مجتمع

معلمات الريف: جنديات الخفاء

العودة المدرسية

 

 

مجلة ميم- تونس- وفاء الحكيري

“المشوار كان طويلا جدا وقد دامت رحلتي الى مواطن عملي قرابة الـ 23 سنة متنقلة في مناطق مختلفة نائية من البلاد… ابنتي الكبرى رزقت بها في آخر يوم عمل شاق، يومها  شعرت بآلام المخاض وأنا في الصف وتواصلت معي وأنا انتظر وصول النقل الريفي لمدة ساعة أو يزيد ….وكانت ولادة عسيرة تمت بعد 7 ساعات تقريبا في بداية شهر كانون الثاني. وقد ذهبت محاولاتي لطلب نقلة سدًى. وكل هذا لم يشفع لي في أي نقلة إنسانية آنذاك.في بداية التسعينات. ولم أحصل على نقلة  مدرسة وسط المدينة إلا في نهاية 2010 أي بعد معاناة تعجز الكلمات عن وصفها”.   

 

رحلة معاناة نقلتها المعلمة سناء عبد المؤمن، مدرسة بمحافظة القيروان التونسية، بحسرة إلى مجلة ميم. كشفت الستار حول معاناة المرأة المناضلة في سلك التعليم، المرأة المربية، التي جعلت من تدريس الناشئة رسالة هادفة ونبيلة، رغم الصعوبات.

حكايتها ليست الا واحدة من آلاف الحكايات عن معاناة المدرسات وأوضاعهن المزرية في المدارس الريفية النائية.

 

 

بعد المسافة بين السكن والمدرسة

 تعاني المربيات والمعلمات في تونس، من بعد السكن عن المدرسة وهو ما يستدعي تنقلهن اليومي بواسطة سيارات النقل الريفي، التي غالبا ما تنتهي نقطة وصولها عند الطريق المعبد، مما يضطرهن للسير لمسافات طويلة على الأقدام. وتزداد الصعوبات في فصل الشتاء حيث تتهاطل الأمطار بكثرة، مما يجعل الطريق موحلة يصعب في بعض الأحيان تجاوزه.

 

الرحلة مع النقل الريفي، تبدأ منذ الصباح الباكر، كما صرحت حياة، معلمة باحد المدارس البعيدة من الشمال الغربي التونسي، “هي رحلة مضنية من أجل الوصول في الموعد المحدد، الساعة السابعة صباحا. في بعض الأحيان، قد أضطر لدفع ثمن الأماكن الشاغرة، نظرا لغياب الركاب وفي المساء أقف لقرابة الساعة وأنا أنتظر وصول السائق الذي اكتريه صحبة زملائي للعودة إلى المنزلي الذي يبعد حوالي 35 كيلومترا”  

غياب الماء الصالح للشراب والحمامات

في مدرسة كاف عباد الواقعة على بعد 65 كم من مدينة بنزرت الشمالية، تفتقر المدرسة الوحيدة بهذه الجهة الساحلية والواقعة على جبل يطل على البحر، لأبسط مرفق وهو الماء الصالح للشراب. إضافة لعدم  حمام ملائم، والأدهى من ذلك عدم وجود مواصلات تسهل عملية الانتقال إلى هذه المنطقة.

ففي  المنطقة لا تتوفر سيارات نقل إلا يوم الجمعة، باعتبار انه يوم سوق أسبوعي بمنطقة تسكراية الواقعة على بعد 3 كم من هذه الجهة.

هذه هي رحلة المعلمة الشاقة التي تتجدد مع بداية كل سنة دراسية على أمل الإصلاح وتوفير ابسط مستلزمات العمل في سلك التعليم. 

 

السكن على عين المكان، في بيت لا تطيب فيه الحياة

الكثيرات من المعلمات في الريف التونسي وخاصة الجهات النائية، يكن مضطرات للسكن على عين المكان، في بيوت هي أشبه بـ المساكن البدائية لا يطيب فيها العيش، حيث الرطوبة الشديدة وانقطاع الكهرباء المستمر وعدم وجود محلات لتوفير المواد الاستهلاكية.

 

معلمات  يُدرسّن لساعات طويلة من النهار، ينتقلن إلى هذه الجهات رفقة أزواجهن وأبنائهن الصغار، مخافة خسارة وظائفهن الحكومية، التي قد يُطردن ويُحرمن منها عند كثرة الغياب أو رفض التدريس.

 

كما تتسبب الصعوبات المناخية في انقطاع الطرقات نتيجة تساقط الثلوج في فصل الشتاء وسيلان الأودية، وتدفع عائلات  المربين، إلى قبول الأمر الواقع ومحاولة الاستقرار على عين المكان تجنبا للمخاطر التي قد تحدث.

 

أسرة مهددة من أجل مهنة ملؤها التحديات

ان كانت فئة قليلة من المربيات اخترن السكن على عين المكان، حيث يدرسن تجنبا للمشاكل اليومية التي تعترضهن خلال الرحلة الشاقة ما بين المدرسة والسكن، فأخريات أجبرن على الاقامة عن طريق الكراء مع زميلات لمدة ثلاثة أيام في الأسبوع، أو قد تزيد أحيانا، ثم يعدن في نهاية الأسبوع إلى بيوتهن.

 

من بين هؤلاء سعاد مدرسة ابتدائي التي تنهدت بحسرة وقالت “لم أهد أستطيع التحمل. أنا محرومة من أسرتي الصغيرة، في ظروف لا تسر لا صديقا ولا عدوا. لم أعد أتحمل هذا الوضع وأنا بصدد البحث على نقلة قريبة من هنا”.  

 

هذا وضع النساء اللائي يتكبدن مشقة الاغتراب عن مدنهن لتدريس أطفال الريف وسد جزء من النقص الذي يعاني منه هؤلاء، في ظل سياسة مركزية عقيمة سلكتها الدولة لعقود متعاقبة، همشت الجهات الداخلية وفقرتها. بدل أن تدعمهن وتوفر لهن الحوافز، اعترافا بالدور النبيل الذي تؤدينه،  تمضي الحكومات في تجاهل احتياجاتهن والأوضاع المزرية التي تقمن في اطارها بعملهن. ولسائل أن يسأل: لولا جنديات الخفاء اللائي يتحملن المشاق والخصاصة لأداء رسالة التعليم المقدسة، كيف سيكون حال أطفال الريف؟

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.