مدوناتدين وحياة

الزواج ليس للأطفال!

تدوينة لتمارة الفاخوري

 

ما الذي نريده من الزواج؟ سؤال ذو إجابة فضفاضة، يأخذ كل فرد منه مساحة تناسب احتياجاته وما يعكس مفاهيمه..

ولا ننكر أننا في الآونة الأخيرة شهدنا قفزة نوعية في تطور مفهوم الزواج واحتياجاته، متأثراً بعوامل مختلفة كزيادة الوعي عند الشباب والفتيات، وكسر حواجز مجتمعية طالما كانت قيوداً لا يمكن التهرب منها. لكننا بالرغم من ذلك ما زلنا نشاهد في مجتمعاتنا العربية من لا يرى الزواج الا سبيلا لافراغ الطاقة الجنسية واشباع الغرائز الحسية فحسب.

ما الذي ستحققه طفلة بعمر الثانية عشرة في بيت الزوجية؟ الأمر لن يتعدى ارتباطها برجل غريب عنها لم تعرفه سوى منذ

تمارة الفاخوري

بضعة أشهر، يطلب منها أن تؤدي واجبها نحوه وهي التي لم تكن تعرف الا الواجب المدرسي! لكنها من الآن مطالبة بأن تدير منزلها وتنجب أطفالاً تطعمهم وترعاهم، دون القدرة على مدهم بالإشباع المعنوي والنفسي، ناهيك عن توجيههم وانضاج مواهبهم والارتقاء بمداركهم، ففاقد الشيء لا يعطيه.

هذه الطفلة التي تزوجت وهي ليست مهيأة لهذا الحِمل الكبير، ستبقى داخلها فجوة جوفاء نشأت حين فرض عليها القفز على المراحل العمرية من الطفولة الى النضج، من صغيرة تلهو مع رفيقاتها وتحلم بأشياء صغيرة بسيطة الى “امرأة” مثقلة بالمسؤوليات تجاه زوج وأبناء، “امرأة” في جسد فتاة تنكح وتحمل وتلد وتربي وهي التي لا زالت في حاجة للرعاية والتوجيه والتربية..

 

قصة هبة

نشر “سي إن إن” التركي قبل أيام حادثة وقعت في مدينة أضنة التركية، بطلتها طفلة سورية تدعى هبة، وبلغ من العمر 14 عاماً، ذهبت مع زوجها إلى أحد المراكز الطبية في المدينة هناك، وبالصدفة لاحظ الطبيب التركي صغر سن الأم، فأخبر الشرطة التي بدورها اعتقلت الزوج بتهمة الاعتداء الجنسي على الأطفال، وعند التحقيق مع الأم تبين أنها أُجبرت على الزواج، وهذا ما أنكره الزوج.

إذن، ما ماهية العلاقة بين هذين الزوجين حين تتزوج الطفلة دون رغبة أو قبول، ودون مبالاة من زوجها الذي يعلم أنها مجبرة؟! الزواج في هذه الحالة لا يمكن أن يولد مشاعر الحب والألفة والمودة بين الطرفين التي تعتبر قوتاً لاستمرارية حياتهما معاً، والنتيجة أن تحرم الطفلة من العطف والرفق من والديها اللذين ظلماها حين حكما عليها بالزواج، ومن ثم من زوجها الذي زاد في تجفيف منابع الحس في قلبها، والذي لا يرى فيها الا أداة لتحقيق رغباته الجنسية.

 

ما أسهل أن يُورث الجهل! تلك الطفلة التي تزوجت والذي حالَ زواجها دون إتمام تعليمها وحرمانها من فسحة من العمر تكبر فيها هانئة البال دون أعباء الاسرة والزواج، والمسؤوليات الكبيرة التي حطت على كاهلها، والظروف القاسية التي تعرضت لها منذ الصغر، عدا عن احتمالية تعرضها للعنف اللفظي أو الجسدي أو النفسي حينما تتمرد، جل هذه الظروف ستنطبع في أبنائهما، وتنتج جيلا آخر مختلا ناقص الاسباع العاطفي والمعنوي.

 

الزواج تحت ظروف اللجوء

 

عائلة هبة السورية اللاجئة في تركيا كغيرها من آلاف العائلات التي تهجرت قسراً -تحت ظروف قاهرة وفقر مدقع- تلجأ إلى تزويج فتياتها لتخفيف العبء عن العائلة، وخوفاً على أعراضهن في ظل الظروف غير الآمنة خارج الوطن، لكن هذا إجحاف بحق الأطفال، فما مِن وجود لمقومات الزواج الأساسية الصحيحة.

في الغالب لا يعلم الأب جيدا لمن زوّج ابنته، وقد ينتهي المطاف بابنته بالذهاب والسكن بعيداً جداً عن مكان أهلها، دون القدرة على التواصل، وهذه الطريقة في الزواج تعرض الفتاة إلى ظروف أكثر قسوة من الفقر، فانسلاخها عن عائلتها بداعي الزواج يعرضها للعنف الجسدي واللفظي والنفسي من قبل الزوج، وقد ينتهي بالطلاق وتشرد الأطفال. وهنا من حيث أراد الأهل حماية البنت و”عرضها” أوقعوها في شرك الظلم والضياع وربما فقد الأمان.

 

الزواج ليس للأطفال! هذه أفضل عبارة يمكن أن نقولها، الزواج مفاهيمه ومفاتيحه واضحة، ذو منظومة كاملة متعددة الأركان، أساسها القبول أولاً والتوافق في العمر والفكر، وحتى في كم المشاعر المتبادلة، ولا يمكن اللجوء إليه لسد ثغرة ظرف طارئ، أو لتلبية قناعة متخلفة تنادي بستر البنات طالما بلغن. وإن لم يحقق سلاماً وعدلاً، فقد أفرز ظلماً واستنزافاً عاطفيا وجسديا للفتاة التي لم تكد تبلغ..

فلندع البنات لألعابهن، ولنبق فيهن روحهن المشرقة ولا نتعجل على إطفائها!

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.