو ما فسّرته هبة أمين بأنّه موقف ناقد لخلفيّات المسلسل العنصريّة تجاه شعوب الشرق الأوسط، ولتعمّد صنّاعه تزييف بعض الحقائق التاريخيّة.

تتميز أعمال هذه الفنّانة المصريّة بالبحث العميق في علاقة السياسي بالتكنولوجي، ومظهرها في الحياة الحضريّة.

 

لـــيلى عجــــاوي

وُلدت الفنّانه ليلى عجاوي سنة 1990 في مخيّم لاجئين فلسطينيّين قرب إربد، في الأردن.

درست في جامعة اليرموك، وتخرّجت منها في اختصاص الفيزياء الطبيّة، لكنّ الدراسة لم تمنعها من تعميق تجربتها الحياتيّة بالتعبيرات الفنّية مثل الكتابة والإخراج، وقد نالت جائزتيْن عن كتاباتها الأدبيّة.

لكن بقيت موهبة الرسم الّتي امتلكتها منذ طفولتها، وسيلتها الأساسيّة في التعبير عن همومها وأحلامها وقضاياها. فهي تعمل جاهدة على إيصال رسالتها النبيلة حول مكانة المرأة، من خلال اللوحات الفنيّة الهادفة على الجدران.

تركّز عمَلُها عَلى التصوير المجهري لمشاكل المَرأة في الشرق الأوسط عمومًا. لكنّها ركّزت على وضعيّة النساء في مخيّمات اللاجئين، اللّائي يتعرّضن إلى التمييز ومحدوديّة الموارد في أماكن إقامتهم.

وقد قامت مع مجموعة من النساء، برسم جداريّات في مشروع فنّي عامّ تحت عنوان “ستّ الحيطة” مقرّه في مصر، ويهدف إلى استقطاب المرأة للمشاركة في فنّ الشارع.

كلّ رسوماتها تحمل رسائل و رموز تسعى من خلالها إلى تشجيع الفتيات على التعليم، وتطالب بحقوق عديدة لصالح المرأة كي تصبح شريكة أساسيّة في التنمية.

 

آيــــة طــارق

هي فنّانة شارع مصريّة، وُلدت في الإسكندريّة سنة 1990. كان جدّها يعمل مصمّم غرافيك يرسم ملصقات ولوحات لأفلام السينما، وهذا ما جعلها تتّجه للدراسة في كلّية الفنون الجميلة.

الفنّانة آية طارق أثناء الرسم على أحد الجدران

يرى الكثيرون أنّ آية طارق هي أوّل فنّانة شارع حقيقيّة في مصر، حيث كان لها دور هامّ في عدّة أفلام مستقلّة مختلفة، من ضمنهم الفيلم الشهير لـــــ أحمد عبد الله، وهو فيلم ميكرفون الّذي يحكي عوالم مجموعة من فنّاني الشارع في الإسكندريّة.

وقد انصبّ اهتمام آية طارق، أساسًا، على الغرافيتي الّذي انطلقت فيه منذ كان عمرها 18 سنة في عام 2008، حيث بدأت برسم الجداريّات في المساحات المغلقة.

في خريف 2012، شاركت آية طارق في معرض بـــــــــــــبيروت تحت شعار الحائط الأبيض، الّذي ضمّ فنّاني غرافيتي من كلّ دول العالم.

ورغم أنّ الكثيرين يرون أعمالها حاملة لأجندة سياسيّة، فقد وضّحت هي قائلة: “أغلبنا لا يملك أجندا سياسيّة، ليس لنا علاقة بالسياسة، لأنّنا نهتمّ بالأسلوب والتقنيات”.

تؤكّد آية طارق على أهمّية فنّ الشارع، لأنّه يعرض في الشوارع، ويراه الناس جميعهم، رغم الرقابة الضخمة الّتي تُمارس على الشعب في مصر.

 

هـــند خــيرة

هي أوّل فنّانة غرافيتي مصريّة تنشر مجلّة رولينق ستون نبذة عنها. ويتميّز عملها بالقوّة والحدّة والصدق ولا تُوجد أيّ لمسة أنثويّة نمطيّة في جماليّات عملها.

الفنّانة هند خيرة

قد قامت هند بحملة رسم على الجدران في مجمع التحرير ومحيطه خلال اعتصامات عام 2011. كما شاركت في حملة ضدّ التحرّش الجنسي من خلال الاستنسل التالي: احذر! ممنوع اللمس… الخصي في انتظارك!. كان رسم الاستنسل صادمًا استفزازيًّأ، ممّا دفع بعض المارّة إلى توبيخ الفنّانة، وهو ما اعتبرته دليلًا واضحًا على أنّ رسالتها كانت قويّة وفعّالة.

وفي مقابلتها مع مجلّة رولنق ستون أيّدت هند فكرة أنّ فنّ الشارع يملك صوتًا قويًّا، فقالت: “أنت تكتب على جدار في الشارع كي تتحدّث مع الناس. ومن وجهة نظري، فالجدار هو منبر أقوى بكثير من أيّ قناة إعلاميّة، لأنّه لا يُمكن تجاهله بما أنّه أمام أعين الجميع، وهو ما يجعل تجعل يستبطنون المعلومات والأفكار والأخبار الّتي سترسمها”.

 

وقد قام تعاون في السنوات الثلاث الأولى للثورة بين الفنّانتيْن آية طارق وهند خيره، إضافة إلى فنّانات أخريات مثل إنجي بلاطة ومايا غروندال نتج عنه مجموعات فنّية مثل ستّ الحيطة ونون النسوة” اللّتان تضمّنتا تظاهرات دوريّة كثيرة منها تظاهرتيْ غرافيتي حريمي وشارع الفنّ.

 

 

غرافيتي لامرأة في جدّة بالمملكة السعوديّة، فيها صورة إمرأة تلبس كوفيّة رجاليّة ومكتوب تحتها “أنا وليّة أمري”.

لقد لاقى فنّ الشارع، وخصوصًا الغرافيتي، صدًى كبيرًا في البلدان الّتي قامت فيها ثورات، وكان وعاءً أفرغ فيه الشباب والفتيات أحلامهم وثورتهم وغضبهم ويأسهم وشجاعتهم.

لكن في بلدان عربيّة أخرى لم تصلها موجة الحريّة بعدُ، يظلّ المهتمّون بفنّ الشارع متخفّين ويمارسون صنع الجمال سرًّا، خوفًا من عصا الأنظمة أو السجن أو الاغتيال.

وتظهر شجاعة النساء في هذه الدول في حجم المخاطرة الّتي يخوضونها كي يعبّروا عن شعورهم بالظلم في مجتمعات أبويّة ذكوريّة ودول استبداديّة، من خلال صور غرافيتي نسويّة في السعوديّة والبحرين، إلخ…

 

 

 

 

مهدي الغانمي

مقالات ذات صلة

اترك رد