ثقافة

لا نريد تعليما!

العودة المدرسية: حين تغني فرقة روك عن مشاكل التعليم

 

لا نريد لا تعليما

لا نريد تحكما في الأفكار

لا سخرية سوداء في صفوف القسم

أيها المدرسون أتركوا التلاميذ و شأنهم

هاي أيها المدرسون أتركو التلاميذ و شأنهم !

 

 

 

كلمات قد تبدو غريبة للبعض أو مفزعة للأولياء، و لكن هذه العبارات المقتطفة من أغنية  “حجر آخر في الجدار” لفرقة الروك الشهيرة “بينك فلويد “  ساهمت في تغيير مناهج التعليم في المدارس الداخلية ببريطانيا و تم منعها في بلدان أوربية عديدة تحت طلب الفاتيكان. فما قصة هذه الأغنية التي أثارت الشغب، لا فقط في صفوف التلاميذ، بل كانت شعارا في جنوب إفريقيا إبان حقبة التمييز العنصري؟

كما أنها استخدمت في المظاهرات الإيرانية الأخيرة ضد “ولاية الفقيه” مع تحوير في الكلمات.

 

تمرد كامل على المدرسة أم نقد لها؟

“لا نريد ألا نتعلم” أو “لانريد لا تعليما” ،  جملة قد تبدو ضبابية المعنى أو غير سليمة لغويا ، لكن معناها الخفي ، هو الاعتراض على نظام التعليم البريطاني وتحديداً نظام المدارس الداخلية و التمرد عليه، ولكن من دون اعتراض شامل على مفهوم التعليم، وهو ما أساء فهمه كثيرون من عشاق الأغنية فهو  أسلوب معروف في نفي النفي: (لا نريد لا تعليم!) وهو شائع في العامية ولا يعني الإثبات.

وهو شبيه بقول في العامية المصرية (مش عاوز ولا حاجة) حيث يتكرر النفي مرتين.. و الحقيقة أن هذه الأغنية  مقتطعة من فيلم “الجدار”؛ حيث يعامل المدرس التلميذ “بينك” (بطل الفيلم) بقدر كبير من الإهانة والسخرية المريرة أمام زملائه في الصف و من محاولاته الشعرية.. وهكذا يحلم الطالب بأن التلاميذ كلهم قد تمردوا على نظام القمع هذا.

 

 

 

 

 

 

 

قصة الأغنية

أغنية ساحرة لعشاق أغاني روك السبيعينات سأحاول نفض الغبار عنها و تبين مقاصدها عبر وتيرة الألحان  الموسيقى المختارة فيها  والكلمات و الفيديو المصحوب بها، لا سيما أنها مثلت أول شرارة في إثارة إشكال  التعليم الداخلي في بريطانيا بهذا الشكل الفني الموسيقي.

 

قدّم الفريق بينك فلويد هذه  الأغنية عام 1979، وهي في الواقع واحدة من ثلاث أغنيات بنفس الاسم ونفس اللحن مع تنويعات مختلفة، وكلمات مختلفة في كل أغنية ضمن ألبوم “الجدار”.

الأغاني تتصاعد من الهدوء إلى الثورة الغاضبة العارمة، تارة  تتكلم الأغنية عن وفاة الأب الذي لم يترك سوى صورة له في ألبوم الأسرة.. وطورا   عن المدارس التي تهين الطلاب.. ثم تبدأ الثورة وتحطيم الأسوار.

تسبق بداية الأغنية همهمات ريجي ووترز قائلا “عندما نكبر نقصد المدرسة نجد هنالك بعض المعلمين يحاولون أذية التلاميذ بأي طريقة يستطعونها عن طريق صب جام سخريتهم على كل شي نفعله و فضح كل ضعف مخبأ بعناية من قبل الأطفال “ و من ثمة يعلو في أغنية صراخ مفزع من قبل الأستاذ و تبدأ الأغنية بترديد “لا نريد ألا  نتعلم “ بصوت مطربي الفريق، ثم تتكرر الكلمات مرة ثانية بواسطة كورس من تلاميذ المدارس.

هذه هي الأغنية السابعة لفرقة بينك فلويد و يؤكد الكثير من المهتمين بالشأن الموسيقي  على فرادة التجربة الموسيقية الخاصة ببينك فلويد في سنوات نشاطها الممتدة منذ منتصف ستينيات القرن الماضي وحتى منتصف التسعينيات و على أن ألبوم “الجدار” عمل تقدمي ملحمي، على الرغم من سيطرة المفهوم الشخصي عليه، حيث تدور أغانيه التي تعتبر أكثر أعمال بينك فلويد ثورية وعنفاً، عن محطات مبعثرة زمنياً من حياة روجر واترز.

 

 

و حسب المحليلين الموسيقين في  المقطع الثاني “التعليم”، هناك تداخل مدروس مع الأغنية التي تسبقه “أسعد أيام حياتنا”، والتي تعتمد في بنيتها اللحنية على الإيقاع الأساسي لأغنية “حجر آخر في الجدار”، وبكلمات تتحدث عن معلمين يحرصون على ضبط الطلاب أكثر من حرصهم على تعلميهم وعندما يعودون لبيوتهم يتعرضون لشتى أصناف الهوان على أيدي زوجاتهن، ومع صرخة واترز الشهيرة، يدخل المقطع الثاني بأسلوب قطعي وحاد ميزه عن المقطع الأول والثالث، شجب مباشر مع الإيقاع الموسيقي الأساسي، “لا نريد ألا نتعلم”.

 

 

 

يتميز المقطع ببنيته اللحنية المتماسكة، جيتار مساعد مشدود، لحن جيتار متميز في الخلفية، عزف منفرد للجيتار الرئيسي رفيع وديناميكي، كورال الأطفال الرئيسي أمعن في تأكيد هوية المقطع الاحتجاجية وتمايزه عن غيره، ليأتي الإغلاق الذي نسمع فيه صيحات الأطفال وعويلهم وكأنهم في ساحة مدرسة، مع صراخ المعلم الذي يلقي أوامره مشتعلاً من الغيظ، كآخر أركان إطار الاحتجاج.

 

 

أهم مشاهد المقاطع التي ترادفت مع الأغنية

المشهد الأول : يبدأ الفيديو بأطفال يمشون في طابور واحد ثم نجدهم في القسم حيث يقوم الأستاذ بافتكاك كنش صغير من تلميذ يحاول كتابة بعض الخواطر به، ثم  يقول المدرس ساخرا : شعر أيها القوم، انه يكتب الشعر و يبدأ بقراءة نصه  أمام ضحك أصدقائه.

 

المشهد الثاني: تلاميذ يتحركون في خطوة إيقاعية واحدة  و يظهر أنهم يرتدون أقنعة متشابهة تبدو شبيهة باللحم الذائب ثم يمر المشهد إلى مشهد آخر يفسر سبب تعنيف  المعلمين للأطفال حيث نجده على مائدة طعام مقابلا لزوجته التي تقوم بتأديبه و نهيه عن تناول الطعام فيتخيل نفسه في تلك اللحظة بصدد ضرب أحد تلامذته.

 

 

المشهد الأخير: تظهر آله بصدد عجن التلاميذ و تقوم بتحوليهم إلى عجين واحد، وفي هذا بعد رمزي على تنميط المدارس الداخلية التي كانت موجودة ببريطانيا في ذاك الوقت لشخصية التلميذ .

وينتهي المشهد بإحداث التلاميذ ثورة و حالات شغب ثم نكتشف انها مجرد ثورة في خيال شاعرنا الصغير بطل الرواية “بينك” متمنيا في ذاته الصغيرة أن يتمرد أصدقائه

 

 

بينك فلويد و القضايا الإنسانية 

بقي أن نعرف أن فريق “بينك فلويد” هو فريق روك بريطاني فائق الشهرة، تشكّل عام 1965، وله عالمه الخاص الغامض الشبيه بالأحلام.. هناك الكثير من التعقيد في الكلمات والتجارب الصوتية والبراعة في استخدام تقنيات الاستوديو. ولعل أشهر ألبوم للفريق هو “الجدار” الذي تحوّل لفيلم روائي  أخرجه آلان باركر و قام روجي وترز بكتابة السيناريو.

 

فلسطين 

ومن المهم أن نذكر أن روجي وترز قام بأداء هذه الأغنية في برلين عند إزالة جدارها سنة 1990. ومن المواقف التي يحترم من أجلها أيضا معارضته الصريحة للجدار العازل في فلسطين، كما تشاهد في الصورة التالية حيث يقوم بكتابة (لا نريد مراقبة الأفكار) على الجدار بعد زيارته احتجاجا على إقامته حيث قال “سيكون من الصعب إزالة هذا الجدار لكن في النهاية يجب فعل ذلك” مقارناً إياه بجدار برلين.

كما أن روجر وترز من أبرز المشاركين في الحركة العالمية لمقاطعة اسرائيل المعروف ب Boycott, Divest, Sanctions Movement ، احتجاجا على احتلالها للأراضي الفلسطينية وتنكيلها بالفلسطينيين.

 

 

نهاية الأغنية : تخفض الموسيقي تدريجيا و يواجه  الطفل “بينك” مصيره  وحيدا …

(كلام من دون غناء للتعبير عن جو المدرسة) وينتهي الفيلم بصراخ المدرس

“أخطأت، أعدها مرة أخرى!

الوسوم

رحاب الخترشي

عضو فريق مجلة ميم التحريري وباحثة في علم الإجتماع

اترك رد