مجتمع

في مصر: اعلان عن النباتية يناول أطفالا سكينا لذبح دجاجة

الاستغلال الفج للأطفال في الدعاية

 

 

مجلة ميم- القاهرة- أسماء شحاتة

يحتدم الصراع بين فكرتين، ويحاول مريد كل فكرة اثبات وجهة نظره على الآخر، وفي الترويج للأفكار والمنتجات والسلع يتم استغلال أي شئ وأي أحد ، فبعد أن انتهك جسد المرأة في الإعلانات التليفزيونية منذ وقت طويل واستغلاله أتى الدور على الأطفال.

ورغم أن القانون المصري لحماية الطفل رقم 126 لسنة 2008 يعد استغلال الأطفال معنويا أو جسديا أو غيرها من أشكال الإستغلال جريمة تصل العقوبة فيها إلى السجن خمس سنوات ولا يعتد بموافقة الطفل أو أسرته، حيث جرّم الدستور أي استغلال للأطفال مهما كان الغرض المروج له ، إلا أننا لازلنا نرى استغلال الأطفال في أسوأ صوره ، فما بين اعلانات لجمع التبرعات المالية وإظهار الأطفال المرضى في المستشفيات على سبيل المثال لاستدرار العطف ، أو أخرى عن مواد غذائية ضارة وغيرها ، أتى هذا الإعلان الأخير على إحدى الصفحات على الفيس بوك للترويج لفكرة الطعام النباتي ومقاطعة اللحوم الأكثر صدمة في الأونة الأخيرة.

 

طفولة منتهكة

رحيم ( 12 سنة ) وحبيبة ( 10 أعوام ) أجلسهما القائم على صنع الفيديو ليبدأ أسئلته الموجهة إليهما، فتكون بداية الفيديو آية قرآنية مكتوب فيها ” أُمَمٌ أَمْثَالُكُم ” ليبدأ بعدها الحوار الصادم، ما أكلتكما المفضلة، هل لديكما حيوان أليف، هل تأكلان اللحوم، لو كنت في الصحراء وانتهى معك الطعام هل تأكل حيوانك الأليف؟

وغيرها من الأسئلة التي تصل بالفيديو إلى اللحظة التي يسعى إليها القائمين عليه، طبق كبير عليه مكونات لساندويتش برجر الدجاج الذي يحبه الأطفال، ولكن دون أن يضع قطع الدجاج أمامهما، ويعطي المحاور لكل طفل منهما سكينا ثم يأتي بدجاجة حية أمامهما ويقول لهما “احصلا على اللحم الذي تريدان لعمل الساندويتش”!

الفيديو الذي أظهر استهانة شديدة بمشاعر الطفلين والأثر السلبي الذي تركه على نفوسهما، والذي ظهر في بكاء أحدهما بكاءا شديدا رافضا أن يمسك السكين، أصاب المتابعين عبر صفحة الفيس بوك بصدمة شديدة لاستغلال الأطفال بهذا الشكل السئ للترويج للفكرة.

 

 

 

 

 

 

صدمة واستهجان

لاقى الفيديو الذي نشر عبر إحدى الصفحات الداعمة لفكرة الطعام النباتي استهجانا شديدا من المتابعين على الفيس بوك وجاءت الردود عليه تبين الصدمة الشديدة للمتابعين من استغلال الأطفال الذي حدث

 

 

فتعلق إحدى المتابعات قائلة : ” اللي اتعمل في الأطفال ده إجرام واستغلال، ازاي تستغل الأطفال علشان تثبت وجهة نظرك وتعرضهم لصدمة عصبية زي دي؟! ”

 

 

 

 

 

 

وكتب أخر قائلا: “اللي عمل الفيديو لازم يتحاسب، ازاي يلعب بأعصاب الأطفال ويعرضهم لموقف زي ده؟!”

 

 

 

 

وتقول معلقة أخرى على الفيديو: “مش عارفة أهل الاطفال ازاي سمحولك تعمل كدا وتجبر طفل يعيش الموقف دا، كان الأولى تعمل وثائقي عن جشع أصحاب مزارع وشركات الدواجن”

 

 

 

شاركها الرأي تعليق أخر جاء فيه “جهل بلا حدود، كان المفروض تقدم توعية لأصحاب المصانع و مربين للحيوانات عن كيفية ذبح الحيوانات، مش تحرّم ما احل آلله وتتلاعب بعقول أطفال.”

 

 

 

وفي تعليق آخر يتسائل أحد المتابعين عن أهل الطفلين وكيف سمحا بذلك؟!

 

 

 

 

 

لينتهي الفيديو ببكاء شديد من أحد الأطفال في الفيديو بعد أن طلب منه مخرج العمل أن يذبح الدجاجة الحية التي وضعها

أمامه. ولم يكتف صانع الفيديو بذلك وانما قام بمناداة مساعد له وطلب منه أن يذبح الدجاجة أمام الأطفال الذين أصيبا بالذعر الشديد ليتوقف الفيديو عند هذا الحد.

 

للطب النفسي كلمة

وحول التأثير النفسي على الأطفال المشاركين في الإعلان يقول د. محمد جمال – طبيب نفسي:

“لا أظن أن القائمين على تلك الحملة الدعائية وأسرتي الطفلين المشاركين في الإعلان لديهم أدنى قدر من المشاعر الإنسانية أو المسئولية، فهذا نوع رخيص من الدعاية لا يقل ابتذالا عن استخدام العري للترويج للأفكار أو المنتجات ولا يقل وحشية وارهاب عن مشاهد القتل والحرق والذبح التي تمارسها داعش تجاه ضحاياها، ويظهر جليا أن الإعلان يعتمد على فكرة الصدمة”!

 

ويكمل د. محمد حديثه “إن كان ظاهر هذا الإعلان الإساءة لآكلي اللحوم والدعوة للخضرية كما سموها، فباطنه دعوة للتخلي عن الإنسانية واستعراض العدوانية وإدخال الخوف والرعب على الأطفال المشاركين والمشاهدين لإيصال الفكرة، وهذا الإعلان نموذج فج لإستباحة الأطفال، وأقل وصف له أنه جريمة إساءة للأطفال المشاركين وكذلك المشاهدين”.

 

ويضيف د. محمد قائلا “يبدأ الفيديو بالسؤال الودود للأطفال عن أعمارهم وأكلهم المفضل وعلاقاتهم بالحيوانات لإثارة مشاعرهم، ثم يتم إعطاؤهم أدوات حادة لذبح الدجاج (الطعام المفضل لهم) وارغامهم على مشاهدة عملية الذبح والتلذذ بنظرات الخوف والبكاء وسماع نغمات التوسل بالتوقف عن ذلك، ثم يخبره المتحدث أن هذا ما نفعله عند تناول اللحوم!

 

وعن تأثير الفيديو من الناحية النفسية على الأطفال يشير د. محمد جمال إلى أن تعمد تعريض الأطفال القصّر (10سنوات، و12 سنة) لصدمة نفسية بهدف الترويج لفكرة مختلفة قد تصيبهم بإضطرابات نفسية كالقلق والإكتئاب والأهم من ذلك اضطراب كرب ما بعد الصدمة. “كما أنها قد تصيب الأطفال بمشكلات في النوم، أو تناول الطعام والتي قد لا تقتصر على الإمتناع عن تناول اللحوم فقط، بل من الممكن أن تصل للإمتناع عن تناول أي شيء. حتى النباتات “أمم أمثالكم” كما أشار القائمون على الفيديو في بدايته، الأمر الذي سيؤدي إلى تدهور جسدي غير معروف العواقب”.

“كذلك من الممكن أن يؤدي ما حصل للمشاركين الى كوابيس وفزع ليلي إضافة لحدوث فلاش باك لنفس الأحداث أو ظهور سلوكيات عدوانية تجاه الذات أو الآخرين هذا على مستوى الأعراض الظاهرة”.

 

ويكمل د. محمد جمال “أما على مستوى أخر فقد تعرض الطفلان لعملية متعمدة لتشويه صورة الذات لديهم، وتعمد الإساءة إلى إنسانيتهم وتكبيلهم بالشعور بالذنب تجاه فعل أحله الله، وأتمنى أن يحظى الطفلان على فرصة للإستشارة النفسية لتقييم قدر الإساءة التي تعرضا لها ومحاولة المساعدة التي مما لا شك فيه أنهما سيحتاجان إليها بعدما تعرضا له خلال تصوير هذا الإعلان.

 

ويكمل د. محمد حديثه “ربما يكون ضرر الإعلان على الأطفال المشاهدين أقل من ضرره على الأطفال المشاركين إلا أنه يحمل رسالة مسمومة بها قدر كبير من العنف السلبي التي قد تؤدي إلى تشويه صورة الذات، وظهور الاضطرابات الفكرية والنفسية والسلوكية على المستقبلين للفيديو”.

 

ويشير الطبيب النفسي في ختام حديثه أن خط الدفاع الأول لحماية الأطفال من الإساءة أيا كان نوعها هو الأب والأم، مضيفا:”من الضروري أن تقام حملات توعوية مجتمعية منظمة تخضع لرقابة المتخصصين في سيكولوجيا الطفل يتم عرضها عبر مواقع التواصل الإجتماعي والإعلانات المتلفزة لتوعية الآباء بحقوق الأطفال.”

“ومن الواجب أيضا أن يفهم كل أب وكل أم أنهم مسؤولون عن حماية أبنائهم ومساعدتهم في الوصول إلى النضج النفسي الذي يسمح لهم بإتخاذ قرارتهم في مختلف مناحي الحياة فيما بعد، كما لا يمكننا أن نتجاهل دور الدولة في سن القوانين المنظمة لمشاركات الأطفال في الإعلانات والبرامج التلفزيونية ومتابعتها وتنفيذ عقوبات رادعة في حالة التجاوز والإساءة”.

 

لم يكن رحيم وحبيبة أول الحالات التي يستغل فيها الأطفال بهذا الشكل المسيء لطفولتهم ونفسياتهم، وربما لن يكون الأخير إذا لم يكن هناك رادع لإستغلال الأطفال في مثل تلك الإعلانات وإيقاف لانتهاك الطفولة بهذا الشكل الفج.

 

 

الوسوم

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.