مجتمعالرئيسي

الغارديان: ما سر اتجاه الموضة نحو الاحتشام؟

التنانير أطول وياقات الأقمصة أعلى، صحيفة الغارديان البريطانية ترصد اتجاه دور الأزياء العالمية نحو الاحتشام

 

هل تفضلين التنانير متوسطة الطول، التي تغطي ركبتيك على التنانير القصيرة؟ وعند ارتدائك لفستان مكشوف، هل ترفقينه في بعض الأحيان بقميص ذو ياقة عالية تحته؟ أو هل تميلين إلى ارتداء كُم فضفاض خلال استراحة الغذاء؟ فإذا كنت بصدد الاطلاع على هذا المقال، إذن ستكون الإجابة على هذه الأسئلة هي: نعم.

 

يعتبر المظهر الرائج لسنة 2017 محتشما بشكل واضح مقارنة بما سبقه من أزياء خلال العقد الأخير. فخلال هذه السنة، ازداد طول حد الثياب بضع بوصات، إذ انتقلت من مستوى فوق الركبتين إلى ما تحتها. كما يندرج ضمن هذه القاعدة الياقة العالية، التي تصل إلى ذقنك، إلى جانب فساتين السهرة ذات الأكمام الطويلة بدلا من فتحة عنق طويلة. بعبارة أخرى، إذا كنت ببساطة منساقة وراء الموضة فقد أصبح لباسك متميزا بالاحتشام.

 

عندما افتتحت فيكتوريا بيكهام دار الأزياء الخاصة بها قبل عقد من الزمن، أعلنت أناقة تصاميمها عن أن أيام الهزل قد ولت. في هذا الإطار، تم استبدال التصاميم التي تتضمن بروز شق الصدر وموضة دايزي دوك، بالفساتين الأنيقة التي يتجاوز طولها الركبتين وتكشف فتحة الصدر فيها عن الترقوة فقط.

ومنذ ذلك الحين، تطور خط ملابس السيدة بيكهام، الذي يمثل أحد أكثر خطوط الأزياء تأثيرا في العالم ومتابعة من قبل المصورين الفوتوغرافيين. كما تعتبر أزياؤها الحالية فضفاضة ومنسابة، فضلا عن أنها تخفي شكل وسطح الجسم في الآن ذاته.

 

خلال أسبوع الموضة في باريس، كان للعلامة المميزة لمظهر فالنتينو أثر قوي على الموضة خلال سنوات الخمس، التي اكتسحت بها دار الأزياء الإيطالية. وقد قدمت هذه الدار تصاميم طويلة وسلسة أزياء ذات شكل منساب يوحي بملامح الجسم لكن لا يلتصق به. وقد جسدت هذه الأزياء خيالا رومنسيا، يترواح بين مظهر بطلة بروني وأميرة عصر النهضة، التي أثبتت سحرها وجاذبيتها لفتيات الحفلات العصريات اللاتي مللن ارتداء الفستان الأسود القصير.

 

من مجموعة فالنتينو لفساتين السهرة

 

وفي شأن ذي صلة، قالت رئيسة التحرير لمجلة هربر بازار الأمريكية، جاستين بيكاردي، إنها لاحظت التغير التدريجي في “السيلويت” على مدى السنوات الخمس التي عملت فيها في المجلة إلى حد الآن. وأضافت بيكاردي “إنني أرى ذلك على منصة العرض وفي المكتب أيضا، حيث أجد في غالب الأحيان فستانا طويل الأكمام متميزا بنوع من الرشاقة. وقد تضمنت مجموعات الأزياء، خلال هذا الموسم، الكثير من الأزياء التي يتجاوز طولها الركبتين أو مكتملة الطول التي وجدت طريقها إلى المتاجر الرئيسية للموضة”.

 

وما يثير الاهتمام أن هذا التحول نحو الاحتشام تزامن مع توجه الموضة الصريح نحو النساء المحتشمات، لأسباب دينية أو ثقافية، إلى تجارة كبيرة. وفي هذا الصدد، لفتت دار أزياء “ذا موديست” الكثير من الأنظار في مجال التجارة الإلكترونية عندما أطلقت في يوم المرأة العالمي هذه السنة أزياء محتشمة من الطراز الفاخر  مخصصة للمرأة المحجبة.

 

بالإضافة إلى ذلك، تبيع دار أزياء دولتشي أند غابانا العباءات وتجهز شركة نايكي النساء الرياضيات بلفات الحجاب. وفي كل أسبوع موضة عالمي، تميل الجمالية المهيمنة في الموضة نحو طرف ثوب أطول وياقات أعلى ونسيج أكثر كثافة.

 

لكن، هل يوجد فرق بين اللباس المحتشم باعتباره قضية سياسية وثقافية والاحتشام باعتباره موضة؟ ففي وقت تتصاعد فيه التوترات حول كيفية تأقلم المجتمعات متعددة الثقافات، تدخل الموضة التجربة الجمالية للمرأة المحجبة، التي أصبحت في حد ذاتها اختزالا بصريا للإسلام.

 

وفي هذا السياق، أفادت رينا لويس، أستاذة متخصصة في الدراسات الثقافية في كلية لندن للأزياء، “أنا بصدد رؤية أكمام وأطراف أطول وياقات رقبة أعلى ونسيج أكثف. ولا يعني ذلك فقط غطاء أكثرا بل حجما أكبر وبالتالي سيحجب ذلك شكل الجسم”.

 

قميص وتنورة من تصميم دار ايف سان لوران

 

في الحقيقة، تعكس الموضة العالم المحيط بها. وفي هذا الإطار، أصبحت النساء اللواتي يرتدين الملابس المحتشمة موجودات في شوارع المدن الحديثة ووسائل الإعلام على حد السواء. علاوة على ذلك، تركز اقتصاديات صناعة الموضة على ملابس المحجبات. وتجدر الإشارة أيضا إلى أن دار أزياء فالنتينو مملوكة لشركة مايهولا للاستثمارات، وهو صندوق استثمارات تابع لأمير قطر. كما أن الحرفاء في الشرق الأوسط يشكلون سوقا مهمة بالنسبة للعديد من العلامات التجارية في كل من ميلانو وباريس.

 

 

من جهة أخرى، لاحظت ألكسندرا شولمان، وهي كاتبة عمود حاليا في موقع “بيزنس أوف ذي فاشن” بعد 25 سنة من العمل كمحررة في مجلة فوغ، التحول الذي شهده تصميم الأزياء. كما بينت شولمان أنه قد يتم ارتداء الفساتين القصيرة، على سبيل المثال، مع السراويل، عوضا عن ارتدائها وحدها.

 

وفي سياق متصل، أضافت شولمان أن عددا كبيرا من الأزياء، خلال عرض لمجموعة شانيل، صممت بطريقة توافق اللباس المحتشم. وقد أوضحت شولمان أيضا أنه رغم عدم وجود مانع يحول دون اقتناء الفستان القصير دون السروال، يتمثل التأثير اللاشعوري في جعل المظهر المحتشم أمرا مواكبا للعصر.

 

فضلا عن ذلك، يرى المدير الإبداعي لماكس مارا، إيان جريفيث، أن تجربة الأداء للعارضة المحجبة، حليمة آدن، خلال عرضه الأخير كانت أمرا مواكبا للعصر. على خلفية ذلك، أخبر جريفيث مجلة فوغ أن رؤية إحدى المحجبات مرتدية لمعطف ماكس مارا في أحد الشوارع التجارية في أي مدينة رئيسية لن يكون أمرا مفاجئا، ثم أردف قائلا “إذن لماذا لا ينبغي لنا أن نعكس ذلك على مدارجنا أيضا؟ ”

 

إذن، هل يمثل الاتجاه السائد للاحتشام صيحة ذات مغزى، أم هو مجرد ذر رماد على العيون من قبل الطبيعة الدورية لعالم الأزياء؟ وأشارت شولمان إلى أن أزياء بوديكون جسدت القاعدة لفترة طويلة، إذ أن تغطية الجسد تمثل قيمة مبتدعة نوعا ما للشابات.

 

وبينما يمكن للموضة أن تعمل بمثابة نقد اجتماعي، يمكنها أن تكون أيضا نوعا من اختبار رورشاخ، حيث يمكن لنا رؤية ما يقبع في رؤوسنا فعلا بالقدر الذي يمكننا به رؤية ما هو موجود أمامنا.

 

 

وفي هذا الصدد، أفادت لويس أنه “عندما  انتشرت موضة “كوم دي غارسون” خلال الثمانينات، شبهها الناس بالغربان السود ولم يعتبروها مظهرا من مظاهر الاحتشام. لقد أصبح ارتداء ملابس ساترة أمرا مسيسا”.

 

فالنتينو 2017

 

وتجدر الإشارة إلى أن الفساتين الطويلة لها دلالات مختلفة في أوقات مختلفة. ومن هذا المنطلق، استوحى إرديم مجموعة أزيائه الأخيرة المكونة من فساتين مزركشة طويلة تعود إلى صيحات ثلاثينيات القرن الماضي والقرن السابع عشر.

 

ومهما كانت أصولها، فإن الموضة السائدة للملابس المحتشمة آخذة في الانتشار في الأرجاء. وتتوقع ناتالي كينغهام، مديرة مبيعات موقع “matchesfashion.com“، أن الفساتين الطويلة التي يفوق طولها مستوى الركبتين ستكون المظهر الرئيسي خلال فصل الخريف، بينا ستكون التنورة الحريرية متوسطة الطول لفصل الشتاء.

 

من جهة أخرى، يثق كوكو شان، رئيس قسم الملابس النسائية في موقع “stylebop.com“، أن الياقة العالية ستكون جزءا من الموضة الرائجة إلى حدود السنة القادمة.

 

“في العادة أميل إلى ارتداء فساتين بلا أكمام في الطقس الحار، بيد أنني قبل سنتين كنت في الهند، وكان جسدي مغطى تماما. وعندها أدركت مدى الراحة التي ترافق ذلك حيث أنني شعرت بالأمان. بالتالي، إنه لمن الصحيح أن يقترن ذلك بإحساس من التحرر”.

ألكسندرا شولمان،   Business of Fashion

 

 

علاوة على ذلك، قالت فيكتوريا بيكهام مؤخرا أن “السيلويت أو التصاميم التي تتمتع بمرونة أكثر من شأنها أن تمد مرتديها بالقوة، أكثر من الشخص الذي ينظر إليها”. وبينما كانت التنورة متوسطة الطول رمزا لمناصرة النسوية لأنها اعتبرت رسالة تعبر عن التحرر، أصبح ينظر إلى الثياب الطويلة بمثابة شارة للمرأة التي لا تشعر بحاجة إلى أن يكون جسدها مركز هويتها.

 

على صعيد آخر، أردف المصمم جاستين ثورنتون قائلا “لا أعتقد أن عدم السماح لهن بإظهار أجسادهن له علاقة بالأمر، بالنسبة لعميلاتنا”. وتجدر الإشارة إلى أن ثورنتون أسس دار “برين”، وهي العلامة التجارية التي تحولت على مدى العقد الأخير من كونها مشهورة بفساتين السهرة الضيقة إلى الملابس المحتشمة التي تغطي الساقين.

 

وأضاف ثورنتون أن “ثيا بريغازي، (زوجة ثورنتون والمصممة المشاركة) وأنا أفكار نستلهم أفكار تصاميمنا من أصدقائنا، إن كانوا نسوة في المجال الصناعي أو العاملات. وتمثل الطريقة الأكثر سلاسة في ارتداء الملابس خيارا إيجابيا بالتأكيد بالنسبة لهن”.

 

وفي السياق ذاته، اعترفت شولمان بهذا الشعور، حيث فسرت “في العادة أميل إلى ارتداء فساتين بلا أكمام في الطقس الحار، بيد أنني قبل سنتين كنت في الهند، وكان جسدي مغطى تماما. وعندها أدركت مدى الراحة التي ترافق ذلك حيث أنني شعرت بالأمان. بالتالي، إنه لمن الصحيح أن يقترن ذلك بإحساس من التحرر”.

 

في الواقع، تكمن مسألة الخيار الفردي في أي مناقشة تدور حول تمكين المرأة واللباس المحتشم. فضلا عن ذلك، باستطاعة الملابس أن تعبر عما يقدّره المجتمع في المرأة وما الذي يخشاه منها. وتبدو هذه الأحكام موجودة في كل مكان، سواء تم تعريفها بشكل صريح أم لا. من جانبها، أوضحت رينا لويس أن “ارتداء ملابس محتشمة قد يكون مرتبطا بمجتمع قائم على نظام أبوي يرغب في السيطرة على الحياة الجنسية للمرأة”.

 

وفقا لما أفادت به لويس، “لا تبدو الفكرة الآنف ذكرها خاصة بثقافة واحدة، ذلك أن المرأة يتم إخضاعها لأحكام وضوابط أكثر من الرجل. فعلى سبيل المثال، لنتأمل إذلال البدينات الذي يحدث داخل مجتمعنا العلماني”. ومما لا شك فيه أن الموضة أصبحت تعكس العالم الذي من حولها أكثر من أي وقت مضى، سواء كان ذلك للأفضل أو للأسوأ. وفيما يتعلق باللباس إن كان قصيرا أو طويلا، يبدو الأمر أكثر تعقيدا من مجرد مسألة الطول.

 

مقال مترجم لمجلة ميم من اللغة الانجليزية

الصحيفة: الغارديان

الكاتب: جيس كارتنر مولي

المصدر: https://www.theguardian.com/fashion/2017/sep/13/the-great-cover-up-why-were-all-dressing-modestly-now

 

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.