مدونات

لست امرأة ونصف!

تدوينة لرحاب الخترشي

عندما أجد نفسي أصرخ وأحتج على ذكر قد تحرش لتوه بي و أرى جميع النساء والرجال الذين قد تربوا على أيدي نساء أيضا يحدقون في بكل اشمئزاز و كأنني مجنونة يجب إيوائي مصحة عقلية، أفكر حينها في مدى سخف هذه الجملة: “نساء بلادي نساء و نصف”

 

أتوقع أن البعض سيهاجمني ويذكر لي أمثلة عن المرأة الريفية الكادحة، أو لاعبة جمباز ما تحصلت على ميدالية، أو مترشحة في بعض القوائم الإنتخابية.. هذه الأمثلة التي سئمتها شخصيا، لأنني لا أعتقد أن عمل المرأة وحده كاف ليجعل منها “إمرأة و نصف”، فقبل أن تكون إمرأة ونصف يجب عليها أن تكون إنسانا في بادئ الأمر، إنسانا لا يقبل الإهانة بجميع مستوياتها و لو على رقبته، إنسانا يربي أبناءه دون التفرقة بين الجنسين و يعلمهم إحترام الناس على إختلاف أجناسهم، وعدم قبول الإعتداء عليهم، لا على نظرية “الراجل مالو إلا راجل و كي يبزنس عليك ولا يمسك أهرب و طفيه” (الرجل ليس الا رجلا في نهاية المطاف، واذا عاكسك أو لمسك، تجنبيه وتجاهليه)..

 

رحاب الخترشي

و أظن أن هذا ما تنصح به  أغلب أمهات تونس على مختلف فئاتهم و مستوى تعليمهن بناتهن.. يفعلن هذا بالرغم من أنهن عانين منه بشكل أو بآخر و أحسسن بوقعه و قهره عليهن سواءً في الطفولة أو المراهقة أو بعد الزواج..

لم لا يثرن؟

لا يتطلب الأمر ثقافة عالية كي يفعلن هذا.. من أحس بالظلم يتمنى أن يثور عليه.. لكنهن لا يبدين رغبة في ذلك بل يقبلن التعدي عليهن بكل بساطة.. يفعل الرجل مايشاء وكل ما عليك فعله تجاهله والتهرب منه أملا في ألا يعود الى صنيعه هذا..

أنا شخصيا في العشرينات من عمري ولم أر الى اليوم، على ما مر أمام ناظري من حالات تحرش خلال تنقلي في الشارع وبين المواصلات العامة منذ كنت تلميذة في المدرسة، لم أشهد الى اليوم امرأة واحدة: حقوقية أو أستاذة جامعية أو عاملة منزلية أو إمرأة ريفية، تقف في الشارع وتواجه من تعدى عليها وتحرش بها، على الملأ. لم أر احداهن تقف وتقول: يكفي ملء رئتيها!

 

ربما لم يقدر لي أن أشهد هذا المنظر وقد تكون غيري رأته.. لكني رأيت مئات حالات التحرش بعيني في المقابل، يوميا وبشكل روتيني. لكني لم أصادف موقفا قويا من المتحرش بهن بل كنت شاهدة على مظاهر خضوعهن وتسليمهن بأن هذا جزء مما قدر للمرأة أن تقاسيه في الفضاءات العامة..

 

لم أسمع بامرأة متعلمة تقدم شكوى ضد تحرش لفظي واحد حصل لها و أظن أن كثيرا من النساء المثقفات عانين من هذا، بل رأيتهن يكتفين بالتذمر في سرهن أو يتغاضين عن الأمر..

من هنا يبدأ الخط الفاصل بين أن تكون إنسانا أو لا تكون، ذلك الخط الذي يدعى الكرامة..

أن تتمتيز المرأة في مجال ما أو تعمل أو تدرس فذلك لا يجعل منها “إمرأة ونصف”. تلك من البديهيات، فليست المرأة كائنا ناقصا أو معاقا لنهلل لأبسط نجاحاتها..

سيكون رائعا أن تنجح المرأة بحق.. أعلم أن النساء قد أحرزن بعض الحقوق مقارنة بالماضي، ولكن هذه الحقوق جعلتهن يكتفين، معتبرات إياها فضلا ومنة عظمين، في حين أنهن لم يحصلن على المهم: و هو الحياة بكرامة، ببساطة، الحياة بعفوية، دون الحاجة لرفع الأسيجة حولهن خشية الاعتداء والتحرش، دون السعي المتواصل لتحصين دفاعاتهن كما لو كن في ساحة معركة..

الحياة دون الحاجة للمطالبة بالاحترام وابسط الحقوق الانسانية..

فحرية الإختيار والتجول والحب والكرامة والحق في الأمن والسكينة للجميع وليست حكرا على أحد.. لا ينبغي أن تطلبيها من أحد، الأصل أن تعيشيها، ولا تلتمسيها من أحد.. الأصل أن تكوني انسانا فقط..

الحقوق ليست في العمل أو الدراسة أو المشاركة السياسية أو أي من المكتسبات التي نتشدق بها ليلا نهارا، مرددين مقولات ممجوجة بلا نهاية.. الحقوق الأهم تكمن في احساسك بإنسانيتك وتطبيقك الفعلي لها دون أي شروط..

لست في حاجة أن تكوني إمرأة و نصف. كوني إنسانا فقط، لا أكثر ولا أقل..

 

رحاب الخترشي محررة في مجلة ميم وباحثة تعد رسالة ماجستير في علم الاجتماع

الوسوم

مقالات ذات صلة

رأي واحد على “لست امرأة ونصف!”

  1. لم تري امراءة تقدم شكوى ضد من تعرض بهجوم لفظي اذن انت لم تري شيئا او بالفعل لم يقدر لك ان تريه بعد لم ولن اتغظى عن من يسئ لي لفظيا مهما كانت درجته في المجتمع وان لم يتربى جيدا في اسرته انا من القنه درسا يقلب كيانه راسا على عقب الحمد لله نحن في الجزائر نقدم شكوى ضد من يسئ لنا ونرجو ان يتعمم ذالك ومن الافضل ان ترتدي المراءة والفتاة جلباب الصرامة والمناظلة من اجل اخد حقوقها كاملة

اترك رد

شاهد أيضاً

إغلاق