مجتمع

جيب التونسي المستنزف، من العيد الى العودة المدرسية

    جيوب خاوية وأسعار عالية

 

لا يكاد الولي التونسي، يودع مناسبة دينية أو اجتماعية ويتنفس الصعداء، حتى تقبل عليه مناسبة أخرى. وهاهو اليوم ينهي الاحتفال بعيد الاضحى وهو يستعد في “جيب مُفرغ”، لاستقبال العودة المدرسية، التي صارت هاجسا يقض مضجعه بعد أن كانت سبيلا للعلم والمعرفة. فهل بات التعليم في تونس عبئا على الولي، الذي أطلق صيحة فزع أمام غلاء الأسعار والمعيشة؟

 

 اختلفت آراء الأولياء بشأن العودة المدرسية والتصرف المثالي لحل الأزمة المالية، لكن  جلها يصب في غلاء الأسعار وارتفاعها مقابل عجز الولي عن الإلمام بكل ما تتطلبه العودة المدرسية، من مستلزمات ومقتنيات.

 

التعليم من المجانية إلى التجارة الربحية

“صحيح قد ودعنا منذ أيام العيد ولكن منذ تلك الفترة وأنا أحاول البحث عن سبيل لتجاوز العودة المدرسية بسلام، حتى أنها باتت تؤرق تفكيري وكاهلي بمجرد التخمين  بحلولها، حتى صرت غير قادر على إغماض جفوني. لأنها صراحة لم تعد تعليما مجانيا بل صارت تعليما تجاريا هدفه الربح المادي، ولو على حساب الفقراء والمساكين ومتوسطي الدخل”

صيحة فزع أطلقها محمد الصالح وهو ولي لثلاثة أبناء، تلاميذ، أصغرهم تلميذ في الصف السادس ابتدائي.

 

ارتفاع مستلزمات العودة المدرسية في ظل غياب تام للدولة

عبد الكريم ولي لأربعة أطفال، أحدهم تلميذ باكالوريا، أكد لمجلة ميم أن العودة المدرسية باتت عبئا على الولي، قائلا،

“لقد ارتفع ثمن الكتاب والكراس المدعم من الدولة، والتلميذ الواحد يدرس ب12 كتابا وأكثر من 10 كراسات. وحتى الأقلام الجافة صارت باهظة والمعلم لا يقبل من التلميذ توفير الأدوات على مراحل بل يطلبها جلّها، حتى وان لم تستعمل على الفور. والمكتبي لا يقبل التعامل بالتقسيط، لأن ذلك لا يساعده في الربح، والولي لا يعرف ما يجب عليه فعله أمام شبح المصاريف التي لا تنتهي وغلاء الأسعار، والكراء وفواتير المياه والكهرباء التي تقصم الظهر، ومتطلبات العيش اليومي.. كل ذلك والدولة غائبة، لا يهمها أمر المواطن ولا مشاغله”.

وأضاف عبد الكريم، “حتى دروس التدارك باتت اجبارية لضمان تفوق التلميذ ونجاحه. فماذا يفعل الولي؟”

 

السوق الموازية هي الحل

نبيهة أم لطفلين، اختارت أن تبدأ في اقتناء مستلزمات المدرسة من السوق الموازية، المعروفة بغياب المراقبة الصحية و مضارها الكثيرة، لكن في المقابل، تقول في حسرة،

“المهم أن أوفر ما يلزم لأبنائي، وأن يدرسوا كباقي التلاميذ. الأسعار باهظة ومرتفعة جدا في المكتبات والفضاءات العمومية. حتى ولو قامت الدولة ببعض التخفيضات، فتظل مرتفعة ولا يمكننا تحملها”.

أجرة الولي لم تعد كافية للإلمام بكل متطلبات الحياة، حتى الضرورية منها، فنحن لا نتحدث عن توفير الكماليات.    

 

الأدوات من السوق و الكتب من المكتبات العمومية

رشيدة كانت تهم بشراء محفظة ومجموعة من الأقلام، حين سألناها: لماذا لم تقصد المكتبات والفضاءات العامة، حيث تتوفر الشروط الصحية؟ أجابت: “من بامكانه أن يشتري من هناك؟!”،

“حتى الكراس المدعم من الدولة والكتب باتت غالية وفي كل سنة يسعرها، مع كل حرف إضافي تضيفه وزارة التعليم، لذلك اضطر أحيانا لشراء الأقلام والأدوات المدرسية من السوق الموازية و أقتني الكتب والكراسات من المكتبة.”

 

التداين والاقتراض لحل أزمة العودة المدرسية

شهيرة، أم لأربعة أبناء، جلهم تلاميذ، وهي عاملة بمصنع نسيج، اعتبرت التداين هو الحل لأزمتها المالية مع العودة المدرسية،”انا مضطرة في كل بداية سنة دراسية جديدة للاقتراض من العمل وسحب سلفة مالية، أسدد بها نفقات العودة المدرسية، ثم أسددها على باقي السنة. تكلفة التلميذ الواحد ما بين 150 و200 دينارا، وهو ما لا يتماشى مع ميزانية العائلة ميسورة الحال ومتوسطة الدخل. التونسي لم يعد في وسعه الادخار على طول العام، نظرا لغلاء المعيشة، لذلك يصعب توفير ولو القليل من المال للعودة المدرسية وهو ما يدفعني للتداين.”

 

الإصلاحات المنهجية كل سنة هدّت حيلنا

لطفي ولي لثلاثة أبناء، يقول ان الدولة تقوم في كل سنة بعدة إصلاحات في الكتب التي يدرس بها التلاميذ. وهذه الإصلاحات، لا تأخذ بعين الاعتبار ميزانية العائلة التونسية التي باتت الفئة الفقيرة والميسورة أكثرها.

فالأب حتى لو كانت زوجته سنده المالي وتعمل من أجل إعانته لا يمكنه اقتناء كل مستلزمات أبنائه، خاصة مع توالي المناسبات التي لا مفر منها. “لا يمكنك ألا تشتري أضحية العيد وتدخل الفرحة على قلوب العيال، كما لا يمكنك أن تشتري كل ما يلزم لثلاث أو أربع أبناء في نفس الوقت حتى لو تداينت.

في الماضي كان  بإمكان التلميذ استعمال الكتب المدرسية التي سبق وتعلم بها شقيقه أو حتى أحد أقربائه، لكن اليوم مع الإصلاحات المتتالية لا يمكنك ذلك. صدقا لقد هدّت حيلنا”.

 

“الكريدي” سلاحي من أجل عام دراسي

سلمى، قالت لمجلة ميم، انها في السنوات الأخيرة، لم يكن أمامها حل سوى اقتناء مستلزمات المدرسة “بالكريدي”، من المكتبات بعد أن تتفق مع صاحبة مكتبة الحي، ثم تقوم بتسديده على مراحل وأقساط. ولكن “المشكل المطروح، أن متطلبات المدرسة لا تنتهي على كامل العام، حتى لو اشتريتها في أول السنة، فأنت مضطر بعد فترة لإعادة شراء الأقلام والكراسات وكل ما يلزم وحتى مالا يلزم.

 

 

 

الاقتناء على مراحل

فتحية أم لطفلين، أحدهما تلميذ بالصف الابتدائي والآخر تلميذ بالثانوي، قالت لمجلة ميم، “أنا أقتني مستلزمات ولدي المدرسية على مراحل، حتى لا أضطر للتداين ولا أقع في إحراج أو ضائقة عند العودة المدرسية، خاصة أنها تأتي مباشرة بعد العيد، “يجب صعود الدرج درجة درجة”، فالحياة تتطلب حكمة وحسن تصرف حتى مع غلاء الأسعار وتوالي المناسبات”.

 

 

 

فيما اكد المعهد الوطني للاستهلاك، أن التونسيين ينفقون ماقيمته 472 مليون دينار بمناسبة العودة المدرسية 2017_2018، كما شهدت أسعار المستلزمات المدرسية ارتفاعا بنسبة 20%، وفق ما أكده مدير المعهد  الوطني للاستهلاك طارق بن جازية.

الوسوم

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.