بيت وأسرةدين وحياة

أخطاء الآباء في حق الأبناء

تربية

 

سامر و علي توءامان متطابقان شاءت الأقدار أن يتطلق والداهما بعد قدومهما للحياة بشهر واحد. تقاسمهما الأبوان، وافترقت طريقاهما لسنوات طويلة. استقر الأب مع علي وأسرته الجديدة في شمال البلاد وبقيت الام مع سامر في جنوبها.  و بعد مضي عقدين من الزمن شاءت الاقدار ان يلتقي التوءامان بساحة الثورة.. في المشهد سامر يضرب علي بعصا.. كان سامر أمنيا و علي متظاهرا مع أصدقائه الطلبة..

 

قصة من شأنها أن تبين لنا ان الهوية الجينية لنا كأفراد لا يمكن أن تطغى على المكتسب، ومن ناحية أخرى تثير السؤال القديم قدم الدهر: هل التربية تصنع شخصية الشعوب أم تصنعها جيناتها؟

 

في العالم العربي نتغافل كثيرا عن أهمية دور التربية في تحقيق تطورنا كمجتمع و نوجه دائما لانفسنا تهم الكسل و الخضوع و التواكل و الغضب، دون البحث في أسبابها، ان صحت.

 

نتهيب كمجتمع عربي من العودة للأسباب العميقة لهذه المظاهر التي أصبحنا ننعت بها كشعوب. ننسى طفولتنا المبعثرة بين العنف و النهي و الزجر، ونستمر في تمريرها و توريثها لأبنائنا وأحفادنا . ونبرر توريث عاداتنا الخاطئة في التربية بتعاليم الدين، فيتسلط الآباء على ابنائهم ولا يلقون بالا لآرائهم ويتجاهلونها ويعتبرون التعبير عنها ومخالفة آراء الأبوين او انتقادها مسا بالدِّين والعادات والاعراف.

 

سنحاول فيما يلي الوقوف على أبرز الاخطاء التربوية الشائعة في مجتمعاتنا العربية، ونضعها في ميزان المناهج التربوية التي أوصى به الدين الإسلامي، ونقيمها وفق توجيهات الخبراء والمحليلين. منطلقنا هو التجربة المعيشة  لاطفال وراشدين يعانون من نتائج عادات التربية الخاطئة

 

الخوف من الوقوع في الخطأ

يروي  أحمد: “عندما أسقطت علبة الطباشير  من يدي و تحطمت، بكيت بأعلى صوتي أمام دهشة المعلم الذي حاول تهدأتي متسائلا عن سبب هذا البكاء  قلت “خفت من العقاب “ و يضيف “إلى حد الآن أنا أخاف من ان يطردني المدير في العمل و افتقد للثقة في نفسي ، حتى أني أستيقظ مجهشا بالبكاء في الليل حين أتذكر عقوبات أبي الصارمة … يعرف عني الناس اني رجل مستقيم أصلي جميع صلواتي وأقوم  بكل الفرائض، ولكنني لا أتمتع بعلاقات اجتماعية جيدة، فسرعان ما يرتجف صوتي أثناء الحديث و يحمر وجهي، خاصة عند الحديث مع النساء”.

 

عندما  تعمقنا أكثر في طفولة احمد، وجدنا أنه تربى على يد أب غير متساهل مع هفواته هو وأخته مرام. فحسب تعبيره، كان يقول دائما يجب “أن تتربى على الطريق المستقيم” متجاهلا أن الطريق المستقيم لا يعني عدم سلوك المنعرجات للوصول للوجهة الصحيحة، و أن هذه المنعرجات على السكة ضرورية  لصقل شخصية الطفل.

 

هنا شخص مستقيم، لكنه يخاف من الإقدام على التجارب التي من شأنها أن تنضج الطبع وتصقله وتتيح له إمكانية  الإبداع.  شخصية تخشى الوقوع في الخطأ، وان حدث ووقعت فيه تغدو عرضة لفقدان التوازن والاضطراب النفسي. احمد غير قادر على وضع الأمور في إطارها الطبيعي وتنسيبها، يرى الخطأ من الاهوال و المآسي التي تهدد وجوده وتهز كيانه وهي هاجس يسكنه، لا جزء من الحياة جبل عليه الانسان ويفترض ان يبحث في نفسه عن سبل تجنبه وتجاوزه ان حدث.

 

يقول الله سبحانه و تعالي وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا  (110) (النساء) و كذلك  : (ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُم سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللهِ ذَلَكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ) (سورة فاطر: 32)

 

و هذا ييين أن المصطفين (أي الذين أختارو عبادة الله و توحيده) أصناف: “من ظلم نفسه و من هو مقتصد و من هو سابق بالخيرات” بالرغم من أنهم يسلكون وجهة واحدة و هي عبادة الله  فإنهم لا يمشون على خط مستقيم واحد، فهنالك من ينعرج و هنالك من يتعثر و لكن المهم الارادة ووضوح الوجهة، والتوبة اذا ظللنا الطريق او زلت اقدامنا.

 

الانسان لم يخلق ليكون على صواب طيلة حياته، فهذا ضد طبيعته البشرية، بل ليخطىء ويستغفر ويسعى للتوبة. لذا لا يجب أن نفرط في حماية اطفالنا من الاخطاء البشرية أو نترك لهم قسوة التجارب تعلمهم الخطأ و الصواب.

المطلوب هو أن نبين لهم الحق من الباطل، اذ يروى عن انس بن مالك رضي الله عنه “خدمت النبي صلى الله عليه وسلم عشر سنين ، والله ما قال لي أُفّ قط ، ولا قال لشيء : لم فعلت كذا ، وهلا فعلت كذا؟” . وهذا أبرز مثال في التربية الديمقراطية التي يعلمها لنا النبي.

 

تجدر الإشارة الى أن السنوات العشر التي تربى فيها  أنس ابن ملك على يد الرسول صلى الله عليه وسلم كانت سنوات مراهقته. و نحن هنا لا ندعو للخطأ بل لان نعد ابناءنا ليخرجوا سالمين من الخطأ متهيئين لحياة جديدة، بدل الاستغراق في الذنب و سلوك طريق الانحراف،  ظنا بأننا أشخاص لا يمكن أن يكونوا صالحين مجددا

 

عدم الإستماع لرأي الطفل

تخبرني إحدى المعلمات أن الكثير من تلاميذها الذين يعجزون عن التعبير عن أفكارهم  يتعرضون  لتهميش ارائهم في أسرهم ، او للإنتقاد اليومي من قبل الوالدين والتعامل دائما معهم على انهم لا يفهمون شيئا فيما يتصرف أولياؤهم على انهم الأعلم والادرى فقط لأنهم اكبر سنا. هكذا ينشأ الطفل على الخوف من الإفصاح عما يحول بخاطره بدل السعي الى التعبير عنه، مما يعده للحياة العامة و يعوده على تكوين وجهة نظر وإبلاغها لمن حوله والدفاع عنها بشكل سلس واضح ان استوجب الامر. اي انه يكبر عاجزا عن التفكير المستقل وعن التعبير والحوار، فلم يتعلمهما في الصغر ولَم يرب على احترام عقله وصوته.

 

يقول الإمام علي رضي الله عنه احذروا الكلام في مجالس الخوف، فإن الخوف يذهل العقل الذي منه نستمد، ويشغله بحراسة النفس عن حراسة المذهب الذي نروم نصرته. واحذر الغضب ممن يحملك عليه، فإنه مميت للخواطر “. معنى هذا ان الخوف قاتل لابداع والخلق،  ولا عجب إذن ان تكون شعوبنا عاجزة عن الابتكار والتطوير وان يقل فيها  المفكرون والمبدعون والعلماء.

 

عدم احترام الخصوصية و التجسس على الأبناء

 

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ ۖ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا ۚ أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ

 

تروي منى بكل وجع و حرقة و هي فتاة تبلغ من 16 سنة، ان امها تكثر من “التجسس عليها”. و تعد هذه المشكلة من أبرز المشاكل التي يتعرض له المراهقون و وتؤدي الى اهتزاز ثقتهم في أنفسهم وتوطينهم على الخداع والرياء والنفاق للتغلب على مراقبة الولي المستمرة بشكل علني مهين. فتجد الولي في ظل غياب الثقة في الابن خائفا مسكونا بهاجس ان يخطىء ويظل  الطريق ويلحق بالاسرة العار يراقب حركاته وسكناته في مخالفة لاية من الكتاب الحكيم يفترض ان تنظم سلوك الأفراد وعلاقاتهم، بما في ذلك بين الآباء والأبناء.

 

المعاملة كقطيع

يقول سهيل “من أبرز الذكريات المؤلمة العالقة في ذهني انه عندما يخطىء أحد زملائي في الصف المتكون من أربيعن تلميذا، كأن يشوش أو يسقط شيئا ما، يطلب منا المعلم أن نشي به و عندما لا نفعل، نتعرض للضرب صفا كاملا، المؤدب و المجتهد منا  و المشاكس على حد سواء” فأين هذا من قول الله تعالى” لا تزر وازرة وزر اختها” “ و “كل نفس بما كسبت رهينة”؟

فهل هذا نوع من الترويض أو التربية ؟

وهل حان الوقت لنراجع أساليبنا في التربية و نعود إلى الأسلوب المحمدي السليم القائم على«أكْرِمُوا أوْلاَدَكُمْ وَأحْسِنُوا آدابَهُمْ» ؟ و هلا تساءلنا يوما عن أسباب الخنوع وغياب المبادرة والقدرة على النقد والابداع والابتكار وجوهرها الثقة في النفس وتحمل المسؤولية واستقلالية الذات؟

رحاب الخترشي

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.