مجتمعمدونات

سمراء بشعر أشقر وعدسات زرقاء

لماذا تتشبه العربيات بالأجنبيات؟

تهتمّ المرأة كثيرا بشعرها ويعتبر أحد علامات الجمال الظاهرة، لذلك نجد في تراث الحضارات المتعاقبة وصفات كثيرة مخصصة للشعر. فعلى سبيل المثال مازال شعر كليوباترا إلى اليوم مطمحا لكثير من النساء لعلهن يحظين بشعر مثله، كما تغنى شعراء العرب بشعور النساء الناعمة والفاحمة كسواد الليل، وتغنت الأغاني العربية بالسمروات ودلالهن.  ومع الإنفتاح على الآخر صرنا نشاهد ألوان الشعر العادية “البني ودرجاته والأشقر والأسود” أو الألوان الغريبة من بنفسجي وأزرق وأحمر فاقع لدى فتياتنا تحت مسمى الموضة وتقليعاتها.

 

ولكن تبقى الشقراء بلون شعرها الذهبي وعينيها الزرقاء حلما لكلّ فتاة عربية سمراء كانت ، أو سوداء ، حنطية أو بيضاء، ويتداخل في هذا أسباب متعددة تتدرج من التاريخي إلى الثقافي والنفسي أيضا ، سنحاول في نصّ هذا المقال التفكير معا لماذا تتخلى الفتاة العربية عن هويتها الحقيقية وتتشبه بأخرى لا تمتّ إلى أرضها وثقافتها بصلة ؟

 

منذ سنوات الإحتلال الأولى لمجتمعاتنا العربية قلدّت فتيات الأعيان العربيات نساء الإحتلال في ملبسهن وأكلهن وقدن السيارات مثلهن ودرسن في جامعاتهن فيما ترزح أغلب نساء الطبقات الأخرى تحت الجهل والتهميش والسيطرة الذكورية، ومع بناء الدولة الحديثة ساهمت النساء السافرات في بنائها.  ولعل الجميع مازال يتذكر حادثة خلع الزعيم التونسي الراحل الحبيب بورقيبة لحجاب إحدى النساء التونسيات، كما تحدث التاريخ عن حادثة نزع هدى الشعراوي لحجابها، فقد كانت المرأة الغربية نموذجا يقتدى به في الحراك النسوي والسياسي في دولنا العربية، لذلك لا غرابة في أن نتحدث عن التشبه بها والخروج من القشرة الأمّ إلى قشرة أخرى مختلفة، فالموضة مرتبطة بما يفرزه الغرب من المأكل والملبس وصولا إلى المظهر ولون الشعر.

 

إنتشرت منذ عقود طويلة في المجتمع التونسي موضة تلوين الشعر بالذهبي في ليلة الزفاف، لا يهمّ أن تكون بشرة الفتاة سوداء أو سمراء كلون القهوة وأعلى رأسها كومة من اللون الذهبي في تناقض رهيب بين قسمات الوجه ولون الشعر!

 

بل وأصبح اللون الأشقر لدى سمراوات الدول العربية دليلا على زواجها ، وبمثابة طقس عبور من السمراء إلى الشقراء ، من العزوبية إلى الزواج ، من الحشمة إلى الإنطلاق والإعلان عن هويتها الجديدة ، شقراء عربية أي إمرأة متزوجة يمكنها أن تتنقل براحة في الفضاء الاجتماعي وتطلق شعرها دون أن يشك أحد في سلوكها، فهي اليوم زوجة رجل ضمن لها حرية التصرّف في مظهرها..

 

ومع دخول السينما إلى حياتنا الحديثة أصبحت حياة النجوم جزءا من حياتنا نتابع أخبارهم وفضائحهم وملابسهم وقصات شعرهم.  الأغلب منكم يتذكر بعض الأحاديث والمقالات عن مادونا وشارون ستون وكلاوديا شيفر وباميلا أندرسون وغيرهن من نجمات هولييود الذين شغلوا العالم منذ تسعينات القرن الماضي ، ولعل بعضكم يتذكر صورهن ملصقة في بعض المحلات وفي غرف المراهقين وربما تخاصمت إمرأة مع زوجها وهي تتناقش معه حول صورهن ونظراته الشهوانية المتوثبة نحوهن.

 

مع مطلع القرن الواحد والعشرين يمكن لكل إمرأة عزباء أو متزوجة مهما كان لونها أن تصبح شقراء.  نشير هنا إلى إنقلاب بعض الأمور فمن تتحوّل إلى شقراء في الثمانينات والتسعينات هي المرأة المتزوجة أما اليوم، من حقّ العزباوات أن يصبحن شقروات لبضع الوقت وذلك بموارد مادية محدودة دون اجراء عمليات جراحة مكلفة..

لنعد سويّا إلى سؤالنا المحوري : لماذا تتخلى الفتاة عن هويتها الحقيقية مقابل أخرى مزيفة ؟ أليس من التناقض الغريب أن تعيش السمراء داخل جسد شقراء مصطنع وهي لم تملك يوما ربع حريتها ؟

 

أشار عالم الإجتماع الفرنسي دافيد لو بروتون في كتابه ” سوسيولوجيا الجسد” إلى أنّ الفرد في عالمنا اليوم يحاول دائما تحسين مظهره بل وتثمينه من أجل ثنائية الإغراء والتواصل فهو يقول في هذا السياق ” لقد أصبح الجسد موضوع إهتمام دائم والهدف هو إرضاء الطابع الاجتماعي المبني على الإغراء أي نظرة الآخرين… لأنّه يعرف أنّ حكم الآخرين عليه يتمّ من خلال جسده ” إذن نحن نتحدث هنا عن ثنائية الإغراء والتواصل وهو ما تفعله السمراء التي تتحوّل إلى شقراء، لتجذب الإنتباه وتغري رجلا شرقيا وعربيا طاله السأم من الجمال العربي إذ تصبح الشقراء في نظره حدثا طارئا لم يتعوّد عليه في حقله البصري والثقافي أيضا.

 

تتحوّل السمراء إلى شقراء، ربّما أحدكم قرأ رواية المسخ لفرانز كافكا وربما يوافق بعضكم رأي كافكا أنّ البقاء على صورة الحشرة أمر مرعب وخطير وأنّ الحلّ الوحيد هو الإنتحار ، ولكن في عصرنا الحديث يمكن أن تتحوّل السمراء إلى شقراء هجينة دون أن يتطلب الأمر تضحيات كبيرة ودون مخاوف كثيرة فالتحول من وإلى سهل ولا يتطلب الكثير من الوقت والمال.

 

يهوى الرجل الشرقي المرأة الشقراء ويعتبرها أجمل الجميلات وقد أبرزت دراسات عديدة أنّ المرأة الشقراء تستحوذ على إهتمام وإنتباه الرجال لا سيّما رجال الشرق، لذلك تسعى المرأة العربية إنطلاقا من مركبات النقص التي خلقها الرجل في أعماقها لتعجبه وتنال إهتمامه، فالتحوّل إلى شقراء بشعر ذهبي وعدسات زرقاء لاصقة هو في الأصل إرضاء لإحدى فنتازمات الجنسية للرجل العربي.

 

ولكن لماذا تحصر السمراء نفسها في جسد إمرأة شقراء وبملامح صناعية دون أن تبحث كثيرا في عمق هذا التشبه فقد كانت المرأة الشقراء في الغرب منطلقة ومتحررة من سلطة الذكر ونحن هنا لا نتحدث عن أفضليتها بل مقارنة وضعها بوضع السمراء_الشقراء التي مازالت إلى اليوم تعاني من مخلفات السيطرة الذكورية.  فحتى حقوقها لم تكن نتيجة نضال مشترك بين جميع النساء، بل نتيجة مكاسب سياسية وحراك نسوي معزول في أغلبه عن النساء في عمق المجتمعات العربية ودواخلهن.

 

فالتحوّل من سمراء إلى شقراء لا يقتصر على تغيير الألوان فقط بل من واجبنا قراءة الألوان في عمقها السياسي والتاريخي والثقافي، لنعيد طرح السؤال من جديد هل فعلا تخلصنا من عقدة الرجل الأبيض وثقافته بعد عقود طويلة من الإستقلال أو أنّ هذا الإستقلال لم يكن إلا وهما ونحن نرى تحوّل نساءنا إلى أخريات مزيفات على أرضنا المحرّرة

الوسوم

خولة الفرشيشي

كاتبة وباحثة جامعية في علوم التراث، تشتغل حول الجسد الأنثوي ورمزياته وتمثلاته، ولها مقالات وأبحاث منشورة في صحف عربية عدة

مقالات ذات صلة

رأي واحد على “سمراء بشعر أشقر وعدسات زرقاء”

  1. لما تم تصوير السمراء بالحشرة في كتاب المسخ هذه وقاحة من كاتب المقال وجب الاعتذار عنها و السبب الوحيد هو الجهل النساء و عدم ثقتهن بانفسهن الجمال لا يرتبط بعرق او لون

اترك رد

شاهد أيضاً

إغلاق