مدوناتسياسة

حلم استقلال أكراد العراق، هل يحقّقه الاستفتاء؟

سياسة عربية: العراق

 

تغصّ الشوارع في المدينة الكردية التي أقيم فيها بالأعلام، معلّقة في كل مكان، وتكاد كل سيارة تعبر تضع علماً كردياً أو علمين، وهي فوق البيوت وعلى أسطح المحال التجارية، وفي الأيدي..علم كرديّ بالأحمر والأبيض والأخضر تتوسّطه شمس.

شمسٌ يحلم أكراد العالم أن تشرق عليهم وهم يحكمون أنفسهم بأنفسهم، وعلى أرض تجمع شملهم.

حال المدينة لا يختلف عن غيرها من المدن، فالمحافظات الكردية الثلاث التابعة لإقليم كردستان في العراق (أربيل/ السليمانية/ دهوك) تحتضن مظاهرات حاشدة منذ أسابيع، استعداداً للاستفتاء المرتقب على الاستقلال والانفصال عن العراق في 25 من أيلول الجاري.

 

كيف بدأ الأمر؟

يتمركز أكراد اليوم في عدة دول متجاورة، هي العراق وسوريا وتركيا وإيران، متجاورين لكن لا تحكمهم دولة واحدة، حدث هذا

رحمة الراوي

منذ سايكس بيكو الذي وزّع الولايات العثمانية على دول حديثة، ولم يكن من نصيب الكرد دولة مستقلة، رغم أنه حلمهم الأول والأصيل.

لم يرض الكرد بالواقع الذي فُرض عليهم، خاضوا عدة تمردات، وحاربوا، وقتل الآلاف، وكان أكراد العراق الأكثر قوة وجرأة في المطالبة باستقلالهم وتخلّصهم من حكم الآخرين وظلمهم، حتى استطاعت المحافظات الكردية الثلاث الحصول على الاستقلال الذاتي عام 1991 إبان حكم صدام حسين للعراق وبعد مفاوضات كثيرة، استقلال جاء بعد دمٍ وفوضى وحروب.

 

عراق ما بعد 2003

منذ 2003 وبعد دخول القوات الأمريكية إلى العراق، وانقسام الواقع السياسي العراقي بشكل حاد وتحوّل الأطراف الحاكمة إلى مشاريع طائفية ومذهبية وعرقية، والكرد يطالبون بفيدرالية خاصة بهم وتحت حكمهم بمعزلٍ عن الحكومة العراقية، رغم أن الدستور العراقي الذي كتب بعد الاحتلال نصّ على وحدة الأرض العراقية وعدم تقسيمها أو تجزئتها، لكن الحلم الكردي يصرّ على الظهور بين وقت وآخر وبقوة، حتى جاء عام 2014، العام الذي دخل به تنظيم الدولة الإسلامية “داعش” إلى العراق واحتلّ أكبر محافظاته، الأنبار، والموصل المجاورة للأراضي الكردية والتي يعيش فيها عدد كبير من الأكراد أيضاً، بعد ذلك التاريخ استطاعت قوات البيشمركة الكردية أن تقاتل التنظيم وتستولي على كثير من القرى والمدن المتنازع عليها بين الحكومتين العراقية والكردية، هذه الأراضي كانت القوات الكردية تسيطر عليها امنياً ثم تم ضمها بشكل كلي بعد ذلك، فالأرض التي تستعاد بالدم تصبح ملكاً لمن يحررها، وهكذا وسّع الإقليم الكردي من حدود أراضيه، وصار يطالب بضمّها إليه، وهي الأساس في مطالباته الحالية بدولة مستقلة.

أما محافظة كركوك المليئة بالنفط والتي يحلم الأكراد بالحصول عليها، فمن خلال نفطها سيتمكّنون من الحكم بقوة أكبر وتحت أيديهم أموال أكثر، فهي محافظة متنوعة الأعراق والمذاهب، ففيها أكبر تواجد للتركمان داخل العراق، وكذلك نسبة كبيرة من الكرد، ونسبة من العرب،لكن مطامح الكرد بالسيطرة على المحافظة جعلتهم يقاتلون من أجلها طويلاً، حتى استطاعوا إلحاقها بسيطرتهم ولو بشكل جزئي، فالمدينة وضعها فوضوي، بين سيطرة كردية وحكومة عراقية ضعيفة لا تستطيع استعادتها منهم تماماً، كركوك هي أهم ما يريده الأكراد اليوم، وخضوعها لهم يحقّق لهم جزءا كبيراً من مطامحهم، فهي مدينة غنية، وأكرادها يطالبون بالاستقلال أيضاً، ووجودها ضمن الإقليم الكردي واحد من أهم الأسباب التي تدفع الحكومة الكردية للمطالبة بالانفصال.

 

الاستفتاء

قرّر رئيس إقليم كردستان مسعود برزاني أن استفتاءً سيتم داخل الأراضي الكردية في الخامس والعشرين من الشهر الجاري سيتم من خلاله معرفة نسبة الأكرادالذين يرغبون بالانفصال التام عن العراق، ورغم ما قيل عن كون ما سيحدث مجرد استفتاء قد لا يغير من الواقع شيئاً، وأنه سيكون لجسّ نبض الشارع الكردي ومعرفة ما يريده، سواء البقاء مع العراق أو الانفصال، إلا أن اقتراب موعد الاستفتاء جعل الأصوات الرافضة له تتعالى وتزداد حتى وصلت حدّ التهديد العسكري!

الرفض الحاد من قبل الحكومة العراقية لحدوث الاستفتاء، والذي عبّر عنه البرلمان العراقي، والمحكمة الاتحادية، وخطابات رئيس الوزراء حيدر العبادي، لم تثن مسعود برزاني عن الإصرار على إجراء الاستفتاء، ورغم المعارضة التي أعلنتها الولايات المتحدة بشكل متواصل، والتلويح بمقاطعة الإقليم من قبل إيران، والتهديدات التركية التي رأت أن إجراء الاستفتاء مهدّد لأمنها القومي، فداخل الخريطة التركية ملايين الأكراد، مثلما هم في الداخل الإيراني، وأي خطوة نحو تقرير مصير أكراد العراق قد تعني ثورات وموجة جديدة من التمرد في تركيا وإيران، لذا كان الرد الإيراني والتركي حازماً تجاه هذا الأمر، ورافضاً له رفضا قاطعا، وجعل تركيا تقوم بمناورات عسكرية على حدودها مع العراق،لكن هل سيلغى الاستفتاء؟

يصرّ العراق على ضرورة إلغاء الاستفتاء ودعوة الأطراف الكردية لقبول الحوار مع بغداد لحل المشكلات بين الطرفين، ورغم أن الجانب العراقي ضعيف ومطالباته غير مسموعة تماماً، إلا أنه يعوّل على الرفض الأمريكي بالدرجة الأولى، والرفض التركي والإيراني، فهو يعلم أن ما سيحدث لأكراد العراق سيمسّ تماماً تلك الدول الحريصة على استقرارها وعدم الدخول في حروب لا جدوى منها. ومع هذا يبدو الطرف الكردي مصراً على المضي قدما في هذا الطريق الطويل والشائك، خصوصاً وأن أكثر من أربعة ملايين كردي في محافظات أربيل والسليمانية ودهوك، وكركوك أيضا التي صوتّت لخوض الاستفتاء، هؤلاء الملايين يحتشدون في الساحات مطالبين بتلبية رغبتهم وتحقيق ما حلموا به طويلا من تشكيل دولة واحدة لهم، حتى أن الأحزاب الكردية بمعارضيها تقف في صفّ تقرير المصير، مع وجود بعض الأصوات المطالبة بتأجيل موعد الاستفتاء.

 

حلم الجبال

يرغب الأكراد بدولة واحدة تجمع شملهم المشتت في دول متعددة، فرّقتهم الجغرافيا، والحدود، واللغات، وحرموا من حقوق كثيرة، في العراق وتركيا وإيران وسوريا، من منع للكلام بلغتهم أو دراستها، وحتى حرمانهم من تسمية أنفسهم وأبنائهم بأسماء كردية، أو ارتداء أزيائهم الخاصة، لكن الإنسان الكردي عُرف بقوّته وإصراره وشدة عناده، ويقال أن هذه الصفات قد ورثوها من الجبال التي عاشوا بين أحضانها منذ آلاف السنين، ولذا لم يثن الأكراد شيءٌ عن مطالبة الأكراد بالحفاظ على هويتهم القومية وحقوقهم اللغوية والثقافية الا ان خيار الانفصال يمزق وحدة العراق الضعيفة أصلا منذ الاحتلال الامريكي فضلا عن كونه يمثل خطرا على دول الجوار وعلى أمنها واستقرارها العام. فالمنطقة تعاني من مشكلات كثيرة وليس هناك ما يبرر مزيد إرهاقها بأزمات ومشكلات إضافية . ويبقى التحدي القائم كيف يمكن الحفاظ على كيان الدولة الوطنية في المنطقة في اطار من الوحدة والتنوع وكيف يمكن خطي حاجز القوميات المنغلقة على نفسها في اطار من التعاون العربي التركي والايراني والكردي.

 

رحمة الراوي

 كاتبة ومحللة عراقية تختص في الشؤون العراقية والعربية

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

شاهد أيضاً

إغلاق