مجتمع

رائدات التعليم النسوي في جامع الزيتونة

مجتمع رائدات التعليم النسوي في العالم العربي

وفاء الحكيري

فاطمة بن علي قربوج، تعد رائدة التعليم النسوي الزيتوني التونسي، في بداية التسعينات. برزت وتميزت  في فترة كان التعليم فيها، اما حكرا على الرجال، إذ لم يكن يسمح للمرأة الخروج من المنزل للتعلم، طبقا للأعراف والتقاليد السائدة، أو بيد المستعمر الفرنسي، الذي كان يسعى إلى طمس الهوية التونسية العربية الإسلامية ، من خلال نشر المدارس الأجنبية الفرنسية لتعليم البنات.

 

من هي فاطمة بنت علي قربوج؟

ولدت فاطمة بن علي، في ال25 من شهر كانون الأول 1929، في محافظة نابل التونسية. كان والدها الشيخ محمد بن حمدة بن علي من أبرز الشيوخ الزيتونيين، سنة 1908. كما زاول تعليمه بالمدرسة الخلدونية. وعرفت أمها السيدة منوبية بنت الشيخ الصادق الأسود، بالعلم ووسع ثقافتها الاقتصادية والاجتماعية، حيث درست بمدرسة البنت المسلمة التي أسسها أبوها الشيخ الفقيه الصادق الأسود.

 

ساهم  انحدار فاطمة قربوج من عائلتين يشهد لهما بالعلم، في حظوتها بالتعلم والمعرفة ومزاولتها للمدارس، حتى الأجنبية منها، التي أسست على يد المستعمر الفرنسي.

هذه الحظوة، سيكون لها صدى و اشعاعا كبيرين على بنات جنسها وعلى التعليم الديني الزيتوني في البلاد التونسية وحتى على جامعة الأزهر الشريف، الذي فتح أبوابه بعد مضي 10 سنوات للتعليم الشرعي للبنات.

 

مراحل تعليم فاطمة

في سنواتها الأولى، تلقت فاطمة، تعليما كُتّابيًّا، على يد الشيخ المؤدب محمد الغزواني، بكتاب حي العمران بتونس العاصمة، حيث تعلمت مبادئ اللغة العربية وحفظت القرآن الكريم.

ثم التحقت بالمدرسة الابتدائية، حيث كان التعليم فرنسيا بحتا، أين تفوقت فاطمة على زميلاتها حتى الفرنسيات منهن.

حين بلغت العاشرة من العمر، انتقلت البنت فاطمة صحبة عائلتها إلى مدينة نابل التونسية، التي تبعد حوالي 60 كم على العاصمة التونسية، بسبب مرض والدها واحالته على التقاعد المبكر، لتلتحق بمدرسة البنت المسلمة، التي أسسها جدها الشيخ الصادق، أين تلقت تكوينا شاملا في تدبير شؤون البيت، من تربية الأبناء والصحة وفن الخياطة والتطريز.

سنة 1924، أي بعد مرور أربعة سنوات، نالت فاطمة بن علي الشهادة الابتدائية، لتتوقف فيما بعد عن التعلم بسبب ظروف الحرب وانتشار قوات المستعمر وغياب الأمن في البلاد.

 

1947، منعرج حاسم في حياة فاطمة

مثلت سنة 1947، منعرجا حاسما في حياة التلميذة الابتدائية، فاطمة بن علي، التي أيقنت أهمية استكمال تعلم اللغة العربية، التي عُدّت سلاحا لمقاومة الاستعمار ولغة نضال الشعب التونسي،  بعد حضورها، أمسية  نسائية في شهر آذار، مارس، بنابل، تحت إشراف رئيسة الاتحاد الاسلامي النسائي المناضلة بشيرة بن مراد، التي كانت تدعو للنهوض بالمرأة، من أجل مقاومة الاستعمار.

كانت هذه الأمسية التوعوية، بمثابة صحوة لفاطمة بن علي، التي اقتصر تعليمها الابتدائي، على اللغة الفرنسية البحتة، ولم تكن تتقن اللغة العربية بشكل جيد، مما حز في نفسها بضرورة مواصلة تعليمها العربي، الذي يستجيب لطموحات المرأة العربية المسلمة التونسية المناضلة ضد الاحتلال الأجنبي.

 

الأب، الشيخ محمد بن علي، خير عون للبنت

كان الوالد الشيخ العلامة “محمد بن حميدة”، رغم مرضه،  خير مساند لابنته فاطمة التي أعربت عن رغبتها في مواصلة تعليمها في مجال اللغة الأم، اللغة العربية والنهل من ذخائرها و مكتنزاتها .  لذلك قام بتكليف الشيخ “علي القرقني” بمهمة تعليمها لمدة سنة، لتنتقل فيما بعد إلى المدرسة القرآنية بالحلفاوين بالعاصمة،  لمواصلة التعلم وتحصيل العلوم. أين عُهد إليها بتدريس اللغة الفرنسية، الى غاية سنة 1949.

الالتحاق بالمدرسة الزيتونية، للحفاظ على الهوية في ظل الاستعمار الفرنسي

لم يكن من السهل على الطالبة فاطمة بن علي، الالتحاق بجامع الزيتونة، الذي كان يقتصر على تعليم الذكور. غير أن المساعي الفرنسية لطمس الهوية والحضارة  الإسلامية، من محاولات نشر التعليم الفرنسي و تغييب وتهميش التعليم الديني والاسلامي الذي أساسه اللغة العربية، كان دافعا وحافزا في آن، للتوجه نحو المغامرة في التعليم الزيتوني والوقوف جنبا إلى جنب مع الرجل.

 

مبادرة إحداث فرع نسائي بجامع الزيتونة

كان مشروع إحداث فرع للنساء بجامع الزيتونة، غاية في نفس فاطمة التي بادرت إلى تقديم طلب الى الشيخ الطاهر بن عاشور، رئيس مشيخة الجامع وفروعه. الذي استجاب لمطلبها ودعاها إلى البحث عن فتيات يرغبن في التتلمذ والدراسة في الجامع.

وفعلا انطلق التعليم بصفة وقتية، بعد أن التحقت مجموعة من الفتيات، لا يتجاوز عددهن العشرة، للدراسة بمسجد قديم بحي حوانت عاشور بالمدينة العتيق مع انطلاق السنة الدراسية 1949_1950، بادارة الشيخ محمد بن الطاهر.

ومع نهاية السنة الدراسية، ازداد عدد الطالبات إلى سبعة عشرة، لينتقلن في بداية 1951، للدراسة بدار بن فضيلة بباب بنات، الى حين سنة 1953، حيث تحصلت على شهادة الأهلية من ضمن اثني عشرة طالبة. للتوالى فيما بعد سنوات نهل العلم والدراسة والانتقال من مدرسة الى مدرسة زيتونية.

 

بالتالي مثّل التعليم الزيتوني النسوي، أول مبادرة في التعليم العربي، حيث كان التعليم الزيتوني سبّاقا في تعليم البنات، سواسية مع الذكور بدون تمييز ودون فوارق، العلوم الشرعية وكسب المعارف والتعاليم الدينية.

 

فاطمة،رائدة الشهادة العالمية في علوم اللغة  والآداب

بعد مسيرة نضال وطلب علم في باحات جامع الزيتونة المعمور، دامت مايقارب سبع سنوات، تخرجت فاطمة بن علي من أول جامعة إسلامية، أصيلة في العالم الإسلامي. وكان عليها أن تتوجه للتعليم كمعلمة، غير أن الرغبة في مواصلة المرحلة الجامعية كانت تجتاحها. لأن التعليم العالي، كان يمثل أعلى مراحل التعليم الزيتوني ولكنه كان حكرا على الطلبة الرجال.

 

مرة أخرى، وقفت فاطمة أمام معضلة التعليم الذي يقتصر على الذكور، فكان عليها أن تبادر إلى إحداث منعرج و نقلة في سلك التعليم العالي الزيتوني، لتصبح بذلك أول طالبة جامعية تنظم الى الطلبة الذكور، في جامعة الزيتونة سنة 1956_1957.

في جوان 1960، حصلت فاطمة بن علي على الشهادة العالمية في علوم اللغة العربية، لتصبح بذلك أول طالبة في العالم العربي والإسلامي، تتحصل على شهادة علمية عليا من مؤسسة تعليمية إسلامية، في ظروف كانت تعيش فيها البلاد قتامة بسبب الاستعمار الفرنسي الغاشم الذي دام لقرابة 50 سنة.

 

أبرز إنجازات فاطمة بن علي

إلى جانب ريادتها في التعليم الزيتوني النسوي، كان فاطمة بن علي قربوج، سباقة في النضال ضد المستعمر الفرنسي، حيث ساهمت في نشاطات الإتحاد النسائي الإسلامي بزعامة رائدة النهضة النسائية المناضلة التونسية بشيرة بن مراد وذلك من 1947 إلى الإستقلال.

كما كانت من مؤسسي الاتحاد العام لطلبة تونس من سنة 1955 إلى غاية 1958. و تواصل اهتمامها بمجال المرأة حيث بادرت  في تشرين الأول، أكتوبر 1954 إلى تأسيس منظمة نسائية، عرفت ب “نادي الفتاة التونسية”، التي تعنى بالنهوض بالمرأة وتثقيفها.

 

إلى جانب اهتمامها بالكفاح والنضال في وجه المستعمر واهتمامها بصحوة المرأة التونسية، برزت فاطمة بن علي كرائدة في مجال الصحافة، حيث أسست في كانون الثاني، جانفي من سنة 1955،  أول مجلة نسائية وطنية تصدر باللغة العربية، تعرف ب”الإلهام”.

 

تعتبر فاطمة بن علي رائدة في التعليم النسوي الزيتوني، بفضل طموح اجتاحها في بداية الشباب، حيث فتحت المجال أمام المرأة التونسية، لتلتحق بمصاف التعليم الذي كان حكرا على الرجال.

كما استطاعت أن تسمو بجامعة الزيتونة إلى مصاف الريادة، في العالم بأسره، حيث سبقت الأزهر الشريف بحوالي 10 سنوات في مجال التعليم الشرعي للبنات، لتصبح بذلك منارة علم ومعرفة. غير أن هذا الاسم صانع التغيير، غيب في غياهب الجُبّ ولم يذكر ولم يكرم، إلا في سنة 2015، خلال ندوة علمية حول “رائدات زيتونيات”، بالمعهد  العالي لأصول الدين.

في السادس من كانون الأول، ديسمبر من سنة 2014، توفيت فاطمة بن علي، ليخلد وراءها مسيرة أول امرأة تونسية غيرت مجال التعليم الشرعي الزيتوني، الذي هُمّش بدوره في فترة الاستعمار الداخلي للبلاد.  

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد