مجتمع

قصص بنات مصريات مع الغربة في اسطنبول

مجتمع: المرأة وثمن المعارضة السياسية

 

 

مجلة ميم- أسماء شحاتة

هناك بعض الأمور في بلداننا العربيّة مازالت مرفوضة من قِبَل الأهل، ولا يمكن الخوض فيها ولا التطرّق إليها، كسفر الفتاة إلى بلد آخر والانتقال للعيش فيه وحدها دون أهلها، ولكن ماذا لو كان السفر هو الحلّ الوحيد لفتيات كثيرات واجههنّ خطر الاعتقال والإيذاء في بلدانهنّ؟ وكيف تتعامل الفتيات مع هذا الأمر؟ كيف يستطعن تجاوز صعوبات الغربة بمفردهنّ دون سند؟ في تقريرنا هذا حاولنا الاقتراب من حياة بعض ممّن تغرّبن.

 

كان قرار السفر ضرورة قصوى، فإمّا السجن وإمّا الهرب… عامان مرّا عليّ في الغربة، ولم أستطع إلى الآن التعايش بشكل كامل معها، ولا يمرّ يوم إلّا ونمت فيه باكية شوقاً لأهلي وللبيت الّذي حُرمت من دفئه

نضال

 

نضال: غربة داخل اسوار الوطن

“تغرّبت داخل وطني قبل أن أغترب خارجه”، هكذا بدأت نضال حديثها، وأكملت: “منذ الثالث من يونيو عام 2013، وبعد أحداث مجزرة رابعة، بدأت غربتي في وطني بأن أصبحت مطارَدة ومهدَّدة بالاعتقال في أيّ لحظة، بعد أن أُضيف اسمي في عدد من القضايا، وفُصلت من الجامعة، وتنقّلت بين محافظات مصر هروباً من الملاحقات الأمنيّة.

ومن المطاردة داخل مصر إلى السفر خارجها عشت الغربة بمعناها الأقسى، فكيف أكون في بلد واحد مع أهلي ولا يتسنّى لي رؤيتهم أو زيارة بيتي، كيف أكون مهدَّدة طوال الوقت بالسجن بسبب جرم لم أرتكبه”.

 

وتكمل نضال: “كان قرار السفر ضرورة قصوى، فإمّا السجن وإمّا الهرب، وقد اخترت الحلّ الثاني حفاظًا على نفسي ممّا هو أسوأ من غربتي خارج حدود الوطن. لقد أصابني الاكتئاب في أوّل غربتي، فقد أمضيت عامين لم أرَ فيهما إخوتي ولم أطمئنّ على أبي الّذي اعْتُقِل، ولم يخرج إلّا مؤخّرًا من السجن. وقد تعمّق هذا الإحساس مع الصعوبات الماديّة الّتي واجهتني في بادئ الأمر؛ ممّا دفعني دفعًا إلى العمل والدراسة في الآن نفسه، لأعيل نفسي وأخفّف العبء عن عائلتي”.

 

عامان مرّا عليّ في الغربة، ولم أستطع إلى الآن التعايش بشكل كامل معها، ولا يمرّ يوم إلّا ونمت فيه باكية شوقاً لأهلي وللبيت الّذي حُرمت من دفئه.

 

لكنّ الحياة قاسية وتحتاج إلى قوّة وجَلَدٍ، فهي أجبرتني على أن أضع نفسي في تحدٍّ للتأقلم مع وضعي الجديد خارج حدود بلدي، فتعلّمت اللغة التركيّة، ووجدت عملاً أدبّر من عائداته أموري.

 

وعن أصعب ما مرّت به نضال تحكي :”كنت وحدي في المنزل عندما سمعت صوت باب شقّتي يُفتح من الخارج، فقمتُ مسرعة إلى المطبخ وأخذت سكّينًا لحماية نفسي. ثمّ وقفت خلف الباب مهدِّدة السارق، فهرب فوراً من المكان، كنت مصدومة وخائفة، فهذه المرّة الأولى الّتي أتعرّض فيها إلى هذا الموقف، ولو لا أنّ ألهمني الله بما فعلت، لا أدري ما الّذي كان سيحدث.

 

 

إذا فُتح لي المجال للعودة إلى مصر فلن أعود، فالوطن هو المكان الذي احتواك وقدّرك، ومصر أخرجتني منها ولفظتني، فكيف أطلب الرجوع؟!

خديجة

خديجة: كنت نادمة على قرار السفر

تقول خديجة صاحبة الصورة الأكثر شهرة في مواقع التواصل الاجتماعي، فيما كان الأمن يجرّها من حجابها أثناء إحدى المظاهرات في مصر: “استغرق تكيّفي مع الغربة وقتاً طويلاً، ولم يكن هناك حلّ آخر، بعدما خرجت قسرًا من بلدي، وحُكم عليّ بالسجن خمس سنوات دون ذنب.

كان أكثر ما يؤذيني عنصريّة بعضهم، الّذين يظنّون أنّ العرب لصوص، فيتعاملون معي بشيء من الحذر خوفاً من احتيالي عليهم، إضافة إلى الإعاقة المتمثّلة في عدم قدرتي على التحدّث بلغتهم. لكن سرعان ما تجاوزت هذه المعضلة، فأصبحت أفهم ما يقال، وأستطيع الردّ والدفاع عن نفسي إذا ما اضطررت إلى ذلك”.

 

تغيّرت شخصيّتي كثيرًا خلال الأربع سنوات تقريبًا، وتعلّمت القيادة الحازمة وكيفيّة التعامل مع الجنسيّات المختلفة وتقبّل عاداتهم وتقاليدهم، والتأقلم في أيّ بيئة أُوضع فيها. فقد شعرت أن الغربة بالنسبة إلي كالطفل الّذي عليّ أن أرعاه وأقوّمه، وأقوّم نفسي معه.

 

تكمل خديجة: “كنت أندم على قرار السفر في الوقت الذي أصل فيه إلى ذروة التعب، وعند شعوري بالوحدة والبعد عن الأهل والأصدقاء، إلا أن تحقيقي لأهدافي كان يبث فيّ الكثير من الصبر لأتحمل غربتي، فالبديل عنها اسوأ منها بمراحل كثيرة، وإذا فُتح لي المجال للعودة إلى مصر فلن أعود، فالوطن هو المكان الذي احتواك وقدّرك، ومصر أخرجتني منها ولفظتني، فكيف أطلب الرجوع؟!”.

 

 

 

لم أستطع التواصل مع أهل البلد لجهلي بلغتهم، والناس في عطلة وتحتفل بالعيد، فكنت وحيدة تماماً لا أهل ولا أصحاب، إنها من أقسى وأصعب الأيام التي مررت بها خلال العام ونصف

يمنى

يمنى: في الغربة تعرفت على نفسي

تعرفت على نفسي في الغربة، هكذا بدأت يمنى حديثها: “أتعامل مع الغربة بمبدأ الاكتشاف، فهي حياة كاملة أبدؤها وحدي من الصفر، الأمر ليس سهلاً ولكنه غير مستحيل، أعيش الآن منذ عام ونصف في إسطنبول، لاحظت التشابه في العادات والتقاليد بين اسطنبول وبلدي، فهنا تستطيع بسهولة ملاحظة الترابط العائلي وعلاقات الجيران الجيدة، وعواطف الناس وتعبيرهم عنها، إلا أن اللغة بقيت النقطة الكبرى في تعزيز شعوري بالغربة يوماً بعد يوم.

سافرت بمحض إرادتي بعدما أغلقت الأبواب في وجهي، لا مستقبل واضح ولا عمل ولا شيء سوى سوء الأحوال في مصر، فحملت حقيبتي ويممت وجهي للاغتراب ورحلت.

 

 

أول عيد مر عليّ هنا كان صعباً، لأنني كنت حديثة العهد في إسطنبول، وتعرضت إلى مواقف كثيرة سيئة، تعرضت للسرقة ومرضت، ولم أجد من يداويني، ولم أستطع التواصل مع أهل البلد لجهلي بلغتهم، والناس في عطلة وتحتفل بالعيد، فكنت وحيدة تماماً لا أهل ولا أصحاب، إنها من أقسى وأصعب الأيام التي مررت بها خلال العام ونصف.

 

وتكمل يمنى: “تغيرت كثيراً خلال تلك الفترة، أصبحت أكثر اعتمادية على نفسي، وأستطيع بسهولة التماس الأعذار لمن حولي أكثر من قبل، أصبحت أكثر مرونة وتقبلاً لاختلاف الناس بعدما عايشت الاختلافات بين الشخصيات والجنسيات هنا، وأصبح هدفي في الحياة أكثر وضوحاً.

 

لم أستطيع التعايش بعد مع الغربة، بل إنني أنهار أحياناً كلما فكرت أن تلك هي النهاية، البعد عن الأهل والأصحاب أمر صعب، لكنني لا أنكر أنني أصبحت أكثر قرباً من نفسي، تعرفت على نقاط قوتي وضعفي، وصرت أكثر وأسرع إنجازاً لمهمات الحياة، فلا أحد سينجزها هنا سواي”.

 

 

 

لم أعد أشعر بالأمان في بلدي، فالجميع هناك مهدد بالموت أو السجن. سافرت، ومنحتني الغربة عمراً على عمري..

تسنيم

تسنيم: الغربة صديق ثقيل أتحمله

هكذا وصفت تسنيم الغربة وتكمل: “أتحمل عيوبه، فنحن صديقان منذ فترة طويلة، لا أدري متى أنفصل عن هذا الصديق الثقيل، لذا علي أن أتحمله!

 

في بداية سفري كان الأمر شديد الصعوبة، فبطبيعتي أرفض طلب المساعدة من أحد، لكن العيش وأنا وحيدة في بلد لا أعرف فيه أحد كان يفرض علي أن أطلب المساعدة، إلا أني لم أفعل، ومنذ اليوم الأول قررت الاعتماد على نفسي، بحثت وحدي عن منزل واستأجرته، وقمت بشراء الأثاث بعد السؤال والبحث عن أماكن لبيعه، واشتريته قطعة قطعة، وفرشت المنزل دون أن أطلب المساعدة من أحد.

 

وبالرغم من ثقل تلك المهمة علي، إلا أنني صقلت شخصيتي كثيراً ومنحتني الحياة خبرة في التعامل مع الناس، والاحتكاك بالشارع، كما وأنني تعلمت اللغة في وقت أقصر مما توقعت.

وربما من أكثر المواقف التي تركت أثرها في نفسي حينما احتجت إلى من يصلح دورة المياه في المنزل لخلل ما، ولم يكن معي رصيد في الجوال، وحين ذهبت إلى المتجر لأقوم بشحنه رفضت البائعة تقوم بشحنه لكرهها للعرب كما قالت لي، حينها شعرت بالقهر الشديد الذي ما زالت مرارته عالقة في فمي أشعر بها كلما مررت بجوار المتجر.

 

وتكمل تسنيم حديثها:

لم أعد أشعر بالأمان في بلدي، فالجميع هناك مهدد بالموت أو السجن، فسافرت، ومنحتني الغربة عمراً على عمري بما اكتسبت فيها من خبرة ومسؤولية واعتماد على النفس، ولا أستطيع القول أنني ندمت على قرار السفر، فالاختيار بين أمرين أحلاهما مر لم يكن متاحاً، ولو فُتح لي المجال للعودة إلى مصر سأعود، لا أستطيع تخيل أن يكبر أبناء اخوتي دون أن يدركوا أن لهم خالة أو عمة لا يعرفون وجهها إلا في حدود شاشة الجوال”.

 

 

تعلمت كيف أدير الحياة بسبب مواقف كثيرة مررت بها، لم تكن سهلة أبدًا لكنّها قوّت شوكتي، فالغربة أعتبرها المدرسة الأولى الّتي نتعلّم من خلالها فنّ الحياة

ايثار

ايثار: من رفاهية العيش الى قسوة الاغتراب

مر عامان على سفرها خارج مصر، تقول عنهما إيثار:

“انتقلت من حياة مرفهة جداً إلى حياة صعبة وقاسية للغاية، ولا أملك خيار الندم، فأنا لم أختر غربتي بنفسي حتى يحق لي الاختيار، حينما سافرت، أخبرنا المحامي أن الأمان على نفسي يقتضي ابتعادي عن مصر ثلاثة أشهر على الأقل، إلا أن الثلاثة أشهر امتدت اليوم إلى عامين بتمامهما وبضعة أيام، عرفت خلالها كيف تكون وحدك تماماً دون أحد يعتني بك في مرضك، فيكون لزاماً عليك أن تعد طعامك وحرارتك تصل إلى الأربعين بنفسك، تمرّض نفسك وتذهب إلى المستشفى وحيداً ليعطيك الطبيب الدواء الذي عليك أنت أن تنتبه إلى مواعيده وأنت في غير وعيك من شدة المرض.”

 

  وتضيف إيثار قائلة: ” تعلمت كيف أبحث عن استقراري وحيدة دون معين، إلا أن أسوأ ما فرضته علي الغربة تحولي من إنسان نشيط واجتماعي إلى إنسان انطوائي حدد كل علاقاته بالناس، واستغنى بالوحدة عن البشر.

لم أتخذ قرار السفر كخيار حتى أستطيع الندم عليه، فأنا لم أخرج كي أدرس أو أعمل أو أمضي وقتاً ممتعاً وأعود، إنما خرجت مجبرة إلى المجهول، ودون معرفة متى أو كيف سأعود.

 

 

في البداية واجهت مشكلة الاختلافات بين ما هو سائد هنا والتقاليد الراسخة هناك، ولم أعرف ما المفترض عليّ أن أقوم به وأنا وحيدة في بلد آخر، لكنّني تعلّمت كيف أكون أقوى ولا أستسلم لليأس، فالحياة هنا أقسى من أن نتركها تأخذنا يميناً ويساراً دون مقاومة.

 

وتواصل إيثار حديثها: “تعلمت كيف أدير الحياة بسبب مواقف كثيرة مررت بها، لم تكن سهلة أبدًا لكنّها قوّت شوكتي، فالغربة أعتبرها المدرسة الأولى الّتي نتعلّم من خلالها فنّ الحياة، فلا حاجة إلى الدورات والمؤتمرات والتنمية البشريّة، إنّ المواقف وحدها كفيلة بأن تعلّمني ما أحتاجه كي أستطيع مواجهة الحياة في الغربة بمفردي”.

 

 

 

اسطنبول هي المدينة الّتي أصبحت تتّسع لأحلامي الجديدة، ولتطوّر رؤيتي للحياة. ويكفيني شعوري هنا بالأمان لي ولأبنائي، الّذين يجدون بيئة مناسبة تساعدني على تربيتهم تربية سليمة، لم أحلم بها في بلدي”.

أسماء

أسماء: الغربة كانت بداية جديدة لحياتي

تقول أسماء: “تغرّبت رغمًا عنّي، إلّا أنّ الغربة لم تكن بالنسبة إليّ أمرًا مرفوضًا. فطوال حياتي كنت أحلم بالسفر والتنقّل والتعرّف على ثقافات أخرى، لكنّ خروجي من مصر كان بعد ملاحقة أمنيّة شديدة بعد أن تمّ طلبي للتحقيق في إحدى القضايا، وإضافة النظام لإسمي على ذمّة قضيّة أخرى. فآثرت السلامة، وخرجت من مصر اضطرارًا منذ أربع سنوات. ولم يكن الأمر يسيرًا عليَّ في البداية، فقد تنقّلت بين ماليزيا وتركيا، إلى أن وصلت إلى إسطنبول، حيث استقرّ رحلي أخيرًا”.

 

تكمل أسماء قائلة: “كانت اللغة العائق الأوّل الذي واجهني في إسطنبول، فالتركيّة تحتاج إلى دراسة وممارسة يوميّة. كما أنّي قمت بخطأ في البداية، وهو اكتفائي بالتعامل مع الجالية العربيّة فحسب، إلى أن أتى الوقت كي أخرج من هذا الانغلاق على النفس، فتعلّمت اللغة التركيّة لأستطيع العيش، في بلد لا يعترف باللغات الأخرى”.

 

فالغربة بالنسبة إليَّ كانت بداية جديدة لحياتي، تعلّمت من خلالها كيف أعتمد على نفسي، وأدير أموري بمفردي، ثمّ تعرّفت على رفيق الدرب وتزوّجنا، ورُزقت منه بطفليْن هُما كلّ حياتي. وحينما تزوّجت انقسمت الإدارة بيني وبين زوجي، فخفّف عنّي”.

 

“أصدقائي وأهلي هم أكثر من أشتاق إليهم في بلدي، وبُعدي عن أمّي هو أكثر ما يُؤلمني، لكن الغربة حياة، وأحلام جديدة، ليست شيئاً مأسويًّا البتّة، ولم أندم يوماً على قرار سفري، كما أنّي لست راغبة في الرجوع إلى مصر. وإذا ما عدتُ يوماً، فستكون عودتي بغرض الاطمئنان على أهلي وأصدقائي، ومن ثمَّ أعود مجدّداً إلى حياتي في اسطنبول، المدينة الّتي أصبحت تتّسع لأحلامي الجديدة، ولتطوّر رؤيتي للحياة. ويكفيني شعوري هنا بالأمان لي ولأبنائي، الّذين يجدون بيئة مناسبة تساعدني على تربيتهم تربية سليمة، لم أحلم بها في بلدي”.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد