الرئيسيثقافة

فيلم “فيكتوريا وعبدول”: مثال آخر لمحاولة المخرجين البريطانيين تبييض الاستعمار

بقلم عمرو القاضي

في الوقت الذي ينبغي فيه أن نحترم الأرواح التي أزهقت على يد المستعمر، ترانا نعمل على تجاهلها ونسعى إلى محو أثرها.

في العادة، من النادر جداً أن أترك قاعة السينما وأنا أحس بشعور بليغ بالإهانة. ولكن البارحة، جعلني فيلم “فيكتوريا وعبدول”، الذي صدر مؤخراً في قاعات السينما، أشعر كذلك. في الواقع، وتماما مثل حكومة المحافظين، التي تعمل على إسقاط الدولة في مزبلة الانعزالية مرة أخرى، يحاول هذا الفيلم البريطاني التشبث بصفة مبالغ فيها بالماضي. في المقابل، ترفض بريطانيا أن تتعاطى مع هذا الماضي بشفافية وصدق.

بالاستناد على أحداث واقعية، كما تجلى من خلال افتتاحية الفيلم، سلطت آخر أعمال المخرج البريطاني، ستيفن فريرز، الضوء على علاقة الصداقة، المنافية للمنطق، التي جمعت بين الملكة فيكتوريا، وخادم هندي، انتقل من الهند إلى المملكة المتحدة بغية اهداء الملكة عملة نقدية نادرة.

من خلال هذا الفيلم، صور فريرز الملكة فيكتوريا، التي جسدت دورها الممثلة جودي دينش، على أنها أكثر الملوك وعيا بالقضايا المتعلقة بالعدالة الاجتماعية والمساواة العراقية في التاريخ البريطاني. فقد انتفضت الملكة ثائرة عندما قوبلت بالعداء على خلفية صداقتها الجديدة، واتهمت حاشيتها بالعنصرية.

من في الحقيقة، دور الخادم الهندي يمثل إهانة مضاعفة على مستوى السيناريو. ففي كل مشهد في الفيلم، تراه ينظر إلى الملكة بشكل عفوي باندهاش بليغ، وكأنه يراها لأول مرة. في الواقع، يُجل هذا الخادم الأرض التي تمشي عليها الملكة، في حين لم يتوان عن تقبيل ساقيها، حرفيا، فهو يراها “إمبراطورة الهند”، وهي حقيقة ما فتئ الفيلم يذكرنا بها مراراً وتكراراً.

في الوقت الذي كانت فيه الملكة فيكتوريا تعامل عبدول على أنه أحد الحيوانات الأليفة الغريبة التي أصبحت تمتلكها في حياتها، ماذا كسب عبدول؟ كسب هذا الخادم، على حد تعبيره، “امتيازا كبيراً” من خلال وجوده بين هذا “الشعب الرائع” في الإمبراطورية البريطانية.

في واقع الأمر، أدى قرب الخادم الهندي من الملكة ونظام الحكم البريطاني إلى جعله غافلاً عن الانتهاكات المرعبة التي كان المستعمر البريطاني ينفذها في الهند. علاوة على ذلك، لم يتأثر موقف الخادم عبدول المتعاطف مع الملكة، حتى إثر موت صديقه، وهو خادم وعبد هندي وقع تعذيبه من قبل المملكة البريطانية.

أما في المشهد الأخير، الذي أثار اشمئزازي بدرجة كبيرة، نجد عبدول، وقد عاد إلى الهند، يقبل أقدام تمثال الملكة فيكتوريا، الذي كان يتوسط الساحة المقابلة لمبنى تاج محل في الهند.

في حقيقة الأمر، يعد هذا النوع من الدراما التاريخية خطيرا جداً. ففي الغالب، يتم الترويج لمثل هذه الأعمال على اعتبارها نوعا من الترفيه المُسلي، في حين يقع تضمينها بعض المشاهد التي تظهر الصراعات في تلك الفترة على اعتبارها أمرا عاديا، في حين أنها تنطوي على حقيقة الممارسات التعسفية للإمبراطورية البريطانية والانتهاكات في مختلف المستعمرات. ما ترمي اليه هذه الأفلام هو تبرير سلوك بريطانيا البربري في الدول المستعمرة، وأن تجعلنا نصفح عن ذلك الواقع المرير.
في ظل العصر الفكتوري، شهدت الهند العديد من الفظائع التي لا يمكن للعقل تصورها. في هذا الصدد، بين الوزير الهندي السابق، شاشي ثارور، مؤلف كتاب “ما صنعه البريطانيون في الهند”، الطريقة التي عمد من خلالها البريطانيون إلى نهب الهند والاستفادة من مواردها في إطار الثورة الصناعية. وقد أدى ذلك إلى تقليص حصة الدولة ضمن الاقتصاد العالمي من 23 بالمائة إلى 4 بالمائة.

ترتب عن الاستغلال البريطاني للهند، على غرار استنزاف المنتوج المحلي من الحبوب،  ارتفاع نسبة الفقر بصفة كبيرة. وفي الأثناء، رجح البعض أن المجاعة الكبرى، التي تواصلت لمدة سنتين، وتحديدا من سنة 1876 إلى سنة 1878، ومجاعة الهند، من سنة 1899 إلى سنة 1899، قد تسببت في موت 10 مليون شخص، بالنسبة لكل مجاعة على حدة.

 

بالإضافة إلى ذلك، ترتب عن الاستغلال البريطاني للهند، على غرار استنزاف المنتوج المحلي من الحبوب، ارتفاع نسبة الفقر بصفة كبيرة. وفي الأثناء، رجح البعض أن المجاعة الكبرى، التي تواصلت لمدة سنتين، وتحديدا من سنة 1876 إلى سنة 1878، ومجاعة الهند، من سنة 1899 إلى سنة 1899، قد تسببت في موت 10 مليون شخص، بالنسبة لكل مجاعة على حدة.

من جانب آخر، لا يمكننا تناسي حقيقة القتل المباشر للمدنيين والسكان الأصليين. فعلى سبيل المثال، وفي سنة 1921، شهدت الهند مجزرة جليانوالا باغ. وفي الأثناء، لقي ما يربو عن ألف متظاهر سلمي حتفهم على يد الجيش الهندي البريطاني، ناهيك عن آلاف الأشخاص الذين سقطوا متأثرين بجروحهم.

من هذا المنطلق، ينبغي أن نعي أننا مسؤولون، من الناحية الثقافية والاجتماعية، على كشف الحقيقة فيما يتعلق بماضينا الاستعماري، حتى إن كان ذلك قد يشعرنا بعدم الارتياح.

من جهة أخرى، نحن لا ندرس تاريخنا الاستعماري المليء بالعنصرية والاستعباد ضمن مناهج التعليم في المدارس البريطانية. وفي الوقت الذي يتوجب علينا فيه احترام الأرواح التي أزهقت ضمن مجال إمبراطوريتنا، تجدنا نعمل على كتمان صوتها ومحو كل معالمها، أو نكتفي بتجسيد ذلك في أفلام تاريخية مثل فيلم فيكتوريا وعبدول.

من ناحية أخرى، تحمل هذه الأفلام التاريخية في طياتها تداعيات اجتماعية مدمرة. فمن منطلقي، باعتباري مواطنا بريطانيا، ذا أصول عراقية، اضطر إلى التصالح مع واقع أن الدولة التي يقطنها اليوم، تسببت في دمار موطنه، أشعر بأنه قد تم استثنائي واستبعادي من صلب التراث القومي للسينما البريطانية.

 

عندما تشاهد الجمهور من حولك مستمتعا بهذا التاريخ الذي يحمل في جذوره معالم الإبادات الجماعية والإمبريالية والعنصرية، تشعر بألم كبير

من جانبها عمدت الفنانة التشكيلية، إيجيوما أوزوكو، إلى تجسيد هذه المشاعر العميقة في عملها. وقد انطوى عمل إيجيوما على تثبيت وجوه أشخاص سود على صور بريطانيين بيض من الطبقة الارستقراطية، وذلك لتسليط الضوء على التوترات العرقية القائمة والتي كانت سائدة في ما مضى.

في حديثها عن الأفلام التاريخية، أفصحت إيجيوما أوزوكو أنه “عندما يشاهد الأشخاص هذه الدراما التاريخية، تعتريهم مشاعر الحنين إلى الماضي، في حين لا يعرفون حقيقة هذا الماضي، في معظم الأحيان”.

وأردفت أوزوكو أنه “عندما تشاهد الجمهور من حولك مستمتعا بهذا التاريخ الذي يحمل في جذوره معالم الإبادات الجماعية والإمبريالية والعنصرية، تشعر بألم كبير”.

حقيقة، أوجه ندائي إلى كل المنتجين والكتاب والمخرجين في السينما البريطانية والتلفزيون: إذا كنت ترغب في تجسيد وكشف حقيقة الماضي البريطاني، اعمل على التطرق إلى المظالم العنصرية وانعدام العدالة الممنهجة التي قامت عليها أمتنا. وقد نتمكن من خلال ذلك من فهم حقيقة عيشنا في مثل هذا المجتمع المقسم، في حين قد نتمكن في نهاية المطاف من المضي قدما.

 

مترجم لمجلة ميم من الانجليزية

رابط المقال الأصلي:

http://www.independent.co.uk/voices/victoria-
and-abdul-white-wash-british-empire-colonialism-poverty-slavery-a7950541.html

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.