دين وحياةغير مصنف

الشيخ محمّد عمران قارئ القرآن وصديق الفنّانين

دين وحياة

لقد برز في القرن العشرين عدّة قرّاء مشهورين ومنشدون كبار في مصر، مثل عبد الباسط عبد الصمد والشيخ محمّد محمود الطبلاوي والشيخ محمّد صدّيق المنشاوي، إلخ…

ولكن لا يمكننا الحديث عن التجويد والابتهالات والأناشيد الصوفيّة دون أن نهتمّ بحالة خاصّة في هذا المجال، وهو الشيخ محـمّد عــمران الّذي لم ينلْ حظّه إعلاميًّا رغم طاقاته الإبداعيّة المُعجِزة الّتي تميّز بها.

وسنحاول في هذا المقال أن نعرّف به من خلال سيرته الّتي لم تتجاوز نصف قرن من الزمان، لكنّها سيرة زاخرة بالفنّ والحبّ والجمال.

 

الطفل الضرير يصبح من أعظم قارئي القرآن

وُلد محمّد أحمد عمران في قرية طـهـطا بمحافظة ســوهـاج، في 15 أكتوبر 1944م، و بعد عام واحد من ولادته فقد حاسّة البصر، ولكن هذا لم يمنعه من ختم تجويد القرآن في سنّ العاشرة، وأن يلفت أنظار السامعين إليه، وينتزع إعجابهم. وصادف أن استمع إليه الشيخ المنشد الكبير ســـيّد النــقشبندي، فأصبح ملازمًا له، وتعلّم منه التواشيح الدينيّة.

 

التحق بمعهد المكفوفين للموسيقى بالقاهرة وهو في الحادية عشرة من عمره، حيث تعلّم أصول القراءات والإنشاد وعلم النغم والمقامات الموسيقيّة وفنّ الإنشاد على يد الشيخ سيّد موسى الكبير، التحق بالعمل فى شركة حلوان للمسبوكات بوظيفة قارئ للقرآن في مسجد الشركة .

 

 

 

 

 

كان الشيخ من أوائل المنشدين الّذين أحيوا الأفراح بقراءة القرآن والابتهالات الدينيّة، أنشد في العديد من البرامج الدينيّة الغنائيّة، وفي الاحتفالات والمناسبات الدينيّة الّتي أُقيمت بدار الأوبرا المصريّة، كما غنّى في حفلات خاصّة مع منشدين وفنّانين كبار أغنيات ومواويل أبدع في أدائها إلى درجة لفتت إليه أعمدة الغناء والتلحين في مصر.

وقد حاز إعجاب مقرئين كبار كُثْرٌ، فتوطّدت بينهم صداقة عميقة، مثل نصر الدين طوبار والسيّد النقشبندي والشيخ سيّد موسى الكبير والمنشد محمود عبد الجليل وسعيد حافظ وصلاح عمار ومحمود أبو السعود، إلخ….

لقد ترك محمّد عمران أثرًا بليغًا في جمهور المستمعين رغم عمره القصير نسبيًّا، حيث تُوفِّي في 6 أكتوبر 1994م.

 

محمّد عمران ملهم كبار الموسيقيّين في العالم العربي

لكلّ قرّاء القرآن والمنشدين العظماءمقلّدون، لكنّ مدرسة محمّد عمران عصيّة على التقليد. فهو أدخل أسلوبًا جديدًا في التلاوة، ألا وهو الغناء. كان يقرأ سورًا في مقامات متعدّدة ويبدع فيها، يتسلطن مكرّرًا الآية نفسها بأكثر من طريقة وفي أكثر من مقام.

تشرّب محمّد عمران الموسيقى العربيّة، واستمع إلى الموسيقى التركيّة والهنديّة والغربيّة. وهو ما ولّد عنده قدرة رهيبة على الانتقال بين المقامات بيسر وسهولة، بحكم سرعة بديهته وتجاوبه مع كلّ آية بالنغم اللّازم للتعبير عنها.

كان صوته حسنًا ومساحته شاسعة جدًّا. وهو متمكّن من الأحكام والمقامات، ومتفرّد في تجسيد المعانى أثناء القراءة والابتهالات. إنّه يصبغ أحاسيس وصورًا وانفعالات على الكلمات، قلّما تجدها عند غيره.

كان لمحمّد عمران مكتبة رهيبة فيها أكثر من 10 آلاف شريط  كاسيت تحتوي على تلاوات نادرة لقرَّاء ومنشدين، وأغانٍ لمطربين عرب، ومقطوعات لموسيقيّين عالميّين، مثل بــيتهوفن وآرام خــاتشاتوريان

إنّه محبّ عظيم للموسيقى ومحبّ لآلتيْ البيانو والكمنجة خاصّة، ولذلك غصّ منزله بأشرطة الكاسيت حتّى أنّ المقرّبين منه كانوا يجدونها في كلّ زاوية منه.

 

 

 

 

لقد كان محمّد عمران أوّل من يؤذّن في مقام الـهــزام، خارجًا بذلك عن مقامات الآذان التقليديّة.

حدّث عنه الشيخ مصطفى إسماعيل، أهمّ شيوخ التلاوة في مصر والعالم الإسلامي، قائلًا: “لو استمعتم بتمعّن إلى الشيخ محمد عمران، لوجدتموه قارئًا يتقن علم المقامات الصوتيّة إتقانًا مطلقًا. فقد استمعت إليه في تلاوات إذاعيّة وخارجيّة وابتهالات وموشّحات، فما وجدت منه نشازًا، أبدًا، ولا خروجًا عن المقام الّذى يقرأ به”.

هذه العبقريّة جعلت الموسيقار الأهمّ على الإطلاق في العالم العربي، محمّد عبد الوهاب يدعوه في أكثر من مناسبة إلى جلساته الفنّية الخاصّة كي يكتفي بالإنصات فحسب إلى أدائه المعجز.

وقد صاحبه عازف الكمان العبقري عبده داغر في تلك الأمسيات، ولكن ما يشدّ انتباهنا في هذه التسجيلات هي مضاهاة صوت محمّد عمران البشري لصوت آلة الكمنجة، وأحيانًا يتغلّب عليها.

وفي هذه الحفلات تتمظهر شخصيّة محمّد عمران الفنّان المحبّ للفنّ والفنّانين، وتظهر طاقاته الّتي أبهرت عباقرة الموسيقى. وما الجمل الّتي قالها محمد عبد الوهاب أثناء السماع الله الله الله، يا راجل يا جبَّار، إلّا دليل واضح على مقدرة شيخنا المتشبّع بالتفاصيل الدقيقة للموسيقى العربيّة.

 

 

 

 

 

كما غنّى محمّد عمران لـــــسيّدة الغناء العربي،  أمّ كلثوم بأسلوب لا يُضاهي، ففي أغنية حلم يُعيد الشيخ القارئ جملة “بقى أقلّو ويقلّي، خلّصنا الكلام كلّو” قرابة 8 مرّات بــــــ 8 طرق مختلفة، تدعو إلى الإعجاب والدهشة من إحساسه العالي والمرهف وسعة خياله وقوّة ارتجاله.

 

 

 

 

 

وقد لحّن له الموسيقار محـمّد عبدالوهاب وسيّد مكّاوي وحلمى أمين ومحمّد الموجي، وغيرهم من عظماء الموسيقى العربيّة.

كما تميّزت حفلاته بمتابعة جماهيريّة كبيرة، فكان الناس يذهبون بالآلاف، خصّيصًا لسماع الأناشيد والابتهالات وتلاوة القرآن، ومنذ الجملة الأولىالسلام عليكمالّتي يقولها الشيخ بأكثر من لحن، يبدأ الجمهور في التصفيق والصراخ بكلمات مثل يا عـــيـنـي يا ســـاتـر” “اللّه يا حبيبي“.

 

 

 

 

 

إنّه يسافر بالمستمعين جميعهم (سواءً كان من الجمهور العادي أو موسيقيّين مهما كانت مشاربهم) عبر الموسيقى إلى انفعالات مختلفة ومتداخلة، فهو يحزنك ثمّ يفرحك ثمّ يمتّعك ثمّ يفاجئك بما لا تتوقّع، فلا تشعر بنفسك إلّا تصرخ في داخلك اللّه، ما كلّ هذا الجمال!

إنّه قارئ فنّان لا يتكرّر، فرغم سوء وضعيّة التسجيلات الموجودة له على الأنترنيت، لكن حين تُغمض عينيْك وتستمع إليه ستشعر بارتياح ونشوة عظيميْن، وسيحملك، بصوته وطريقة أدائه، بعيدًا عن عالم المادّة ليحلّق بك في سماء الروحانيّات الشاسعة.

 

مهدي الغانمي

الوسوم

رأيان على “الشيخ محمّد عمران قارئ القرآن وصديق الفنّانين”

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.