مجتمع

ما هو وضع العلوم الإنسانيّة في العالم العربي؟

العودة المدرسية

 

تعاني الأنظمة التعليميّة في البلدان العربيّة من مشاكل عديدة، مثل ضعف الميزانيّات الماليّة المرصودة لقطاع التعليم مقارنة بقطاعات أخرى أقلّ أهمّية، وتخلّف المناهج التعليميّة وإهمال البحث العلمي ومشكلة الاكتظاظ في الجامعات العربيّة، إلخ… وهذا ما ينجرّ عنه تدهور كبير في سوق الشغل، فمعدّلات البطالة تتزايد باطّراد مع حلول كلّ عام جديد، أمّا القليلون الّذين يجدون مواطن شغل فيُعانون من نقص الكفاءة لضعف تكوينهم في الجامعات، وهو ما يزيد في تبعيّة الاقتصاد وهشاشته وضعف نموّه.

وإن كانت هذه الإشكاليّات في النظام التعليمي تعوق مسار التنمية في المستقبل القريب، فإنّ إشكالًا أعمق في قطاع التعليم يُطرح عند حديثنا عن التنمية المستدامة، ألا وهو تهميش اختصاصات العلوم الإنسانيّة والفنون والأدب مقارنة بالعلوم الطبيعيّة والتكنولوجيا وعلم الأحياء.

 

مشاكل العلوم الإنسانيّة في النظم التعليميّة العربيّة

في المستوى التعليمي الأوّل (الابتدائي أو الأساسي)، نلاحظ اعتماد المدراس على منهج التلقين عندما يتعلّق الأمر بالشعب الأدبيّة، وهذا ما ينتج عنه ضعف اهتمام التلاميذ باللغات والأدب والتاريخ، إلخ… فيكتفون بحفظ الدروس عن ظهر قلب قبل موعد الامتحان بفترة قصيرة، لينسوْها بعد ذلك.

 

وهذا لا يعود إلى عدم راهنيّة هذه الاختصاصات كما يدّعي البعض، أو تشوّهات أحدثتها الثورة التكنولوجيّة المعاصرة على شخصيّة التلاميذ كما يدّعي البعض الآخر، بل يعود أساسًا إلى تهميش الأنظمة التعليميّة لهذه الاختصاصات وتدريسها بطرائق تجعلها مملّة ومنفّرة. فالدارس لا يُوجّهه المدرّس نحو الفهم والجدل والتفكير والبحث، بل هو مُطالب بالأساس بتلقّي المعلومات والقواعد وحفظ النصوص، فيُصبح التعبير الكتابيّ نسخًا، والتعبير الشفويّ حفظًا. وهذا ما يحطّ من قيمة الشعب الأدبيّة في نظر التلاميذ.

 

وهذا ما يفسّره انجذابهم إلى الشعب العلميّة (رغم أنّ مشاكل الدراسين في الاختصاصات العلميّة تبرز في التعليم الجامعي أكثر منه في التعليم الابتدائي، وتتمثّل أبرز المشاكل في افتقار الجامعات للتكنولوجيا الحديثة وعدم توفّر مراكز بحوث معمّقة، إلخ…) لطابعها الإشكالي الّذي يتطلّب جهدا وتفكيرًا، خاصّة عندما يتعلّق الأمر بحلّ المسائل الحسابيّة أو المعادلات الفيزيائيّة، وهذا ما يُشعرهم بالقدرة والتمايز.

 

كما تفتقر المدارس العموميّة إلى الاختصاصات الفنّية، وإذا ما وُجدت فإنّها تُدرّس في حصص اختياريّة، وبأسلوب التلقين ذاته!! وهذا ما يُساهم في تضييق زوايا نظر التلميذ للعالم، ويحدّ من قدراته التعبيريّة.

 

وكنتيجة لهذه السياسات في التعليم القاعدي، يحاول أغلب التلاميذ -خاصّة المتفوّقين منهم- التوجّه نحو دراسة الشعب العلميّة، وهو ما يعزّز أزمة العلوم الإنسانيّة في الجامعات. وما يدعو للتعجّب هو أنّ تلاميذ الشعب العلميّة في التعليم الثانوي هُم أكثر تفوّقا من تلاميذ الشعب الأدبيّة في الاختصاصات الأدبيّة ذاتها، لأنّ أغلب الّذين يتوّجهون إلى دراسة الفلسفة والأدب واللغات والتاريخ، يفعلون ذلك مكرهين لعدم تحصيلهم معدّلات تخوّل لهم المنافسة على مقاعد في أقسام الشعب العلميّة.

 

في التعليم الجامعي، تستفحل الأزمة في مجال العلوم الإنسانيّة. فالجامعات تعتمد مناهج نقديّة متخلّفة عن الراهن النقدي في العالم المعاصر، إضافة إلى عدم توفّر مراكز للبحث والمتابعة الآنيّة لكلّ ما يُنتج في العالم من التصوّرات الفنّية والعلميّة والنقديّة والأدبيّة.

 

وتتعمّق مشاكل طلّاب الآداب والفنون والعلوم الإنسانيّة في سوق الشغل الّتي لا تستطيع أن تستوعب إلّا عددًا قليلًا منهم، نتيجة لعدم تطوير اختصاصات العلوم الإنسانيّة وتطويعها ليجد دارسوها حصّتهم في سوق الشغل. فيتحمّل قطاع التدريس الحصّة الأوفر من مواطن الشغل المتاحة، وينتهي المطاف بالطلبة الباحثين القلائل (المتخرّجين بدرجة ماجستير أو دكتوراه) إلى أن يتحوّلوا إلى موظّفين أو مدرّسين، وهذا ما يمنعهم من التفرّغ لمواصلة إنتاج بحوثهم.

 

استتباعات خطيرة لتهميش العلوم الإنسانيّة 

هناك استتباعات خطيرة للمشاكل العديدة الّتي تشكو منها العلوم الإنسانيّة في النظم التعليميّة العربيّة. فعلى المستوى العلمي، تشهد الساحة النقديّة ضعفًا فادحًا، بعد رحيل أغلب النقّاد المؤسّسين من الرعيل الأوّل الّذين برزوا في النصف الثاني من القرن العشرين.

 

فاليوم، يعتبر عدد النقّاد الشباب المؤثّرين في المجال الفنّي قليلا جدّا. وهذا ما يؤثّر في تدنّي مستوى الأعمال الفنّية والإبداعيّة، فالحركات الفنّية والتيّارات الإبداعيّة لا تتطوّر إلّا إذا كانت مؤسّسة على أطروحات نقديّة تصاحبها في تطوّرها، ثمّ تتمرّد عليها لبناء لفنّ مستحدث مختلف.

 

وتنتج البلدان العربيّة سنويًّا، عددًا محتشمًا من الدراسات المعمّقة في اختصاصات الفلسفة وعلم النفس وعلم الاجتماع وعلم التاريخ والعلوم السياسيّة وغيرها.. فتُضاف إلى التبعيّة الاقتصاديّة تبعيّة فكريّة وثقافيّة، يستهلك فيها العرب ما تنتجه الأمم الأخرى من المعنى.

 

وهذا ما ينتج عنه ظواهر أخرى أكثر خطورة، مثل ظاهرة التطرّف الدينيّ أو الإيديولوجي. فتخلّف قطاع العلوم الإنسانيّة يُنتج بالضرورة تغلغل الجهل والتطرّف في المجتمع، وذلك لمحدوديّة المعرفة بالأديان وتاريخها وانعدام الوعي بخصوصيّات المذاهب العقائديّة المختلفة وتاريخ الحضارة العربيّة الإسلاميّة وعلاقتها بحضارات العالم القديمة منها والحديثة.

 

أخيرًا، هناك غياب واضح للوعي السياسي عند فئة كبيرة من الشعوب العربيّة وهو ما يُفسّر تدنّي نسبة مشاركتها في الانتخابات ونسبة انخراطها في الأحزاب والجمعيّات أو في الحراك النضاليّ المدنيّ. كما ينتج عن قلّة الباحثين في مجال علوم الأفكار السياسيّة وتاريخها، إلى ضعف النخب السياسيّة وبقائها حبيسة تصوّراتها الإيديولوجيّة الخاصّة دون الاستفادة من أطروحات بعضها البعض بالقيام بمحاورة الموروث الإيديولوجي وتطويره وجعله أكثر انفتاحا على الاتّجاهات الفكريّة الأخرى وعلى المتغيّرات السياسيّة والفكريّة في العالم.

مهدي الغانمي

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.