مجتمع

هل التعليم فعلا للجميع؟

العودة المدرسية: كيف تعيد المدرسة انتاج الطبقية الاجتماعية؟

 

تتعدد الحكم و العبر حول قيمة التعليم في أغلب المجتمعات فيقول مالكوم إكس “التعليم هو زواج سفر إلى المستقبل” و يشيد إدورات افريت بأهمية التعليم قائلا “التعليم يحرس البلاد أفضل من جيش منظم”.

 

المؤرخون أنفسهم يؤكدون على أن نظام التعليم قد لعب دورًا هامًا للغاية في نقل أفكار ومُثل عصر التنوير. فقد كان نظام التعليم في أوروبا خاضعًا للتطوير بصفة مستمرة، وقد استمرت تلك العملية خلال فترة عصر التنوير والثورة الفرنسية. فلا يكفي أن نتعلم بطريقة إعتباطية فلخطة التعليم أو الأستراتيجيا التي يتبعها المشرفون على برامج التعليم دور أساسي في تشكيل وعي اجتماعي متناسق و متكامل. كما أن دمقراطية التعليم لها وزن هائل في تحقيق هذا المناط.

 

ففي  خلال القرنين السابع عشر والثامن عشر كان ينظر إلى التعليم على أنه ميزة لا تستحقها إلا الطبقات العليا. ثم تم توفير التعليم لكل الطبقات و ظهر علم اجتماع التربية نتيجة لجملة من التطورات الاجتماعية، منها توقع دور النظام التعليمي في ترسيخ الديمقراطية الاجتماعية والتربوية والحراك الاجتماعي عن طريق التحصيل المدرسي، كذلك إعداد الطلاب للحصول على فرص عمل، وتعزيز دور المدرسة في التنشئة الاجتماعية للطفل

 

 

 

و لكن نلاحظ في عصرنا هذا و في مجتمعاتنا العربية اضمحلالا هائلا للتفكير  لإيجاد أفضل الطرق لتقديم العلم و التربية السليمة لأبنائنا، مع تغافل واضح عن مبدأ  تكريس تكافئ الفرص، فنرى أولا شتى أنواع التمييز و العنف الرمزي في المدارس الحكومية و كذلك تكاثر المدارس الخاصة وتنافسها مع العامة، مولدة نوعا من اللا عدالة الاجتماعية في طلب العلم.

 

مبدأ تكافئ الفرص في التعليم

بقطع النظر عن تاريخ ظهوره، ينبني هذا المبدأ على أسس مهمة  حسب الباحث جمال علي الدهشان تتمثل في التكافؤ أو العدالة أربع مجالات , أولا فى القبول والالتحاق، ثانيا في ظروف التعليم الداخلية أو ما يطلق عليه عدالة المعاملة، ثالثا في فرص العمل بعد التخرج و اخيرا المساواة فى الظروف الاجتماعية والاقتصادية فى المجتمع أو ما يطلق عليه التكافؤ الاجتماعي.  ويقصد بهذا وجود تكافؤ أو تقارب بين الأفراد فى الفرص الاقتصادية والاجتماعية بالحد الذى لا يسمح بضياع فرص التعليم على أحد أو تحديدها أو التأثير فيها بسوء.

 

فالتكافؤ فى القبول، وفى ظروف التعليم الداخلية وإن كان ضرورياً لتقارب فرص التعليم، إلا أنه يعتبر غير كاف، طالما يعانى بعض هؤلاء التلاميذ من ظروف اجتماعية واقتصادية صعبة.

و ما يزيد الطين بلة هو تدهور التعليم العام الذي كان مقصد الجميع لطلب العلم  و تزايد ظهور مدارس

خاصة يهرع إليها الأولياء هربا من مشاكل التعليم العام و أملا في تمكين أبنائهم من تحصيل مستوى تعليم محترم. دون الوعي يحدث هؤلاء شرخا كبيرا بينهم و بين  الطبقات الفقيرة و المتوسطة  التي ستعيد صناعة نفسها من جديد ليعود التعليم حكرا على أبناء الطبقات البرجوازية كما كانت في القرون الوسطى.

فتدهور مستوى التعليم العام الذي يقصده الفقراء يؤدي في الأغلب إلى انحدار مستوى التأهيل عند  التخرج و ضعف عروض الشغل، في حين تنعم الطبقة الأخرى بفرص جامعية أفضل.

 

المدارس الخاصة و العامة

يرى وكيل كلية الإقتصاد و العلوم السياسية بالقاهرة الدكتور مصطفي العلوي أن”الأصل في الأمور أن التعليم هو مسؤولية الدولة ممثلة في الحكومة‏.‏ فإذا كان التعليم حقا للمواطن فإن تقديم خدمة تعليمية جيدة ومتطورة لذلك المواطن هو من مسئوليات الدولة الأساسية‏.‏”

غير أن مساهمة القطاع الخاص في إنشاء وإدارة المدارس والجامعات وغيرها من المؤسسات التعليمية تنامت في العقد الأخير من القرن العشرين ومع بدايات القرن الحادي والعشرين‏,‏ وذلك اتساقا مع عمليات التحول الاقتصادي  والاجتماعي التي تحدث في العالم شرقا وغربا‏. وتتفاوت هذه المساهمة في وزنها النسبي من مجتمع إلي آخر، ‏فهناك مجتمعات لاتزال حريصة علي إبقاء الجزء الأكبر من الخدمات والأنشطة التعليمية في إطار النشاط العام ضمن مسؤوليات الدولة.

 

العنف الرمزي و الطبقية

 

عمل بيير بورديو من خلال تحليله السوسيولوجي إلى الوصول إلى مبدأ أساسي هو التفاوت في النجاح الدراسي للأطفال المنحدرين من طبقات اجتماعية مختلفة، فالأصل الاجتماعي يعتبر المميز الأساسي الذي يتحكم في النجاح المدرسي. بخصوص الرأسمال اللساني مثلا، نلاحظ عدم تكافؤ بين أفراد الطبقات العليا و الدنيا، مما يزيد من حظوظ أفراد الطبقات العليا في النجاح الدراسي، وهنا يقول بورديو:

 

« التوزيع اللامتكافئ للرأسمال اللساني ذو المردودية النسبية، بين مختلف الطبقات الاجتماعية يشكل إحدى التوسطات الخفية و التي تتأسس خلالها العلاقة بين الأصل الاجتماعي و النجاح المدرسي»

 

وهكذا فالمدرسة اليوم تلعب دورا أساسيا في إعادة إنتاج العلاقات الاجتماعية السائدة في المجتمع محققة هيمنة الدولة وسيادتها بواسطة الإقناع والتراضي حسب تعبير غرامشي أو بواسطة عنف وإكراه وقسر يختلف عن عنف الدولة المادي بكونه عنفا رمزيا حسب بيير بورديو.

إن ثقافة المدرسة كما يرى باسرون و بورديو، ليست على نحو مباشر الثقافة البورجوازية،لكنها متساوقة معها بكيفية مباشرة، خصوصا عبر السلوكات الذهنية، واللسانية والثقافة.

المدرسة هنا واحدة من آليات انتاج التفاوتات الاجتماعية، لا معنى لتساوي الحظوظ فيها،  ليس لان المواهب التي تمتلكها الطبقات المهيمنة موزعة بكيفية متفاوتة، بل لأن المدرسة تشيع ثقافة ونمط عيش وأساليب تخاطب الطبقات المبجلة. إن جل ميكانيزمات المدرسة هي في الأصل أساليب لانتقاء أطفال الطبقة المحظوظة وإقصاء الآخرين. فمدرسة إعادة الإنتاج حسب بورديو لا تنتج أطفالا أحرارا، خصوصا وأن التفاوتات المدرسية منظور إليها كتفاوتات في الاستحقاق. تضفي الشرعية على الفروقات الاجتماعية التي تصدر عنها وتعيد إنتاجها.

هنا يتحدث بيير بورديو عن مدرسة واحدة يستطيع أن يقصدها الجميع يتم فيها التمييز بهذه الشاكلة، فكيف إذا ما نظرنا للصورة الأوسع في مجتماعتنا التي أصبحت فيها المدارس الخاصة باهضة الثمن مقصد الفئات المرفهة في دولنا العربية،  فهل لنا أن نتصور كيفية التوزيع الطبقي التي ستكون عليها مجتمعاتنا في الأمد البعيد؟

 

رحاب الخترشي

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.